بسم الله الرحمن الرحيم قصة أمنا حوّاء يا حوّاء تذكري عهد الله يا حوّاء هذا هو الموقن الثالث الذي تذكر فيه قصة أمنا حوّاء الأول في سورة البقرة والثاني في سورة الأعراف والثالث في سورة طاها وشاء الله أن يكون الحديث عن القسم الثالث في بداية العشر الأواخر وهو الثلث الثالث من رمضان وهكذا الأيام تمضي مسرعة من غير أن نشعر بها والسعيد من اغتنمها بما يرضي الله تعالى جعلني الله وإياك يا حواء من السعدى قال تعالى ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا فسجدوا إلا إبليس أبا فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرا وأنك لا تضمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلى منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدا قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدا فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لمحشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى وفي بداية هذا المقطع من قصة أمنا حواء يذكر ربنا سبحانه وتعالى العهد الذي عهده إلى آدم وحواء تبع له ونسيان آدم لهذا العهد والأثر المترتب على هذا النسيان فما هو هذا العهد الذي عهد الله به لآدم قال الطاهر بن عاشور رحمه الله وهذا العهد هو المبين في الآية بقوله فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك وهذا العهد بعد أن امتنع إبليس عن السجود لآدم وقبل دخول آدم الجنة قال أبو زهرة رحمه الله والمعنى عهد الله تعالى لآدم قبل أن يوسوس إليه الشيطان وهذا العهد هو أمر الله وتكليفه وإن لم يكن في دار تكليف وكل أمر من الله تعالى هو عهد بين العبد وربه نعم يا حواء كل أمر من الله تعالى هو عهد بين العبد وبين ربه فمن التزم بأوامر الله عز وجل حافظ على عهده ومن فرط فيها فرط في العهد والخطوة الأولى في حفظ العهد عزم القلب فإن كنت يا حواء عازمة فعلا من صميم قلبك سيظهر أثر هذا العزم على التزامك بأوامر ربك قال ابن جرير الطبري رحمه الله وأصل العزم اعتقاد القلب على الشيء يقال منه عزم فلان على كذا إذا اعتقد عليه ونواه ومن اعتقاد القلب حفظ الشيء ومنه الصبر على الشيء لأنه لا يجزع جازع إلا من خور قلبه وضعفه فإذا كان ذلك كذلك فلا معنى لذلك أبلغ مما بينه الله تبارك وتعالى وهو قوله ولم نجد له عزم فيكون تأويله ولم نجد له عزم قلب على الوفاء لله بعهده ولا على حفظ ما عهد إليه والعزم الحقيقي هو الجزم بالفعل وعدم الترد فيه فكيف تجدين عزمك مع أوامر الله يا حواء لا يعني هذا الكلام أنك تتحولين إلى ملاك لا يخطئ أبدا ولكن المقصود أن يصح عزم قلبك فإذا وقعت في النسيان وهي طبيعة الإنسان فبادري بطلب العفو والغفران كما فعلت أمك حواء مع أبينا آدم قال السعدي رحمه الله ولقد وصينا آدم وأمرناه وعهدنا إليه عهدا ليقوم به فالتزمه وأذعن له وانقاد وعزم على القيام به ومع ذلك نسي ما أمر به وانتقضت عزيمته المحكمة فجرى عليه ما جرى فصار عبرة لذريته وصارت طبائعهم مثل طبيعته نسي آدم فنسيت ذريته وخطئ فخطئوا ولم يثبت على العزم المؤكد وهم كذلك وبادر بالتوبة من خطيئته وأقربها واعترف فغفرت له ومن يشابه أباه فما ظلم وانتبه يا حواء إلى أن معنى النسيان هنا هو نسيان العهد وليس النسيان الفطري الذي هو فقدان الشيء في الذاكرة والفرق أن نسيان عهد الله يوقعك في المعصية عن قصد وتعاقبين عليها أما النسيان الفطري فلا يعاقب عليه الإنسان وقال الطاهر بن عاشور رحمه الله والنسيان أطلق هنا على إهمال العمل بالعهد عمدا فالمطلوب منك يا حواء هو تربية النفس على التمسك بعهد الله والالتزام بأوامره وضبط رغبات النفس وشهواتها بضوابط العهد الرباني قال سيد قطب رحمه الله وعهد الله إلى آدم كان هو الأكل من كل الثمار سوى شجرة واحدة تمثل المحظور الذي لا بد منه لتربية الإرادة وتأكيد الشخصية والتحرر من رغائب النفس وشهواتها بالقدر الذي يحفظ للروح الإنسانية حرية لانطلاق من الضرورات عندما تريد فلا تستعبدها الرغائب وتقهرها وهذا هو المقياس الذي لا يخطئ في قياس الرقي البشري فكلما كانت النفس أقدر على ضبط رغائبها والتحكم فيها والاستعلاء عليها كانت أعلى في سلم الرقي البشري وكلما ضعفت أمام الرغبة وتهاوت كانت أقرب إلى البهيمية وإلى المدارج الأولى وهذا هو الرقي الذي ندعوك إليه لا الرقي الزائف الذي يتحدث عنه العصاة والفجرة أصحاب الهزيمة النفسية السائرون في ركاب التقليد والتبعية للغرب الكافر المتمرد على أمر الله نكمل في لقاء القادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين قصة أمنا حوا