نسيم السحر سر السحر في السحر سر لا يعرفه إلا المحبون الصادقون الذين باح لهم به طول مقامهم في ذلك الظرف الجميل حتى أضحوا يسرقون أنفسهم في هجعة الليل والحياة قد ألقت على الأحياء سباتها العميق لكي يفضي إليهم الليل بطرف جديد من ذلك السر المكنون والجو حينئذ متشح بثوب الهدو وبعد المزاحمين الشاغلين لقد ذاق أهل السجود والدعاء في السحر لذة السعادة التي حرمها المعرضون عن تلك اللحظات المقدسة وطعموا حلاوة الراحة حتى طمأنت قلوبهم وانشرحت صدورهم وهانت عليهم مصائب دنياهم وخفت عليهم آلامهم وقد ارتووا من رحيق السعادة في جوف السحر من طريقين الطريق الأول ما في تلك اللحظات المعمورة بالصلاة والمناجة من الراحة واللذة التي يهديها الله تعالى لمن ترك شهوة النوم وقام بين يدي ربه راكعا ساجدا والطريق الثاني استجابة الله دعاء القائمين في السحر فأما الطريق الأول فإن من جاهد نفسه على الاستمرار على العبادة في تلك الساعة المباركة وأحسن الوقوف هناك بين يدي الله فإن الله يكسو قلبه من نسج السعادة ما يفوق الوصف حسنا وامتدادا وذلك حين آثر ما يحب الله على ما تحب نفسه فكانت تلك اللذة التي ينالها جزاءه العاجل قال تعالى إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومن ما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قروة أعين جزاء بما كانوا يعملون وقد تحدث الصالحون عن هذا قال أبو سليمان الداراني أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا وقال أيضا لو عوض الله أهل الليل من ثواب أعمالهم ما يجدونه من اللذة لكان ذلك أكثر من ثواب أعمالهم وقال بعض العلماء ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجا وقال بعضهم لذة المناجات ليست من الدنيا إنما هي من الجنة أظهرها الله تعالى لأوليائه لا يجدها سواهم وقال ابن المنكدر ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث قيام الليل ولقاء الإخوان والصلاة في الجماعة وقال سفيان إذا جاء الليل فرحت وإذا جاء النهار حزنت وقال ثابتني البناني ما شيء أجده في قلبي ألذ عندي من قيام الليل فما عند المحبين ألذ من أوقات الخلوة بمناجات محبوبهم الذي هو شفاء قلوبهم ونهاية مطلوبهم وأما الطريق الثاني فساعة السحر ساعة استجابة الدعاء ولا ريب أن أهلها يدعون الله تعالى فيها بأدعية كثيرة منها الدعاء بتفريج ضيقهم وإذهاب همومهم وأحزانهم ولعل الله يجيب دعاءهم ومن ثم يكونون سعداء كما أنها ساعة قرب من الله فمن كان قريبا من الله أجاب دعاءه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له وقال عليه الصلاة والسلام أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن فيا من طوقته الأحزان والكربات وقيدته الأوجاع والمنغصات وضاقت عليه حياته وتكدرت لديه لذاته وقطع عن آماله وقصر عن بلوغ غايته كن من أهل السحر قائماً داعيا أكثر من وصال تلك اللحظات العذبة وداوم على حسن القيام فيها وستجد أن الأفراح ستنثال عليك انثيالا وأن الآلام ستخف والأحزان ستذهب فإذا صرت من أهل العبادة في ساعة السحر فإياك أن تنقطع عن ذلك في حال القدرة فلنقطاع يورث الكدر ويحرم السعادة قال ابن رجب كان بعض العلماء يقوم السحر فنام عن ذلك ليالي فرأى في منامه رجلين وقفى عليه وقال أحدهما للآخر هذا كان من المستغفرين بالأسحار فترك ذلك يا من كان له قلب فانقلب يا من كان له وقت مع الله فذهب قيام السحر يستوحش لك صيام النهار يسأل عنك ليال الوصال تعاتبك تغيّرتم عنا بصحبة غيرنا وأظهرتم الهجران ما هكذا كنا وأقسمتم ألا تحولوا عن الهوى فحلتم عن العهد القديم وما حلنا ليالي كنا نستقي من وصالكم وقلبي إلى تلك الليالي قد حنا سعاد البشر