بسم الله الرحمن الرحيم مختصر كتاب رمضان احداث وعبر غزوة بدر الكبرى الزمان صباح الجمعة الموافق لليوم السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة الصراع بين الحق والباطل والخير والشر سنة من سنن الحياة على هذه الدار والقوة عنصر رئيس في إدارة هذا الصراع وإدالته ولا تتكافأ المبادئ ولا يحتدم الصراع ولا يكون الظهور سجالا بين الأطراف المتباينة إلا بوجود ذلك العامل القوة وتلك القوة قوة حجة وبيان وقوة مواجهة بالسلاح والسنان ولا شك أن الحق لا يفتقر إلى القوة الأولى بل براهين أحقيته واضحة ولكن قد تنقصه القوة الثانية في بعض الأزمنة والأمكنة ومن غير اجتماع القوتين لا يمكن أن يسود وينتشر انتشارا كبيرا فلهذا شرع الله تعالى لأنبيائه جهاد أعداء دينه الذين يقفون في طريق نشره ويصدون الناس عن قبوله فصارت هذه الشعيرة شرعا متفقا عليه بين الشرائع السماوية كافة لأن الفكرة إذا لم يكن لها قوة تحميها وتبلغها فلن يكتب لها البقاء والذيوع غير أن هذه الشعيرة العادلة قد يتوقف العمل بها في بعض الأوقات والأماكن لعدم وجود الأحوال المناسبة التي توصل إلى غاياتها المنشودة التي شرعت لأجلها كما كان عليه الحال في العهد المككي إذ لم يكن لدى المسلمين آنذاك ما يستطيعون به الصمود في المواجهة العسكرية ولكن لما تحول المسلمون إلى المدينة وصار لهم دار ومأوى وعدد وعدة بدأت الآيات الحاثة على الجهاد تتنزل تباعا وما زالت كذلك حتى فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا وكانت بين آمرة بالقتال وناهية عن القعود عنه ومرغبة فيه مبينة العواقب الحسنة من ورائه ومرهبة من تركه الذي يفضي إلى عواقب غير محمودة الطريق إلى بدر إن وصول مواكب المهاجرين إلى المدينة واجتماعهم مع الأنصار على تكوين قوة جديدة لها عقيدتها المخالفة لما عليه الناس في ذلك الزمن عقيدة تحكم على ما سواها بالبطلان وتدعو الناس إلى الانضمام إليها وتركهم أديانهم السابقة وتقوم بتغيير جذري في الحياة إن ذلك كله لم يكن بالأمر الهي الذي ستسكت عنه قوى الباطل خاصة القوة القرشية التي كانت لها زعامتها الدينية والسياسية المرموقة في ذلك الحين ولا ننسى قبائل اليهود القاطنة مع المسلمين في المدينة التي كانت تبطن الحقد الشديد لهم إضافة إلى الأعراب المحيطين بالمدينة فلذلك لم يكن بقاء المسلمين في طيبة الطيبة قبل بدر يتسم بالاستقرار الأمني ولطمئناني من المباغتة من القوى المعادية ولتلك الحال بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة لا يبيت إلا محروسا وكان المسلمون لا يبيتون إلا في سلاحهم كذلك تخوفا من هجوم عدو مفاجئ ولم يكن هاجس الخوف آنذاكا خاطرا عابرا بل كان شعورا سليما فقريش ترسل تهديداتها إلى المدينة عبر عبد الله بن أبي بن سلول قائلة إنا سنأتيكم فنستأصلكم ونبيد خضراءكم في عقر داركم بل بلغ الأمر إلى وصول قوة خفيفة من المشركين بقيادة كرز بن جابر الفهري إلى مراعي المدينة لينهب بعض مواشيها ويعود سالما فلما كان الأمر كذلك صار من الأمور المسلمة اقتراب اللقاء الدامي بين جمع الحق وجمع الباطل فأنزل الله تعالى الإذن بالقتال مصحوبا بموجباته في قوله أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نشرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينسر أن الله من ينسره إن الله قوي عزيز ومن هنا تجلى للمسلمين أهمية الاستعداد العسكري فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجهيز السرايا وبعثها إلى تخوم المدينة فبدأ فعلا عمل عسكري بين فترة وأخرى فكان بين يدي بدر غزوات وسرايا متعددة كان أكثر أهدافها اعتراض قوافل قريش التجارية والغرض إرسال رسالة إلى قريش مفادها أن عيون المسلمين ساهرة وأنهم قوة يمكنها المواجهة والمقاتلة فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون على ذلك النشاط العسكري عبر تلك السرايا والكتائب حتى وصل بعضها إلى قرب مكة فقتلت من المشركين وأسرت وغنمت وعادت سالمة كسرية نخلة التي كان قائدها عبد الله بن جحش رضي الله عنه وهنا أدرك المشركون أن الخطر الإسلامي عليهم لم يعد وهما بل صار حقيقة وفي أوج ذلك النشاط العسكري قبيل بدر كانت الآيات المحرضة على الجهاد تنزل في سور متعددة مما زاد المسلمين نشاطا وحبا لليوم الذي يقابلون فيه قريشا في ميدان السلاح إن قريشا لم تكن تكفع رحلاتها التجارية إلى الشام عبر أطراف المدينة لأن حياتها لا تقوم إلا بذلك ومعما سبقت الإشارة إليه من اعتراض المسلمين المتكرر لقوافلهم إلا أنهم ظلوا ماضين في ذلك الطريق وفي قافلة من تلك القوافل بلغ المسلمين خبرها خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمع من المسلمين في طلبها لكنهم وصلوا وقد فاتتهم فعادوا إلى المدينة فلما بلغهم رجوعها استعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من المسلمين فخرجوا لاعتراض تلك القافلة فبلغ خبر خروج المسلمين قائد القافلة أما سفيان فغير مسارها وأرسل النذير إلى قريش فخرج المشركون من مكة بحدهم وحديدهم وكبرهم وخيلاءهم لمواجهة المسلمين بجيش قوامه ألف مقاتل ولما بلغ الخبر المسلمين فاستعد المسلمون ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطلقوا إلى ساحة المعركة وأخذوا مراكزهم منتظرين ساعة اللقاء الحاسم شروق يوم الفرقان في صباح الجمعة الموافق لليوم السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة تشرق الشمس على موضع وفيه فئتان متقابلتان فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة اجتمع الفريقان من غير استعداد كافر من طرف المسلمين له إذ كانوا يريدون العير والله يريد النفير في ذلك الصباح القاني كان اللقاء بين السيوف بعد أن كان اللقاء بين الحجج ومعارضتها يلتقي هناك المظلوم الذي عذب وأهينا وأخرج من داره وأهله ويحيى من حي عن بيناه وإن الله لسميع عليم بالظالم المعتدي الذي خرج بطرا ورياء يصد عن سبيل الله ويحارب أولياء لم يكن ذلك اللقاء لحمية أو عصبية قبلية أو قومية أو أغراض دنيوية بل كان لقاء بين الإيمان والكفر والحق والباطل والخير والشر في معركة فاصلة تحدد مسارات التعامل بعدها فلذلك التقى على حد السنان الأخ بأخيه والابن بأبيه والقريب بقريبه والصاحب بصاحبه لم تبق هناك رابطة غير رابطة العقيدة وعليها يحارب المخالف وينصر المؤالف في حزناد المعركة بمبارزة سريعة تخطف رؤوس ثلاثة من شجعان المشركين فتلقي بظلالها القاتمة على قلوب الكفان رعبا وهلعا وفي صفوفه مرتباكا والطرابا وعلى إثرها بدأ الهجوم العام الذي كان من قبل المسلمين كالسيل الجارف الذي يجرف ما أمامه أو كحال الأسود الجائعة تنقض على فرائسها التي طال ما اشتهت لقائها فلا ترا حينها إلا رؤوسا تتطاير ووجوها تهشم وأطرافا تبتر وعظاما تندر ودماء جارية تتخضب بها الأجساد والمراكب فلما دارت حومة الوغى وصارت ذلال سيوف المسلمين غير منقشعة عنهم ورأت جحافل الكفر كبارها صرعة تحت أقدام الخيل ركبت صهوات الفرار تلم لمجراحها وتعود إلى ديارها بما تبقى من رجالها هنالك نشطت نسعات المسلمين وأغلالهم حساك به من جموعهم الفارة فانقشعت سحابة المعركة البدرية عن سبعين قتيلا وسبعين أسيرا من مشرك قريش فكان ذلك ضربة قاصمة لم تتلقى قريش قبلها مثلها الأثر الذي تركته المعركة إن يوم بدر يوم مشرق في جبين الأمة المحمدية ودرة مضيئة في عقد الكفاح الدامي في حياتها الجهادية ومدرج متين غير مسير التاريخ في تلك الأيام وأعاد لعقل الباطل دورة التفكير من جديد وأعطى قوة الحق شحنة جديدة من العزة واليقين والاستمرار في طريق المواجهة المسلحة إنه اليوم الذي انتصف فيه المظلوم من الظالم والمستضعف من المستضعف والمعذب من المعذب إنه يوم بلال بن رباح حين شفى غليله من أمية بن خلف الذي كان يسومه سوء العذاب في مكة إنه يوم فيه مكة من رؤوس الكفر والضلال وتنفست جوانبها الصعداء بزهوق أرواح صناديد الغواية التي كانت تكدر أجواءها فنفق فيه أبو جهل وأمية بن خلف وشيبة بن ربيعة وأمثالهم من الجبابرة يوم بدر كان يوما أضاء فأزاح من ظلمات الباطل ما أزاح وصار درسا داميا تخاف أي قوة للباطل أن يتكرر في حقها إنه اليوم الذي وسعت أنواره أرجاء المدينة فسر به المسلمون سرورا عظيما وحنق لأجله المنافقون واليهود حنقا شديدا وحور ظلامهم خاسئين بعد أن أطمعهم اللقاء للخروج منها ظانين أن الدائرة ستدور على المسلمين وعلى المنوى لنفسه كان ذلك اليوم الرمضاني البهيج يوما أوقف القبائل الوثنية حول المدينة عن نيات السوء بالمسلمين ألف حساب أما مكة فيا مؤس مشرك مكة في ذلك اليوم إنها كانت تظن أن جيشها الجرار سيخرج إلى المدينة في نزهة للصيد فيعود وقد قتل من قتل وعلق في حبالة صيده أسرى من المسلمين فيشرب المشركون الخمور فرحا بهلاك محمد وصحبه وبين مكة في عنفوان أحلامها إذ بطلائع ما تبقى من مقاتليها تدخلها تجرجر أذيال الخيبة والرعب يلف خطاها والخوف العريض يكسو محياها ورهج الفجيعة يظلل هاماتها إن أهل مكة لما وصلهم يقول الأول عن المعركة لم يصدقوا قائلة فجعلوا يسخرون بخبره ببعض الطرائف ولكنهم لما أضاءت لهم الحقيقة صدموا صدمة لم يصدموا بمثلها من قبل فعلتهم الكآبة ونزل بهم الحزن الشديد وتحولت مكة إلى مناحة كبيرة وتحتسي كؤوس الوجع الكبير فشتان بين جمع المشركين المتبقي الذي وصل مكة وهو يخلف وراءه قتله وأسراه ويحمل بين يديه خزيه وهوانه وبين جمع المسلمين الظافر الذي يعود إلى المدينة وقد فرش الطريقه من بدر إلى المدينة بالعزة والمسرة فيدخل المدينة وهو يجر سبعين أسيرا وخلفهم على بدر يترك سبعين قتيلا فتتلقاه فود التهنئة وعلى محياه ترتسم ابتسامة النصر والإباء فينزل دار الهجرة وقد قرت عينه برؤية قوة الضلال الكبرى تتهاوى وشاهدت معية الله وهي تسدد رمي المؤمنين وتصرع أعداء الله الكافرين وفي هذا الحدث من العبر أولا شهر رمضان زمان نشاط وتحرك للأعمال العظيمة وليس زمنا للقعود والكسل ثانيا قوة الباطل لا يردعها إلا قوة للحق توقفها عن بغيها وصلفها ثالثا انتصار المؤمنين على الكافرين المحاربين ليس بقوة العدد والعدة ولكن بتوفر عنصر الإيمان الذي تصحبه معية الله تعالى رابعا غرور الباطل له أمد معين ينتهي عنده ويسطع حينها نجم الحق المشرق خامسا إن انتصار قوة الحق مع طرف من أطراف الباطل يرهب تلك القوة وأمثالها كما قال تعالى رمضان أحداث وعبر