بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عبد الله بن الزبير رضي الله عنه بلغت ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر صديق مشارف يثرب متعبة مجهده فقد كان المهاجرون الآخرون يعانون من مشاق السفر وحدها أما هي فقد كانت تعاني فوق مشاق السفر مشاق الحمل أيضا وما كادت أسماء تحط رحالها في قباء من ضواح يثرب حتى جاءها المخاب فولدت غلاما أقام مولده مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وأقعدها ذلك أن يهود المدينة كانوا قد أذاعوا بين الناس أن أحبارهم عقدوا للمسلمين المهاجرين سحرا وأن هذا السحر يصيبهم بالعقم فلا يولد لهم بعد ذلك مولود فما كاد نبأ ولادة الغلام السعيد ينتشر بين المسلمين حتى دوت أرجاء مدينة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بالتهليل والتكبير وأقبل المسلمون بعضهم على بعض يتباشرون ويهتفون كذب اليهود كذب اليهود حمل المولود الجديد السعيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره ودعى بعجوة فلاكها في فمه الشريف ثم أدخلها في فم الغلام المحظوظ فأساغها ثم سماه عبد الله وهو اسم جده الصديق رضوان الله عليه وكناه أبا بكر وهي كنيته ثم أمر صديق أن يؤذن في أذنه فأذن له فكان أول شيء دخل في جوف ذلك المولود المحظوظ ريق رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وكان أول صوت استقر في أذنه صوت الأذان رفعه الصديق رضي الله عنه وأرضاه وقد اجتمع لعبد الله بن الزبير من كرم الحسب ما لم يجتمع إلا للقليل النادر من الناس فأبوه الزبير بن العوام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد العشرة المبشرين بالجنة وأمه أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين وجده لأمه أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفيه وخالته عائشة أم المؤمنين البريئة المبرأة وجدته لأبيه صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعمة أبيه خديجة بنت خويلد سيدة نساء العرب فهل يسمو على ذلك العز غير عز الإسلام وهل يعلو على هذا المجد غير مجد الإيمان نبت عبد الله بن الزبير في بيت النبوة وعلى أرض ذلك البيت الطاهر درج وبآدابه السامية تأدب فقد كان أحب خلق الله إلى خالته عائشة بعد رسول الله الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم وبعد والدها الصديق رضي الله عنه وأرضاه ولما بلغ عبد الله بن الزبير السابعة من عمره أمره أبوه الزبير بن العوام أن يذهب إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه وأن يبايعه على السمع والطاعة في المنشط والمكره فمضى إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ومعه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وكان غلاما صغيرا في مثل سنه فلما رآهما النبي صلى الله عليه وسلم مقبلين عليه لمبايعته كما يفعل كملة الرجال تبسم سرورا من صنيعهما ومد يده الكريمة إليهما وبايعهما ظل عبد الله بن الزبير ممتدت به الحياة يذكر هذه البيعة والتزم في أمره كله وأمر أولاده بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد غاب ابنه مرة عن البيت وطال غيابه فلما عاد قال له أين كنت يا بني فقال وجدت قوما ما رأيت أفضل منهم لقد كانوا يذكرون الله تعالى فيرغي أحدهم ويرعد حتى يغشى عليه من خشية الله فقعدت معهم نهاري كله فقال له لا تقعد معهم بعد هذه المرة يا بني أبدا فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتل القرآن ويذكر الله تبارك وتعالى أطيب الذكر وأعمقه وأصدقه ورأيت أبا بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم يتلون القرآن ويذكرون الله أيضا فما كان يصيبهم شيء من هذا أفتغن أن أصحابك هؤلاء أخشع لله من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وكما نشئ عبد الله بن الزبير على الصلاح والتقوى فقد نشئ على الفروسية وممارسة الحروب منذ نعومة أظفاره فكان أبوه يحرص أشد الحرص على أن يشهده الغزوات وأن يأخذه معه إلى البلاد النائية ليحضر المعارك ويشهد الفتوح فقد اصطحبه معه يوم اليرموك من المدينة إلى بلاد الشام وخصه بجواد من عتاق الخيل واستأجر له قيما يرعاه فأتيح له أن يشهد أعظم معركة في تاريخ الإسلام عن كثب وأن يرى الجيوش الجرارة في الكر والفر وأن يصحبها في الهزيمة والنصر فغدا مسعر حرب كما كان عابد ليل لم يتأخر عبد الله بن الزبير عن غزوة غزاها المسلمون منذ غدا أهلا لحمل السلاح وكان له في كل معركة خاضها المجاهدون أثر يذكر فيشكر من ذلك أن خليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه أذن لواليه على مصر بغزو أفريقية فمضى الجيش الغازي إلى غايته لكنه ما لبث أن انقطعت أخباره عن الخليفة فأهمه أمر ذلك الجيش وأغمة فبعث عبد الله بن الزبير على رأس جماعة من فرسان المسلمين لإمداد الجيش وموافاته بأخباره التقى عبد الله بن الزبير بالجيش الغازي والطلع على أحواله فوجد أن قائده كان يقاتل المشركين من الصباح إلى الظهر في كل يوم ثم يركن جيشه وجيشهم إلى الراحة من قسوة الجو وشدة الحر فما أسرع أن أشار عليه بأن يقسم جيشه إلى قسمين قسم يحارب نصف النهار الأول وقسم يحارب نصف النهار الثاني فيتبادل الفريقان الراحة ويستمر القتال وبذلك لا يعطي العدو الفرصة للتقاط أنفاسه فسر قائد الجيش بالخطة المقترحة وأمر بتنفيذها وتخلى عن القيادة لعبد الله بن الزبير طائعا مختارا اقتتل الجيشان في اليوم التالي كما كان يقتتلان كل يوم فلما حان وقت الظهر شرع الأعداء ينصرفون على عادتهم فما راعهم إلا أن فوجئوا بالمسلمين وهم يواصلون القتال بجيش مشبوب القوة مشحوذ العزيمة موفور النشاط فدب في قلوبهم الذعر وحل في صفوفهم الخلل وبدت عليهم بوادر الهزيمة عند ذلك رأى ابن الزبير الفرصة سانحة فاختار ثلاثين من رجاله الأشداء وقال لهم صونوا ظهري وسترون ما أنا فاعل كان جرجير ملك الأعداء وقائد جيشهم يستقر في وسط عسكره راكبا برذونه الأشهب كانت معه جاريتان تضللان عليه بريش الطواويس فقال عبد الله ابن الزبير لرجاله الذين اختارهم إني ماض إليه فاتبعوني وردوا عني كيد من يعترضني ثم مضى نحو جرجير رابط الجأش ثابت العزم رصين الخطى وجعل يشق الصفوف بكلتا يديه في هدو فظنه القوم رسولا جاء من لدن المسلمين للمفاوضة فلما غدا في وسط العسكر عرف الملك قصده وخشي بطشه فولاها ربا فأدركه عبد الله ابن الزبير وطعنه طعنة طرحته أرضا ثم أكب فوقه وأجهز عليه واحتز رأسه ونصبه فوق رمحه ثم رفع صوته بالتكبير فكبر المسلمون لتكبيره فهزت الحمية نفوس المسلمين ودب الذعر في قلوب المشركين فولوا الأدبار ومنحوا ظهورهم لابن الزبير وجنده المقاتلين في سبيل الله ولقد أكرم الله عبد الله ابن الزبير فحضي فوق مزاياه كلها بسمو التقوى وطهر الصلاح حيث عاش قواما للليل صواما للنهار قلق القلب ببيوت الله فكان الناس يدعونه حمامة المسجد وقد عرف عنه أنه جعل ليالي عمره ثلاثة فليلة يقضيها وهو قائم يصلي حتى الصباح وليلة يقضيها وهو راكع حتى الصباح وليلة يقضيها وهو ساجد حتى الصباح أيضا ولقد كانت له مواقف في المواسم حز أفئدة المسلمين هزى وتثير في قلوبهم كوامن الإيمان من ذلك ما رواه محمد بن عبد الله الثقافي قال خرج علينا عبد الله ابن الزبير قبل التروية بيوم وهو محرم فلبى تلبية ما سمعت بأحسن منها ولا بمثلها قط ثم حمد الله أوفر الحمد وأثنى عليه أجزل الثناء وقال أما بعد فإنكم قد جئتم من آفاق شتى وفودا إلى الله عز وجل فحق على الله أن يكرم وفده فمن جاء منكم يطلب ما عند الله فإن طالب الله لا يخيب وصدقوا قولكم بالفعل فإن ملاك القول العمل والنية النية فإنما الأعمال بالنيات الله الله في أيامكم هذه فإنها أيام تغفر فيها الذنوب ثم لبى ولبى الناس بتلبيته فما رأيت يوما قط أكثر باكيا من ذلك اليوم وبعد فلقد ظل عبد الله ابن الزبير طوال عمره يناضل عما كان يعتقد أنه حق حتى قتل عند الكعبة المعظمة ومن الذين كبروا عند موته عبد الله ابن عمر ابن الخطار