بسم الله الرحمن الرحيم قصة أمنا حوّاء يا حوّاء القرآن معين المعرفة يا حوّاء إن من أكبر النعم على هذه الأمة المرحومة هو هذا الكتاب العظيم الذي لا ريب فيه المحفوظ بحفظ الله له الهادي إلى أقوَم السُّبُل الشافي لما في الصدور الذي فيه أحسن القصص تنزيلٌ من حكيمٍ تنزيلٌ من لدٌ حكيمٍ عليم كتابٌ مُبين عظيمٌ حكيم مجيدٌ كريم مباركٌ عزيز أحسن الحديث فصّلت آياته من لدٌ حكيمٍ خبير وهو رحمةٌ للمؤمنين فيه من كل مثل لمن أراد الهداية من غير جدل أنزله الله بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه ونحن نؤمن به وبالذي بين يديه مُيسّرٌ للذكر لا يهجره المؤمنون ويرتله الخاشعون ما نتلو منه من آية إلا كان الله شهيدًا علينا لو أنزله الله على جبل لرأيته يا حواء خاشعًا متصدعًا من خشية الله قرآنًا عربيًّا غير ذي عوج أنزله الله ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور ما أنزله الله لنشق ولكن تذكرةً لمن يخشى فسبحان من علم القرآن وخلق الإنسان فقرأي يا حواء ما تيسّر من القرآن وكوني من الذين يتلونه حق تلاوته وتدبّري آيته فهو آياتٌ بيّناتٌ في صدور الذين أوتوا العلم فليكن في صدرك محفوظًا وفي حياتك نورًا يا حواء لا يزال حديثنا عن قصة أمنا حواء مع أبينا آدم عليهما السلام وكنا قد تناولنا ذكرها في سورة البقرة وما في الآيات من الفوائد العظيمة التي نسأل الله أن ينفعنا بها واليوم ننتقل إلى قصتهما في سورة الأعراف قال تعالى ويا آدم سكن أنت وزوجك الجنة فكلى فكلى من حيث شئتما ولا تقرب هذه الشجرة فتكونا من الظالمين وأول مسألة نتحدث عنها هي ما الفرق بين قصة أمنا حواء في سورة البقرة وقصتها في سورة الأعراف يجيب على هذا السؤال الإمام أبو زهرة رحمه الله فيقول ما بين قصة خلق الإنسان في سورة البقرة وقصته هنا يبدو بادي النظر وظاهره أن القصة هنا هي بحذافيرها المذكورة أولا في البقرة وأن ذلك تكرار في القرآن ونحن نرى أن كون الله خلق آدم وأمر الله الملائكة أن يسجدوا وامتناع إبليس عن السجود وطرده وهبوطه هو وأدم وزوجه من الجنة مذكور في القصتين ولكن كان الاختلاف فيما وراء ذلك فذكر في إحداهما ما لم يذكر في الأخرى ومجموعهما يأتي بالقصة متكاملة الأجزاء فيما تعرضت السورتان له الثمرة من ذكر القصة مختلف في كل واحدة عن الأخرى أولا أن قررت أن ثمرتها عداوة إبليس لآدم من أصل التكوين وحذرت الإنسان من أثر هذه العداوة وبينت الآية الكريمة ما يترتب على هذه العداوة وذكرت بني إسرائيل وما وسوس به الشيطان في نفوسهم وكانوا أوضح مثل في البشرية لتحكم إبليس فيهم حتى كأنه هو أي إبليس وهم شيء واحد لولا أنه من الجن وهم من الإنس وهم مع ذلك صورته الحية الواضحة جعلهم الله تعالى عبرة المعتبرين من أهل الفضيلة والثمرة هنا في هذه الآية هو تحكم إبليس في العرب حتى جعلهم يطوفون عراتا رجالا ونساء كما حمل إبليس أبوي الإنسان على أن يأكلوا من الشجرة فبدت لهم سوآتهما ثانيا أن قصة البقرة فيها تعليم الله تعالى لآدم وبيان استعداده لأن يعلم الأشياء كلها واختبار الله تعالى للملائكة ثم كان الأمر بالسجود نتيجة لأن آدم أنبأهم بأسماء ما جهل الملائكة أسماؤهم ولم يذكر ذلك في هذه القصة بل طوي وكان الأمر بالسجود فحذف من هنا ما ذكره نالك مفصلا وفي قصة التكوين في سورة الأعراف التي تتكلم في معانيها ذكرت الطريقة التي أزل بها إبليس الزوجين الكريمين إذ قال لهما ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكون ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ثالثا وفي سورة البقرة بينت أنه أزل لهما ولم تبين الطريقة التي أزل لهما بها فكانت القصة هنا موضحة لذلك فهي متممة لها وليست مكررة معها رابعا في هذه السورة ذكر ما ترتب على الأكل من الشجرة من أن بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من وراق الجنة فإن ذلك لم يذكر في سورة البقرة وذكر هنا وهو تتميم لما ذكر وما ذكر هنا فيه بيان مشابهة ما دعا إليه الله تعالى من النهي عن عري العرب في مكة بإغواء إبليس فتشابه عمله مع ذريت آدم بما عمله مع آدم وزوجه خامسا في قصة التكوين في الأعراف أن آدم وزوجه قد أحسى بما صنعا قال ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننا من الخاسرين ولم يذكر ذلك في سورة البقرة إلا قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه فكانت الآية متممة أو موضحة لما جاء في سورة البقرة ولم يذكر في سورة البقرة نداء الله تعالى للزوجين قال ألم أنهكما عن تلكم الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين وهكذا كان ما هنا متمما لما هناك سادسا ذكر في سورة البقرة إرادة الله تعالى تحكمته أن يجعل خليفة وما قاله الملائكة في هذا وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ثم بيان الله بتعليمه الأسماء كلها وبيان أنه أحق بخلافة الأرض منهم ولم يذكر هذا هنا في الأعراف وذكر هنا إغواء إبليس وطريقته في إغوائه وأنه يحيط بهم دائما من عن أيمانهم وعن شمائلهم ولم يذكر هنالك في سورة البقرة وأنه بهذه الموازنة بينما اجتملت عليه القصة في السورتين يتبين أمران أولهما أنه لا تكرار بل كل قصة تكمل الأخرى وتتكون قصة كاملة لا تتضارب الأجزاء فيها ثانيهما أن الثمرة في كل جزء مختلفة وأن القرآن معين المعرفة لا يغيض أبدا نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين قصة أمنا حوا