بسم الله الرحمن الرحيم قصة يوسف عليه السلام مع مرأة العزيز يوسف أعرض عن هذا بعدما تيقن العزيز من مراودة مرأته ليوسف عليه السلام طلب من يوسف أن يستر عليه ولا يفضحه فقال له يوسف أعرض عن هذا قال ابن جرير الطبري رحمه الله يقول أعرض عن ذكر ما كان منها إليك فيما راودتك عليه فلا تذكره لأحد إن مبدأ الستر على المخطئ مبدأ شرعي لإصلاح الفرد والمجتمع لذلك جاءت الشريعة بالحث على الستر على المسلم فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة وقال أيضا عليه الصلاة والسلام من ستر مسلما في الدنيا ستره الله عز وجل في الدنيا والآخرة ولما أقام النبي صلى الله عليه وسلم حد الرجم على ماعز لمازنى ومسى ماعزا ألم الرجم بالحجارة فره هاربا فلقيه هزال فضربه بشيء كان معه فمات فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم عليه فعله يقول نعيم بن هزال الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ماعز لما ذهب هل لا تركتم فلعله يتوب فيتوب الله عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا هزال لو كنت سترت عليه بثوبك لكان خيرا لك مما صنعت رواه البيهقي في السنان الكبرى وقد طبق الصحابة هذا المبدأ عمليا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فمن ذلك ما رواه أبو اليسر قال أتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت إن في البيت تمرا أطيب منه فدخلت معي في البيت فأهويت إليها فقبلتها فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له قال أستر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا فلم أصبر فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال أستر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا فلم أصبر فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظن أنه من أهل النار قال وأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا حتى أوحى الله إليه وأقم الصلاة طرفين نهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين قال أبو اليسر فأتيته فقرأها علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصحابه يا رسول الله ألي هذا خاصة أم للناس عامة قال بل للناس عامة رواه الترمذي وقد حرم الله على المسلمين نشر الفاحشة فقال سبحانه إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون قال ابن كثير رحمه الله هذا تأديب ثالث لمن سمع شيئا من الكلام السيئ فقام بذهنه شيء منه وتكلم به فلا يكثر منه ولا يشيعه ويذيعه وظن بعض الناس أن مجرد ذكر الواقعة من غير ذكر الأسماء أنه يجوز ولكنه في الحقيقة داخل في إشاعة الفاحشة بين الناس قال عبد العزيز الطريفي وأشاعة الفاحشة محرم ولو كانت صحيحة كمن يتحدث عن واقعة فحش بين الناس وإن لم يسم أهلها فلا يحل له ذلك ولو كان صادقا فالشريعة لم تنهى عن إشاعة الفاحشة لكونها كذبا بل نهت عنها حتى لا يرقق ذلك النفوس عن تعظيم الحرام وتبشيعه فإن الحديث عن الفاحشة يشوف إليها ويهونها وقد أخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال من أشاع الفاحشة فعليه النكال وإن كان صادقا وخطورة نشر أخبار الفواحش بين الناس ولو كانت صحيحة أنها تجرئ من لم يفعلها على فعلها فنشر أخبار الفواحش سبب لفساد المجتمعات قال الطاهر بن عاشور رحمه الله ومن أدب هذه الآية أن شأن المؤمن ألا يحب لإخوانه المؤمنين إلا ما يحب لنفسه فكما أنه لا يحب أن يشيع عن نفسه خبر سوء كذلك يجب عليه ألا يحب إشاعة السوء عن إخوانه المؤمنين ولشيوع أخبار الفواحش بين المؤمنين بالصدق أو بالكذب مفسدة أخلاقية فإن مما يزع الناس عن المفاسد تهيبهم مقوعها وتجهمهم وكراهتهم سوء سمعتها وذلك مما يصرف تفكيرهم عن تذكرها بل هل إقدام عليها رويدا رويدا حتى تنسى وتنمحي صورها من النفوس فإذا انتشر بين الأمة الحديث بوقوع شيء من الفواحش تذكرتها الخواطر وخف وقع خبرها على الأسماع فدب بذلك إلى النفوس التهاون بوقوعها وخفة وقعها على الأسماع فلا تلبث النفوس الخبيثة أن تقدم على اقترافها وبمقدار تكرور وقوعها وتكرور الحديث عنها تصير متداولة هذا إلى ما في إشاعة الفاحشة من لحاق الأذى والضر بالناس ضرا متفاوط المقدار على تفاوط الأخبار في الصدق والكذب ولهذا ذيل هذا الأدب الجليل بقوله والله يعلم وأنتم لا تعلمون أن يعلم ما في ذلك من المفاسد فيعظكم لتجتنبوا وأنتم لا تعلمون فتحسبون التحدث بذلك لا يترتب عليه ضر وهذا كقوله وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم إن الحرص على نظافة المجتمع وطهارته تستوجب علينا نشر ثقافة الستر على المذنب والمخطئ حتى نقطع الطريق على الشيطان من جهة ونفتح للمذنب باب التوبة من جهة أخرى ولكن هذا التشريع الرباني في الستر على المذنب إنما هو لمن لم يتكرر منه الذنب وليس بمعتاد على المجاهرة بالمعاصي أما من عرف عنه المجاهرة بالمعصية ونشر الفساد في الأرض فهذا ينكر عليه بالطرق الشرعية ويرفع أمره للقضاء إن كان هناك قضاء إسلامي يحكم بشرع الله في بلده حتى يحكم عليه القاضي بما يمليه عليه الشرع المطهر الرباني فيؤدب ويعزر أو يقام عليه الحد علانية ليكون عبرة لمن رآه فيبتعد عن مثل هذه الأفعال الشنيعة قال ابن رجب رحمه الله من كان مستورا لا يعرف بشيء من المعاصي فإذا وقعت منه هفوة أو زلة فإنه لا يجوز كشفها ولا هتكها ولا اتحدث بها لأن ذلك غيبة محرمة وهذا هو الذي وردت فيه هذه النصوص وفي ذلك قد قال الله تعالى إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والمراد إشاعة الفاحشة على المؤمن المستتر فيما وقع منه أو التهم به وهو بريء منه كما في قصة الإفك قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمر بالمعروف اجتهد أن تستر العصا فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام وأولى الأمور ستر العيوب وقال الحسين بن محمد المغربي رحمه الله وأما المعروف بالفساد والتمادي عليه فلا يستحب الستر عليه بل ترفع قصته إلى من له الولاية إذا لم يخف من ذلك مفسده لأن الستر عليه يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرم وجسارة غيره على مثل فعله هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت أما معصية تراه وهو متلبس بفعلها فالواجب المبادرة بإنكارها والمنع منها على من قدر على ذلك ولا يحل تأخيرها فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسده ففرق العلماء بين من ضعفت نفسه فأوقعته في المعصية وبين من تعود عليها وتكررت منه فالأول يستر عليه وأما الثاني فلا يستر عليه وإنما يعالج أمره بما يأمر به الشرع الرباني إن مطلب العزيز من يوسف عليه السلام بالستر عليه وإن كان يوافق ما يدعو إليه الأنبياء في مناهج دعوتهم إلا أن العزيز أخطأ في معالجة المشكلة إن الأمر أكبر من قضية أن يسكت يوسف ولا يفشي الخبر الأمر متعلق بمعالجة جريمة أخلاقية تتعلق بالعرض فالطلب من يوسف الستر على ما حدث ثم إبقاء الأمر على ما كان عليه لا يعد علاجاً شرعيا بل هو أقرب إلى الرضا بالمعصية أو ضعف الغيرة على العرض أو قد يكون أكثر من ذلك وفي هذا عبرة لنا في تعاملنا مع الأحداث المجتمعية في وقتنا الحاضر فهناك من تجاوز مرحلة محبة نشر الفاحشة إلى مرحلة نشر الفاحشة نفسها والتسهيل لها والدعوة إليها من خلال الاحتفالات المختلطة والحفلات الغنائية الماجنة والتي يختلط فيها الشباب والفتيات بلا حياة والدعوة الصريحة إلى التبرج والسفور وإلغاء كل مظاهر العفة التي جاءت بها الشريعة والنهي عن المعروف ومعاقبة من ينهى عن المنكر هنا لا يقال يوسف أعرض عن هذا هنا يقال ما قاله الطاهر بن عاشور رحمه الله قال وَجَعَلَ الْوَعِيدَ عَلَى الْمَحَبَّةِ لِشْيُوْعِ الْفَاحِشَةِ فِي الْمُؤْمِنِينَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَحَبَّةَ ذَلِكَ تَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةِ لأن محبَّة ذلك دالة على خبث نية نحو المؤمنين ومن شأن تلك الطوية ألا يلبث صاحبها إلا يسيرا حتى يصدر عنه ما هو محب له أو يسر بصدور ذلك من غيره فالمحبة هنا كناية عن التهيئ لإبراز ما يحب وقوعه وجيء بصيغة الفعل المضارع للدلالة على الاستمرار فهل عرفنا من هم أصحاب خبث النية وسوء الطوية في مجتمعاتنا فنحذرهم ونحذر من أفعالهم للحديث بقية نكمل في لقاء قادم إن شاء الله قصة يوسف مع امرأة العزيز