بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله جنير بن عبدالله البجلي رضي الله عنك ها نحن أولاء في مسجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قبيل حجة الوداع بقليل والناس قد أخذوا أماكنهم في رحابه الطاهرة تأهبا لسماع خطبة الجمعة وها هو ذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يصعد المنبر فيتحول كل من في المسجد إلى آذان صاغية وقلوب واعية وعيون مشدودة إليه متعلقة به لا تتحول عنه ولا تريم وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينذر ويبشر ويعظ ويذكر ويذكر ويعالج شؤون المسلمين ما يعالج وفيما هم كذلك أقبل على المسجد وفد كبير من قبيلة بجيلة قادما من اليمن ليعلن إسلامه بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم ويبايعه على السمع والطاعة في المنشط والمكره فأخذ رجال الوفد أماكنهم بين جموع المسلمين وكان على رأسهم جرير بن عبد الله البجلي سيد بجيلة وزعيمها المطاع فإذا بالمسلمين الذين لا يصرفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء يتحولون بعيونهم إلى جرير بن عبد الله وجعلوا يطيلون إليه النظر ويحدون فيه البصر حتى خيل إليهم أنهم كانوا معه على موعد أو كأن ناعت النعته لهم فأرادوا أن يتثبتوا من شخصه ويتحققوا من نعته فما إن انتهت الصلاة حتى ما لجرير على رجل من المسلمين كان يجلس بجانبه وقال ما بالو الناس يصرفون أبصارهم إلي ويحدقون في حتى لك أن لهم عندي حاجة أهي مجرد صدفة أم أن في الأمر شيئا فقال الرجل إن الناس لم ينصرفوا إليك بأبصارهم إلا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا قبل قليل بقدومك على رأس وفد من قومك وذكر لنا نعتك وقال يدخل عليكم رجل من خير أهل اليمن على وجهه مسحة ملك فانبسطت أسارير جرير بن عبد الله البجلي لما سمع وأشرق وجهه بالفرحة وطابت نفسه بما خلعه الرسول صلى الله عليه وسلم من نعت عليه وما انفرغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته وتسبيحه ودعائه حتى مثل جرير بين يديه فقال له النبي عليه الصلاة والسلام ما جاء بك يا جرير فقال جئت لأسلم على يديك أنا وقومي يا رسول الله ولنبايعك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إنما أبايعك على أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت وتنصح المسلم وتطيع الوالي ولو كان عبدا حبشيا قال نعم يا رسول الله وبسط يمينه إليه وبايعه ومنذ ذلك اليوم توثقت عرى المودة بين النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه جرير بن عبد الله البجلي ونال من إكرام الرسول صلى الله عليه وسلم وإعزازه ما لم يحظ به إلا القليل النادر من أصحابه السابقين إلى الإسلام فما حجبه الرسول صلى الله عليه وسلم يوما عنه حتى مات وما لقيه مرة إلا هش له وبش وتبسم في وجهه ولقد دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ذات مرة في بيته فرحب به ولما لم يجد شيئا يجلسه عليه تناول رداءه وطواه وطرحه له ليجلس عليه فأخذ جريرني الرداء وضمه إلى صدره وطفق يقبله وهو يقول أكرمك الله يا رسول الله كما أكرمتني وأعزك الله كما أعززتني فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى من معه وقال إن أتاكم كريم قوم فأكرموه وما إن أسلم جرير ابن عبد الله البجلي وانضم إلى كتائب الإيمان حتى أصبح موضع ثقة النبي صلى الله عليه وسلم وثقة خلفائه من بعده فأناطوا به جليل الأمور واعتمدوا عليه في عظيم المهمات فقبيل وفاة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم دعا إليه جريرا وقال هل أنت مريحي من ذو الخلصة يا جرير قال نعم يا رسول الله وذو الخلصة هذا الذي أراد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن يستريح منه قبل أن يفارق الحياة مجموعة من الأصنام في مدينة تبالة على مسيرة سبع ليال من مكة في الطريق إلى اليمن طليت بالبياض ونقشت عليها نقوش كهيئة التيجان وكان يقوم على سدانة ذو الخلصة بن أمامه وكانت تعظمها قبائل خثعم وبجيلة والأزد وتحج إليها وتطوف بها وتذبح عندها حتى إنهم كانوا يدعونها الكعبة اليمانية وقد اختار الرسول صلوات الله وسلامه عليه جريرا لهذه المهمة لسيادته في بجيلة ومكانته بين القبائل اليمنية فصدع جرير بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واختار لهذه الغزوة مئة وخمسين فارسا من الشجعان الكماه ولما هم بالرحيل أقبل يودع الرسول صلوات الله وسلامه عليه وشكى له من أنه لا يثبت على ظهور الخيل لطول قامته وعظم هامته فضرب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على صدره وقال اللهم ثبت واجعله هاديا مهديا فكان بعد ذلك من أثبت الفرسان على متون الجياد الصافنات مضى جرير برجاله إلى ذي الخلصة فقتل سدنته وحطم هياكله وأوقد النيران في أصنامه ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيرا يبشره بالقضاء على ذلك الطاغوت الذي غمه وأهمه والذي أصبح مكانه فيما بعد عتبة لمسجد تبالة الكبير لم يعد جرير إلى المدينة بعد هدم ذي الخلصة وإنما واصل سيره إلى اليمن ليدعو ملوكها إلى الإسلام بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فوفد على ذي الكلاع الأصفر أعظم ملوك اليمن إذ ذاك وعرض عليه محاسن الإسلام وقرأ أمامه شيئا من القرآن وبشره وأنذره فشرح الله صدر الملك للإيمان وما لبث أن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ولقد ابتهج ذو الكلاع بما أكرمه الله به من الإيمان بعد الشرك ابتهاجا عظيما فأعتق يوم أسلم أربعة آلاف عبد ثم هاجر بقومه إلى المدينة فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فارق الحياة فمضامع قومه إلى حمس واتخذوها مقاما لهم ووطنا ولما آلت الخلافة إلى الصديق رضي الله عنه وضع جرير بن عبد الله نفسه وسيفه وقومه في طاعته فجرده أبو بكر للقضاء على فتنة الردة في بلاد اليمن فقام جرير بالأمر خير قيام وطفق القاتل المرتدين حتى كسر شوكتهم وأعادهم إلى حظيرة الإسلام ولما صارت الخلافة إلى عمر رضي الله عنه كان له جرير نعم الجليس والمشير والقائد وكان عمر يأنس به أشد الأنس ويعجب لذكائه الحاد وبديهته المطاوعة في المواقف الحرجة من ذلك أن عمر كان في مجلس مع جرير بن عبد الله ونفر من المسلمين ينتظرون الصلاة فخرجت من أحد القوم ريح فسكت الناس وسكنوا كل يخشى أن يظن أنها منه وخاف عمر أن يحمل الخجل صاحب الريح على الدخول في الصلاة من غير وضوء فقال عزمت على صاحب الريح أن يقوم فيتوضأ فجعل الناس ينظر بعضهم إلى بعض فبادر جرير بن عبد الله وقال مرنا يا أمير المؤمنين أن نتوضأ جميعا فسري عن عمر وقال نعم توضأوا جميعا ثم التفت إلى جرير وقال رحمك الله نعم السيد كنت في الجاهلية ونعم السيد أنت في الإسلام ثم توضأ القوم جميعا نعم السيد كنت في الجاهلية ونعم السيد أنت في الإسلام عمر بن الخطاب ونعم السيد