قصص الأنبياء قصص الأنبياء عليهم السلام صلاة الله عقبها سلام على خير الخلائق أجمعين أولو عزمين مقامهم رفيعا ونور الهدات قصة آدم وإدريس عليهم السلام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد هبط آدم وحواء إلى الأرض خرج من الجنة دار البقاء إلى الدنيا دار الفناء خرج من دار الرخاء إلى دار العناء ومن دار الأمن إلى دار الخوف وإنا لله وإنا إليه راجعون اختصم آدم وموسى عليهم السلام قال موسى أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض فقال آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شي وقربك نجيا فبكم وجدت الله عز وجل كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين عام قال آدم وعصى آدم ربه فغوى قال نعم قال أفتلمني على أن عملت عملا كتبه الله عز وجل علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى أي غلبه بالحجة عاش آدم عليه السلام نبيا كريما ذاكرا لله تعالى مستغفرا أوواها منيبا مقيما لشرع الله تعالى في ذريته آمرا إياهم بالمعروف ناهيا عن المنكر وكانت أمنا حواء عليه السلام نعم المرأة الصالحة لأبينا آدم عليه السلام أعانته في وحدته وأناسته في وحشته وكان إذا تغشاها تحمل في بطنها توأما من ذكر وأنثى وهكذا في كل مرة حتى حملت له أربعين بطنا وكان من شرعه وسنته ألا يزوج الذكر بالأنثى من نفس البطن بل يزوج الذكر من البطن الأول بالأنثى من البطن الآخر ويزوج الأنثى من البطن الأول بالذكر من بطن آخر فتزاوج الأبناء حتى تكاثر نسل آدم عليه السلام وعمر في الأرض حتى رأى أبنائه وأحفاده وأبناء أحفاده قص علينا القرآن قصة اثنين من أبناء آدم عليه السلام تذكر الروايات أن أسماءهما قابيل وأنهم اختلفا في أمر الزواج كلاهما يريد الزواج من أخت لهما بعينها معروفة بالحسن والجمال والأدب والعبادة فأمرهما آدم عليه السلام أن يقربا قربانا فمن قبل الله قربانا تزوج تلك الأخت فقرب قابيل أسوأ ما لديه من الزرع وصاحب زرع وحرث وقرب هابيل كبش من أفضل ما لديه وكان راعيا فتقبل الله قربان هابيل ولم يتقبل قربان أخيه قابيل فامتلأ قلب قابيل بالحسد وتوعد أخاه بالقتل وكان هابيل أشد منه قوة ولكن منعه الخوف قابل الله من قتل أخيه فقال له يا أخي إنما يتقبل الله من المتقين ثم خوفه بالله قائلا لأن تجرأت ومددت يدك لقتلي فما أنا بالذي يقابلك بمثل فعلك وذلك لأني أخاف الله رب العالمين وإذا أمضيت عزمك فسترجع بإثمي وإثمك فتكتب من أهل النار مأوى الظالمين فلم يقبل قابيل النصح وتجرأ فقتل أخاه هابيل فنان بذلك الخسران المبين بقي قابيل محتارا ماذا يعمل بجثة أخيه الممتدة أمامه فهذه أول جريمة قتل في الأرض فأرسل الله غرابا يحفر في الأرض ليدفن غرابا آخر ميتا فحفر الغراب حفرة وألقى الغراب الميت فيها ثم أهال عليه التراب نظر قابيل إلى فعل الغراب وكأنه معلم يلقنه درسا في الحياة فقال يا ويلتا أهل الغراب فأواري سوءة أخي فقام فحفر حفرة في الأرض ثم وارى أخاه فيها ورجع من هذه الزوار بوزر كل عملية قتل تحدث في الأرض ظلما إلى قيام الساعة قال صلى الله عليه وسلم ليس من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم كفلٌ من دمها لأنه كان أول من سن القتل متفق عليه قال تعالى واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتل النك قال إنما يتقبل الله من المتقين لإن بسكت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسق يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلة أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخيه فأصبح من النادمين وكان من أبناء آدم عليه السلام شيث قيل إن الله رزقهما به بعد مقتل هابيل فسار شيث على نهج أبيه آدم عليه السلام في الصلاح والتقوى والعبادة والذكر والطاعة ثم نبئ بعد موت أبيه فكان يعظوا الناس ويذكرهم بالله ولما حضر آدم الأجل وجاءه ملك الموت اعترض عليه آدم عليه السلام محتجاً بأنه قد بقي له بعض الأجل وكان ذلك نسيانا منه عليه السلام وخبر ذلك أن الله تعالى لما خلق آدم مسح على ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة فكانوا كالذر وجعل بين عيني كل رجل منهم وبيص من نور ثم عرضهم على آدم فقال آدم يا ربي من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فرأى آدم عليه السلام رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عيني فقال أي ربي من هذا فقال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داوود فقال ربي كم جعلت عمره قال ستين سنة قال أي ربي زده من عمري أربعين سنة فلما انقضى عمر آدم عليه السلام جاءه ملك الموت فقال له آدم أولم يبقى من عمري أربعون سنة قال الملك أولم تعطها ابنك داوود قال نبينا صلى الله عليه وسلم فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطأ آدم فخطأت ذريته كانت وفاة أبينا آدم عليه السلام يوم الجمعة وعند موته بعث الله إليه بكفن وحنوط من الجنة وصلى عليه ابنه شيث عليه السلام وكان تغسيله وتكفينه ودفنه بطريقة مشابهة لما شرعه الله لأمم البشر من بعده وقيل إن آدم عليه السلام دفن في جبل أبي قبيس بمكة أو بالقرب من الكعبة وقيل إنه دفن في بلاد الشام ثم توفيت أمنا حواء بعده بسنة ودفنت مع أبينا آدم عليه السلام بالقرب من قبره والله أعلم وبعد وفاة أبينا آدم عليه السلام انتشرت ذريته في الأرض فمنهم من سكن الجبال ومنهم من سكن السهول وسواحل البحار وانتشرت فيهم الفواحش والآثام والبعد عن الله تعالى فكانوا بحاجة إلى نبي يجدد لهم أمر دينهم فأوحى الله تعالى إلى إدريس عليه السلام ليكون نبي يجدد للناس أمر دينهم وإدريس هو الحفيد الخامس لآدم عليه السلام وقد أدركه في حياته وعاش معه جاء في وصفه أنه كان تام القامة حسن الوجه كث اللحية عريض المنكبين ضخم العظام قليل اللحم براق العينين أكح لهما متأنيا في كلامه كثير الصمت هادئ الأعضار إذا مشى أكثر من نظره إلى الأرض به عبسه وإذا اغتاض احتد يحرك سبابته إذا تكلم وكانت له مكانة رفيعة عند الله تعالى وعند خلقه وسمي إدريس لكثرة دراسته للكتب وعكوفه عليها ففي زمانه انتشر العلم والحضارة وبنية المدن وازدهرت الحياة وإدريس عليه السلام هو أول من خط بالقلم وأول من علم الناس الكتابة وأول من نظر في علم النجوم والحساب ونشر علمه بين الناس لذلك كان يرفع له كل يوم مثل عمل جميع بني آدم في زمانه لأنه كما جاء في الحديث من دل على خير كان له مثل أجر فاعله وهو أيضا أول من خاط ولبس الثياب وكانوا قبل ذلك يلبسون الجلود وهو أول من اتخذ السلاح وبدأ الجهاد وقاتل المفسدين في الأرض كانت لإدريس مكانة رفيعة عند الله تعالى فقد أنزل عليه ثلاثين صحيفة وكان في زمانه ثنان وسبعون لغة يتكلم بها الناس فعلمه الله منطقهم جميعا فكان إدريس عليه السلام يخاطب كل فرقة منهم بلسانهم قال الله تعالى واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا وقد وصفه الله تعالى في القرآن بأنه صالح وصابر فقال وإسماعيل وإدريس وذلكفل كل من الصابرين وادخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين والمكانة العلية لإدريس عليه السلام هي معنوية في نفوس البشر إلى يوم القيامة وحسية حيث رفعه الله تعالى إلى السماء الرابعة ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم التقى بإدريس في السماء الرابعة في ليلة الإسراء والمعراج عاش إدريس عليه السلام في قومه داعيا ومعلما وقد أوحى الله إليه إني رافع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم فأحب إدريس عليه السلام أن يزداد أجله ليزداد عمله فأتاه خليل له من الملائكة فقال له إدريس إن الله أوحى إلي كذا وكذا فكلم لي ملك الموت فليؤخر في أجلي حتى أزداد عملا فحمله الملك بين جناحي ثم صعد به إلى السماء فلما كان في السماء الرابعة تلقاهم ملك الموت نازلا فكلمه الملك في الذي جاء به إدريس عليه السلام فقال ملك الموت وأين إدريس فقال هو ذا عملا فقال فقال هو ذا على ظهري قال ملك الموت فالعجب بعثت لأقبض روح إدريس في السماء الرابعة فجعلت أقول كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض ثم قبض روحه هناك فذلك قوله تبارك وتعالى ورفعناه مكانا عليا أيها الإخوة الكرام لقد اختص الله أبان آدم عليه السلام بأربع خصائص فقد خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه الأسماء كلها وذكر الله تعالى آدم في القرآن خمسا وعشرين مرة وذكر قصته مفصلة في أكثر من موضع وذكر الله إدريس عليه السلام في القرآن مرتين وما ذاك إلا لنأخذ من أخبارهم العبرة والعظة ونستلهم الدروس والعبر والتي من أهمها أولا ظهر لنا من خلال قصة آدم عليه السلام مدى الضعف البشري وأن هذا المخلوق ظالم لنفسه جاهل بمصلحتها كما قال الله تعالى وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ثانيا بيان مدى رحمة الله تبارك وتعالى إذ لما تاب آدم عليه السلام تاب الله عليه فالإنسان إذا زلت قدمه ليس له ملجأ إلا ربه تبارك وتعالى ولا أجمل من قول التائب لما علمنا الله أن نقول ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ثالثا فضيلة العلم فما عرف الملائكة فضل آدم عليهم إلا بالعلم وكذلك أدب الملائكة الجم مع الله تبارك وتعالى لما قالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم رابعا الحسد والكبر والحرص من أخطر الأخلاق على العبد فكبر إبليس وحسده لآدم صيره إلى ما ترى وحرص آدم وزوجه حملهما على التناول من الشجرة ولولا رحمة الله لهما لأودى بهما إلى الهلاك خامسا الحذر من الشيطان الرجيم لأنه أقسم فقال فبعزتك لأغوينهم أجمعين وقد أخبرنا الله تعالى بأنه عدو لنا فعلى العبد أن يأخذ حذره من هذا العدو سادسا ذكر العلماء أن أول ذنب عصي الله به هو الحسد وذلك أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم امتثلوا كلهم للأمر الإلهي وامتنع إبليس من السجود له حسدا له فطرده الله تعالى وأبعده قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزن الشيطان يبكي يقول يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار سابعا على المسلم ألا يتساهل في المعاصي وليتذكر أن معصية واحدة كانت سببا لخروج آدم عليه السلام من الجنة قال الشاعر تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي درك الجنان بها وفوز العابد ونسيت أن الله أخرج آدم منها إلى الدنيا بذنب واحد ثامنا إدريس عليه السلام كان حريصا على العلم ونشره بين الناس وأفنى حياته في الدعوة إلى الله تعالى فكتب الله له أجر كل من كان في زمانه فمن دعى إلى هدى كان له مثل أجر فاعله وفي هذا درس للدعاء تاسعا لما قتل ابن آدم أخاه ولم يعرف كيف يواري سوءته ولما كان هذا العمل بغيضا إلى الله تعالى أرسل الله له الغراب أبغض المخلوقات وهو من الفواسق ليعلمه كيف يواري سوءة أخي عاشرا قابلية الإنسان للوقوع في الخطأ فهذا من طبعه فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين كنتم مع قصص الأنبياء