بسم الله الرحمن الرحيم الخلاصة من تفسير الطبري اختصره الدكتور عقيل بن سالم الشمري سورة البقرة بسم الله الرحمن الرحيم ألف لا مين أن الله جل ثناؤه جعلها حروفا مقطعة ولم يصل بعضها ببعض فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف لأنه عز ذكره أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه على معان كثيرة لا على معنا واحد ذلك الكتاب لا ريب فيه هدا للمتقين هذا الذي ذكرته وبينته لك يا محمد هو الكتاب الذي لا شك فيه أنه من عند الله هدا من الضلالة للذين اتقوا ربهم فأطاعوه فيما أمرهم به من فرائضه وتجنبوا ركوب ما نهاهم عنه من معاصيه الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومن ما رزقناهم ينفقون الذين يصدقون بما غاب عنهم من الجنة والنار والثواب والعقاب والبعث وبما ذكر الله في القرآن من التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله ويقيمون الصلاة بأدائها بحدودها وفروضها كما فرضت عليهم بتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع ومن ما رزقناهم مؤدين زكاة أو نفقة من لزمته نفقته من أهل وعيال والذين يصدقونك بما جئت به من الله جل وعز وما جاء به من قبلك من المرسلين ولا يفرقون بينهم ولا يجحدون ما جاؤهم به من عند ربهم وبأمر الآخرة من البعث والنشور والثواب والعقاب والحساب والميزان وغير ذلك مما أعد الله لخلقه يوم القيامة هم يوقنون وهذا تعريض بذم أهل الكتاب الذين زعموا أنهم بما جاءت به رسل الله قبل محمد عليه السلام مصدقون وهم بمحمد صلى الله عليه وسلم مكذبون أولئك المتقون والذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإلى من قبله من الرسل على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد بتسديد الله إياهم وتوفيقه لهم وأولئك هم المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله تعالى من الفوز بالثواب والخلود في الجنان والنجاة مما أعد الله لأعدائه من العقاب إن الذين جحدوا ما أنزل إليك من ربك معتدل عندهم الإنذار أم ترك الإنذار لأنهم كانوا لا يؤمنون وقد ختمت على قلوبهم وسمعهم طبع الله على قلوبهم فلا يكون للإيمان إليها مسلك ولا للكفر منها مخلص وجعل على أبصارهم غطاء عن أن يبصروا سبيل الهدى فيعلموا قبح ماهم عليه من الضلالة والردى ولهم عذاب عظيم ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ومن الناس وهم المنافقون من يقول صدقنا بالله وبالبعث يوم القيامة وما هم بمصدقين فيما يزعمون أنهم به مصدقون وهذا تكذيب لهم فيما أخبروا عن اعتقادهم وإعلام لنبيه صلى الله عليه وسلم أن الذي يبدونه بأفواههم خلاف ما في ضمائر قلوبهم وضد ما في عزائم نفوسهم يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون فهو لنفسه خادع لأنه يظهر لها بفعله أنه يعطيها أمنيتها ويسقيها كأس سرورها وهو موردها حياض عطبها ومذيقها من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به وهم لا يشعرون بأن الله خادعهم بإملائه لهم واستدراجه إياهم فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون في اعتقاد قلوبهم الذي يعتقدونه في الدين والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله سقم وشك فزادهم الله بما أحدث من حدوده وفرائضه التي لم يكن فرضها شكا وحيرة إلى المرض والشك الذي كان في قلوبهم ولهم عذاب مؤلم بما كانوا يكذبون بقولهم بألسنتهم آمنا بالله وباليوم الآخر وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون وأذا قيل للمنافقين لا تفسدوا في الأرض بمعصيتكم فيها ربكم وركوبكم فيها ما نهاكم عن ركوبه وتضيعكم فرائضة وشككم في دين الله ومظاهرتكم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله قالوا إنما نحن مصلحون في الأرض وعلى رشد وهدا ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ألا إنهم هم المخالفون أمر الله عز وجل المتعدون حدوده الراكبون معصيته التاركون فروضه وهم يدرون أنهم كذلك وأذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون وأذا قيل لهم صدقوا بمحمد وبما جاء به من عند الله كما صدق به المؤمنون الذين آمنوا بمحمد ونبوته وما جاء به من عند الله قالوا أنؤمنوا كما آمن أهل الجهل ونصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم كما صدق به هؤلاء الذين لا عقول لهم ولا أفهام ألا إنهم هم الجهال في أديانهم الضعفاء الأراء في اعتقاداتهم واختياراتهم التي اختاروها لأنفسهم من الشك والريب في أمر الله وأمر رسوله وهم يحسبون أنهم إليها يحسنون وذلك هو عين السفه لأن السفيهة إنما يفسد من حيث يرى أنه يصلح وكذلك المنافق يعصي ربه من حيث يرى أنه يطيع ويكفر به من حيث يرى أنه يؤمن به ويسيء إلى نفسه من حيث يحسب أنه يحسن إليها وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إننا معكم إنما نحن مستهزئون وإذا لقوا المؤمنين المصدقين بالله وكتابه ورسوله قالوا لهم آمنا وصدقنا بمحمد وبما جاء به من عند الله خداعا عن دمائهم وأموالهم وذراريهم وأذا خلوا إلى مردتهم وأهل العتو والشر والخبث منهم قالوا لهم إننا معكم على دينكم وظهراؤكم على من خالفكم فيه إنما نحن ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في قيلنا لهم إذا لقيناهم آمنا بالله وباليوم الآخر الله يستهزئ بهم ويمدهم في طريانهم يعمهون استهزاء الله بأن جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام المدخلة لهم في عداد من يشمله اسم الإسلام وإن كانوا لغير ذلك مستبطنين مع علم الله بكذبهم والطلاعه على خبث اعتقادهم حتى ظنوا حشره إياهم في الآخرة مع المؤمنين والله معد لهم من أليم عقابه ونكال عذابه مستهزئا وساخرا وخادعا وماكرا بهم ويملي لهم ويذرهم يبغون في ضلالهم وكفرهم يترددون حيارا ضلالا لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا أولئك الذين أخذوا الضلالة وتركوا الهدى فخسروا ولم يربحوا وما كانوا رشداء في اختيارهم الضلالة على الهدى واستبدالهم الكفر بالإيمان مثل استضاءة المنافقين بما أظهروه من الاقرار بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به قولا وهم به مكذبون اعتقادا كمثل استضاءة الموقد نارا حتى أضاءت وأبصر ما حوله خمدت النار وانطفأت فذهب نوره وعاد المستضيء به في ظلمة وحيرة فكذلك المنافقون ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون بعد الضياء الذي كانوا فيه في الدنيا بما كانوا يظهرون بألسنتهم من الاقرار بالإسلام وهم لغيره مستبطنون صم عن الهدى والحق فلا يسمعونهما لغلبة خذلان الله عليهم خرس عن القيل بهما فلا ينطقون بهما عم عن أن يبصروهما فيعقلوهما فهم لا يرجعون إلى الإقلاع عن ضلالتهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذرا الموت والله محيط بالكافرين مثل استضاءة المنافقين بضوء إقرارهم بالإسلام مع استسرادهم الكفر كمثل غيث سرى ليلا في مزنة ظلماء وليلة مظلمة يحدوها رعد ويستطير في حافاتها برق شديد لمعانه يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ويختطفها من شدة ضيائه ونور شعاعه وينهبط منها تارات صواعق تكاد تدع النفوس من شدة أهوالها زواهق فضرب الله الصيب لظاهر إيمان المنافق مثلا ومثل ما فيه من ظلمات بضلالته وما فيه من ضياء برق بنور إيمانه واتقاءه من الصواعق بتصير أصابعه في أذني بضعف جنانه ونخب فؤاده من حلول عقوبة الله بساحته ومشيه في ضوء البرق باستقامته على نور إيمانه وقيامه في الظلام بحيرته في ضلالته وارتكاسه في عمه والله جامع الكافرين فمحل بهم عقوبته ثم عاد جل ذكره إلى نعت إقرار المنافقين بألسنتهم فقال يكاد الإقرار الذي أظهروه بألسنتهم بالله وبرسوله وما جاء به يذهب بأبصارهم ويستلبها من شدة ضيائه ونور شعاعه كلما أضاء لهم الإيمان رأوا فيه ما يعجبهم في عاجل دنياهم من النصرة على الأعداء وإصابة الغنائم في المغازي والسلامة في الأبدان والأهل والأولاد ثبتوا عليه وأقاموا فيه وأذا أظلم فلم يروا في الإسلام ما يعجبهم أقاموا على نفاقهم وثبتوا على ضلالتهم كما يمشي السائر في ظلمة الليل وظلمة الصيب إذا برقت فيها بارقة أبصر طريقه فيها وإذا ذهب ضوء البرق عنهم حار في طريقه فلم يعرف منهجه ولو شاء الله أذهب من المنافقين السمع والأبصار إن الله مقتدر عليهم وعلى إحلال سخطه بهم وإنزال نقمته عليهم يا أيها الناس جميعا من الكفار والمنافقين وغيرهم من سائر خلقه المكلفين وحّدوا ربكم الذي خلقكم وخلق آباءكم وأجدادكم وسائر الخلق غيركم لعلكم تتقون سخطه وغضبه أن يحل عليكم وتكونوا من المتقين لكي يحلوا عليكم وتكونوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ما فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون أعبدوا ربكم الجاعل لكم الأرض مهادا وموطئا وقرارا يستقر عليها والسماء بناءا فوق الأرض كهيئة القبة وأنزل من السماء مطرا فأخرج به من زرعهم وغرسهم ثمرات رزقا لهم غذاء وأقواتا فلا تجعلوا لله ندا وعدلا في الطاعة وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره وأنه مبدع الخلق وخالقهم وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين وإن كنتم أيها المشركون في ريب من أنما أنزلت على عبدي من القرآن من عندي فأتوا بسورة من مثل هذا القرآن من كلامكم الذي هو مثله في العربية إذ كنتم عرباء واستنصروا على أن تأتوا بسورة من مثله أعوانكم وشهداءكم الذين يشاهدونكم ويعاونونكم على تكذيبكم الله ورسوله إن كنتم محقين في زعمكم أنما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم اختلاق وافتراء فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين فإن لم تأتوا بسورة من مثله وقد تظاهرتم أنتم وشركاؤكم عليه ولن تأتوا بسورة من مثله أبدا فاتقوا أن تصلوا النار التي حطبها الناس والحجارة أعدت للجاهدين أن الله ربهم وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون يا محمد بشر من صدقك أنك رسولي وحققت صديقه ذلك بأداء الصالح من الأعمال أن له جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا من أشجار البساتين من ثمرة قالوا هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا وأوتوا بالذي رزقوا من ثمارها متشابها مع ثمر الدنيا في المنظر واللون مختلفا في الطعم والذوق وللذين آمنوا وعملوا الصالحات أزواج مطهرة من كل أذا وقذا وريبة مما يكون في نساء أهل الدنيا وهم في الجنات خالدون باقون على ما أعطاهم الله فيها من الحبرة والنعيم المقيم