رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب وجوب الانقياد لحكم الله تعالى وما يقوله من دعي إلى ذلك وأمر بمعروف أو نهي عن منكر قال الله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما وقال تعالى إنما كان قول المؤمنين إذا دعو إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون عن أبي هريرة رضي الله عنه قال لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتىوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركو على الركب فقالو أي رسول الله كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والجهاد والصيام والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى في إثرها آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل أمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله عز وجل لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال نعم ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا قال نعم ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به قال نعم وعفو عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين قال نعم رواه مسلم اقترأها أي قرأها ذلت أي انقادت وخضعت نسختها أي أزالت الإبهام الواقع في النفوس في الآية الأولى وبينت المراد بها من فوائد الحديث عمق فهم الصحابة رضي الله عنهم وعلو كعبهم ورسوخ علمهم في فقه كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم سرعة استجابة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لله ورسوله وتطبيق كلام الله ورسوله الخضوع والانقياد لله سبب في التيسير والإعانة والتخفيف اعتقد الصحابة رضوان الله عليهم انهم مؤاخذون بما لا قدرة لهم على دفعه كالخواطر فلهذا رأوه من قبيل ما لا يطاق فلما قرأوا الآية واطمأنت بها قلوبهم وذلت بها ألسنتهم وخضعت لها جوارحهم بين الله لهم ان الخواطر وآحاديث النفس العارضة لا يؤاخذون بها وان المرادة هو العزائم المصمم عليها العزائم المصمم عليها هي التي تسكن النفوس وتدوم فيها وهي على نوعين أولا ما كان من أعمال القلوب كالشك في الربوبية أو الوحدانية أو النبوة فهذا كله يؤاخذ به العبد ويعاقب عليه ويصير بذلك كافرا أو منافقا وكذلك محبة ما يبغضه الله وبغض ما يحبه الله والكبر والعجب والحسد وسوء الظن بالمسلمين من غير أصل موجب لذلك والنوع الثاني ما لم يكن من أعمال القلوب بل كان من أعمال الجوارح كالسرقة وشرب الخمر والزنا فإن أصر العبد على ذلك وعزم عليه فهذا يلحق بالنوع الأول إنه محبة لما يسخط الله وسكون ذلك في النفس يهيئ الجوارح لمباشرة هذه الموبقات إذا تمكنت منها وخلت بها ويؤيد هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس والله أعلم بيان ما يجب عليه موقف المسلم من أوامر الله تعالى موقف المسلم من أوامر الله تعالى الاستجابة والطاعة علما أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وجوب مخالفة أهل الكتاب والتحذير من اتباع سننهم ومشابهتهم في الأقوال والأفعال وقوع النسق في القرآن الكريم ومحله في الأحكام التكليفية باب النهي عن البدع ومحدثات الأمور قال الله تعالى فماذا بعد الحق إلا الضلال وقال تعالى ما فرطنا في الكتاب من شيء وقال تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول أي الكتاب والسنة وقال تعالى وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبع السبل فتفرق بكم عن سبيله وقال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والآيات في الباب كثيرة معلومة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد متفق عليه وفي رواية لمسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد في أمرنا أي في ديننا رد أي مردود لا يلتفت إليه ولا يعمل به من فوائد الحديث المحدثات من الأمور مردودة ولا يقيم الله لمحدثها يوم القيامة وزنا بين الحديث أن المحدثات بدع وكل بدعة ضلالة فهو أصل في إبطال تقسيم البدع إلى سيئة وحسنة جميع العقود المنهي عنها باطلة وكذلك ثمراتها لأنما بني على باطل فهو كذلك ضابط البدعة كل أمر يتخذه الناس بقصد التقرب إلى الله تعالى ولم يرد فيه نص من كتاب أو سنة فهو بدعة مردودة عن جابر رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب إحمرت عيناه وعلى صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ويقول بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعي السبابة والوسطى ويقول أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ثم يقول أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي رواه مسلم منذر أي مخبر خبرا مخوفا صبحكم ومساكم أي أن العدو مغير عليكم صباحا أو مساء أنا أولى أي أحق أنا ولي أي كافل وقيم من لا كافل له ضياعا أي أطفالا وعيالا من فوائد الحديث بيان حالة الخطيب وهو يعظ قومه وذلك لشهوده ما لا تشهده العامة الخطيب يعظ الناس فيما يوافق الحال وعلى قدر التقسير والتفريط يكون الإنذار ينبغي مخاطبة الناس على قدر عقولهم وفيما يفقهونه ويدركون خطره أو ثمرته جواز الإثارة في الخطبة لبيان الأمر المتحدث به وتقريبه للمخاطبين السنة للخطيب أن يقول أما بعد شدة حرص النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته بأمته خير ما يشتغل به المرء كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وجوب نهي عن البدع والتحذير منها وأنها كلها شر وضلال وجوب كفالة الأيتام والعجزة من بيت مال المسلمين فالأئمة يقومون برعايتهم مشروعية الإرث بيان قرب الساعة وأنها على إثر النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذا إيقاض للنائمين وتنبيه للغافلين الذين لا يستيقظون إلا على شفى القبر باب في من سن سنة حسنة أو سيئة قال الله تعالى والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما وقال تعالى واجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا عن أبي عمر جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال كنا في صدر النهار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه قوم عرات مجتاب النمار أو العباء متقلد السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلال فأذن وأقام ثم صلى ثم خطب فقال يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة إلى آخر الآية إن الله كان عليكم رقيبا والآية الأخرى التي في آخر الحشر يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال ولو بشق تمره فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء رواه مسلم قوله مجتاب النمار النمار جمع نمرة وهي كساء من صوف مخطط ومعنى مجتابيها لابسيها قد خرقوها في رؤوسهم والجواب القطع ومنه قوله تعالى وثمود الذين جابوا الصخر بالواد أي نحتوه وقطعوه وقوله تمعر أي تغير وقوله رأيت كومين أي صبرتين وقوله كأنه مذهب المراد به الصفاء والاستنارة صدر النهار أي أوله عرا جمع عار وهو المتجرد من ثيابه والمقصود من يلبس ثيابا بالية متقلد السيوف أي واضع السيوف في أعناقهم كالقلادة البر هو القمح الصرة هي ما يوضع فيه الشيء ويربط عليه يتهلل أي يستنير ويضيء سنة أي طريقة متبعة موضوعة للاقتداء وزرها أي الحمل الثقيل والإثم من فوائد الحديث ينبغي على أصحاب اليسار أن يتفقدوا أصحاب الحاجة ويبادروا إلى دفع الضرر عنهم وهذا من باب تكافر المسلمين وتعاونهم على البر والتقوى اشفاق الرسول صلى الله عليه وسلم وتألمه على حال الفقراء والمحتاجين وحرصه على دفع الأذى الذي يلحق بهم وكذلك ينبغي أن يكون الأئمة من بعده سرور النبي صلى الله عليه وسلم لصرور الفقراء وسعيه لجلب نفع لهم ومساعدتهم ففيه تفريج كربة الأمة وكشف الغمة حسن توجيه النبي صلى الله عليه وسلم وحكمته في توثيق عرى الأخوة والمحبة بين المسلمين ولفت النظر إلى ضرورة التعاون الحث على الصدقة والإنفاق ولو كان بشيء يسير فإن الكثير يكون من القليل ولذلك لا يجوز أن يستحقر المرء عملا وإن كان صغيرا في نظره سرعة استجابة المسلمين لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم وتسابقهم إلى فعل الخيرات الحظ على أن يكون المسلم قدوة صالحة في الخير والبر والإحسان والتحذير من أن يكون قدوة سيئة في الباطل والمنكر من سعى إلى خير كان له مثل أجر فاعله ومن سعى في شر كان عليه مثل إثم مرتكبه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس من نفس تقتل ظلماء لا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل متفق عليه ظلماء أي بغير حق ابن آدم الأول هو المشار إليه بقوله تعالى وتل عليهم نبأ ابن آدم بالحق الآيات كفل أي حظ ونصيب أي فتح باب القتل لأول مرة من فوائد الحديث أن المتسبب في الفعل والمشجع عليه والمنبه إليه يكون مساويا للمباشر له فيما يترتب عليه من أجر أو عقاب وربما كانت مسؤوليته مضاعفة القتل أنواع منهما يكون ظلماء ومنهما يكون حقا وعدلا كالنفس بالنفس ما لم يعفو لي المقتول ورجم الزان المحصن والمرتد رياض الصالحين