بسم الله الرحمن الرحيم بأقلام الشوق ومداد الحب نُسطِّر حُغوفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الشمائل المحمدية باب ما جاء في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام قصد المصنف بهذا الباب الاستلاح اللغوية للوضوء وهو غسل الكفين وتنظيفهما مما قد يعلق بهما من وسخ أو تراب أو نحوه فمن أهل العلم من يرى استحبابه قبل الأكل وبعده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء فقرب إليه الطعام فقالوا ألا نأتيك بوضوء قال إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة وفي رواية فقيل له ألا تتوضأ فقال أأصلي فأتوضأ في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته ذات يوم ثم قرب إليه الطعام فقالوا له ألا نأتيك بوضوء والوضوء هو الماء الذي يتوضأ به فقال صلى الله عليه وسلم إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة وفي رواية أنه قال أأصلي فأتوضأ بمعنى أن الوضوء الشرعي لا يكون عند إرادة الإنسان تناول الطعام وإنما يكون للصلاة وعن سلمان رضي الله عنه قال قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء بعده فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته بما قرأت في التوراة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده في هذا الحديث أن سلمان الفارسي رضي الله عنه قرأ في التوراة وذلك قبل إسلامه أن بركة الطعام الوضوء بعده أي أن من أسباب البركة في الطعام أن يغسل الإنسان يديه بعد الفراغ منه وليس المراد الوضوء الشرعي فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما قرأ في التوراة قال له صلى الله عليه وسلم بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده أن من أسباب البركة في الطعام أن يغسل الإنسان يديه قبل الطعام وبعده وحمل العلماء هذا الحديث على الاستحباب مع أن الحديث ضعيف باب ما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الطعام عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقرب إليه طعام فلم أرى طعاما كان أعظم بركة منه أول ما أكلنا ولا أقل بركة في آخره فقلنا يا رسول الله كيف هذا قال إنا ذكرنا اسم الله حين أكلنا ثم قعد بعد من أكل ولم يسم الله تعالى فأكل معه الشيطان في هذا الحديث أن الصحابة رضي الله عنهم جلسوا مع النبي صلى الله عليه وسلم على طعام فوجدوا البركة في أوله ثم فقدوها في آخره فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال إنهم ذكروا اسم الله أول ما أكلوا ثم قعد معهم بعد ذلك من أكل ولم يسم الله تعالى فأكل معه الشيطان فعدمت حينها البركة وهذا حديث ضعيف ويغني عنه حديث حذيفة رضي الله عنه عند مسلم قال كنا إذا حضرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم طعاما لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده وإنا حضرنا معه مرة طعاما فجاءت جارية كأنها تدفع فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها ثم جاء أعرابي كأنما يدفع فأخذ بيده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان يستحل الطعام ألا يذكر اسم الله عليه وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يدها وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر الله تعالى على طعامه فليقل بسم الله أوله وآخره في هذا الحديث أن من أكل طعاما فحصل له في أوله غفلة ونسيان فلم يسم الله تعالى ثم تذكر في أثناء طعامه نسيانه التسمية في أوله فعليه في هذه الحال أن يقول بسم الله أوله وآخره فإذا قال ذلك تحققت له البركة بإذن الله تعالى وهذا من فضل الله تعالى ورحمته والتسمية عند الأكل واجبة على الصحيح وعن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده طعام فقال في هذا الحديث أن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فوجده يأكل طعاما فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم قائلا أدن يا بني أي اقترب وفيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التلطف والإيناس بالصغار ويدل على جواز أن يخاطب المرء غير أبنائه بهذا الخطاب فيقول للطفل الصغير يا بني ثم علمه النبي ثلاثة آداب من آداب الطعام وهي التسمية في أوله والأكل باليمين والأكل مما يليه وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفعت المائدة من بين يديه يقول الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مودع ولا مستغنا عنه ربنا في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الطعام ورفعت المائدة من بين يديه يحمد الله تعالى فيقول الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه والكثير بمعنى حمدا في غاية الكثرة فلا نهاية لحمده كما لا نهاية لنعمه وطيبا أي خالصا من الرياء والسمعة ومباركا فيه أي ثبات الخير الموجود فيه وزيادته ونماؤه وقوله غير مودع أي غير مترك فلا يكون آخر طعامنا وقوله ولا مستغنا عنه ربنا أي نحن محتاجون إليه يا ربنا غير مستغنيين عنه وجاء في المسند عن خالد بن معدان قال حضرنا صنيعا لعبد الأعلى بن هلال فلما فرغنا من الطعام قام أبو أمامة رضي الله عنه فقال لقد قمت مقامي هذا وما أنا بخطيب وما أريد الخطبة ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند انقضاء الطعام الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنا عنه قال فلم يزل يرددهن علينا حتى حفظناهن وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل الطعام في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو سما لكفاكم في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الطعام ومعه ستة من أصحابه يأكلون معه فجاء أعرابي فجلس معهم على الطعام فأكله بلقمتين أي أنه لم يسمي فأنهى الطعام بلقمتين فقال صلى الله عليه وسلم لو سما وفي رواية أما إنه لو كان قال بسم الله لكفاكم أي لكفاكم الطعام وهذا الحديث يدل على أن التسمية سبب لحصول البركة في الطعام وأن عدم التسمية سبب لمحق البركة وفيه جفاء الأعراب وجهلهم بالأحكام وأن تسمية البعض على الطعام لا تجزئ عن الباقين وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها في هذا الحديث يرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمل يرضى الله تعالى به عننا وهو أن الإنسان إذا أكل الأكلة وهي المرة الواحدة من الأكل كالغداء أو العشاء فينبغي له أن يحمد الله تعالى بعد الانتهاء من الطعام فإذا فعل ذلك فاز بمرضات الله تعالى وقد جاء في صفة التحميد صيغ متنوعة ينبغي على العبد أن يتعلمها وينوعة فيها فيأتي بهذا تارى وبهذا تارى ولو اقتصر على قول الحمد لله حصل أصل السنة للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين