رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب الرجاء وعن أبي نجيح عمر بن عبسة السلمي رضي الله عنه قال كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان فسمعت رجلا بمكة يخبر أخبارا فقعدت على راحلتي فقدمت عليه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا جراء عليه قومه فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له ما أنت قال أنا نبي قلت وما نبي قال أرسلني الله قلت وبأي شيء أرسلك قال أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شيء قلت فمن معك على هذا قال حر وعبد ومعه يومئذ أبو بكر وبلال رضي الله عنهما قلت إني متبعك قال إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا ألا ترى حالي وحال الناس ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني قال فذهبت إلى أهلي وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وكنت في أهلي فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة حتى قدم نفر من أهل المدينة فقلت ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة فقالوا الناس إليه سراع وقد أراد قومه قتله فلم يستطيع ذلك فقدمت المدينة فدخلت عليه فقلت يا رسول الله أتعرفني قال نعم أنت الذي لقيتني بمكة قال فقلت يا رسول الله أخبرني عما علمك الله وأجهله أخبرني عن الصلاة قال صل صلاة الصبح ثم اقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس قيد رمح فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ثم صلي فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح ثم اقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصل العصر ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار قال فقلت يا نبي الله فالوضوع حدثني عنه فقال ما منكم رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فيستنثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء فإن هو قام فصلى فحمد الله تعالى وأثنى عليه ومجده بالذي هو له أهل وفرغ قلبه لله تعالى إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه فحدث عمر بن عبسة بهذا الحديث أبى أمامة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبو أمامة يا عمر بن عبسة انظر ما تقول في مقام واحد يعطى هذا الرجل فقال عمر يا أبى أمامة لقد كبرت سني ورق عظمي وقترب أجلي وما بحاجة أن أكذب على الله تعالى ولا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا حتى عد سبع مرات ما حدثت أبدا به ولكني سمعته أكثر من ذلك رواه مسلم قوله جراء عليه قومه أي جاسرون مستطيلون غير هائبين هذه الرواية المشهورة ورواه الحميدي وغيره حراء عليه قومه وقال معناه غضاب ذو غم وهم قد عيل صبرهم به حتى أثر في أجسامهم من قولهم حرى جسمه يحرى إذا نقص من ألم أو غم ونحوه والصحيح أنه بالجيم قوله صلى الله عليه وسلم بين قرنين شيطان أي ناحيتين رأسه والمراد التمثيل معناه أنه حينئذ يتحرك الشيطان وشيعته ويتسلطون وقوله يقرب وضوء معناه يحضر الماء الذي يتوضأ به وقوله إلا خرت خطايا أي سقطت ورواه بعضهم جرت بالجيم والصحيح بالخاء وهو رواية الجمهور وقوله فيستنثر أي يستخرج ما في أنفه من أذى والنثرة طرف الأنف في الجاهلية أي قبل الإسلام سموا بذلك لكثرة جهالاتهم فتلطفت أي فترفقت واتبعك أي مظهر للإسلام ومقيم معك في مكة ارجع إلى أهلك أي بق على إسلامك واقم في أهلك خوفا عليه من أذى قريش قيد رمح أي قدره مشهودة أي تحضرها الملائكة وتشهد بها لمن صلاها تسجر أي تهيج بالوقود الفي ظلما بعد الزوال من فوائد الحديث الأمة التي تنحرف عن منهج الله وتتبع قطوات الشيطان ليست على شيء لأنها تتردى في مهاو الضلالة الجاهليون حرفوا دين إبراهيم عليه السلام ولكن بقي نفر كانوا يعتقدون ضلال قومهم واتبعوا بقايا دين إبراهيم عليه السلام وهم الحنفاء أمثال قسر بن ساعدة الإيادي وزيد بن عمر بن نفيل إذا خشيت دعاة الفتنة من قبل حزب الشيطان وكانوا على ضعف جاز لهم أن يسروا بدعوتهم ولذلك أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن عبسة رضي الله عنه أن يعود إلى أهله بإسلامه ليقيم فيهم خشية من أذى قريش بيان للشدة التي مر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه ليصدوه عن دين الله استحباب سؤال أهل العلم عن أحكام الدين بيان ما أرسل الله به رسله وهو توحيد الملة بأن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا ويحطم الطاغوت وجوب تحطيم الأوثان والصلبان وطمس الصور بيان لفضل أبي بكر الصديق وبلال بن رباح رضي الله عنهما وأنهما من السابقين الأولين استحباب متابعة أخبار أهل العلم والسؤال عن أحوالهم ولطمئنان عليهم استحباب المسارعة إلى أهل الإسلام عند زوال المحن والابتلاع ولذلك لا يجوز تكثير سواد أهل الكفر بالمقام بين ظهرانيهم بيان للأوقات التي تكره فيها الصلاة وهي حين شروق الشمس ووقت الزوال وحين تغرب الشمس تحريم التشبه بالكفار ولو لم يقصد المتشبه ذلك فإن الذي يصلي حين تطلع الشمس وحين تغرب لا يقصد التشبها بالكفار ومع ذلك فالصلاة حينئذ منهي عنها بيان لفضل الوضوع وأنه مكفر للذنوب والخطايا وهذا لمن توضأ كما أمر جواز التثبت من المحدث من غير تهمة كلما طال عمر المسلم واشتعل رأسه شيبا ورق عظمه ينبغي أن يزداد إحسانا ورجاء وعملا صالحا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم عدول ثقات وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أراد الله تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا بين يديها وإذا أراد هلكت أمة عذبها ونبيها حي فأهلكها وهو حي ينظر فأقر عينه بهلاكها حين كذبوه وعصو أمره رواه مسلم فرطا أي متقدما وسابقا بين يديها أي أمامها هلكة أي هلاكا فتقر عينه أي فيحصل له السرور بهلاكها من فوائد الحديث رحمة الله تعالى بهذه الأمة المحمدية زادها الله شرفا فإنها أمة مرحومة حيث قبض نبيها قبلها فنسأل الله تعالى أن يجعله لنا فرطا وسلفا نرد عليه الحوض اهتمام الأنبياء بأقوامهم وحرصهم على رعايتهم وإصلاح شؤونهم تعذيب الكفار وأهلاكهم وفيه اقرار عين الأنبياء وأتباعهم رياض الصالح رياض الصالحين