رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب الصبر وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى ما لعبد المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسب إلا الجنة رواه البخاري صفية أي حبيبة لأنه يصافيه وده ويخلصه محبته ثم احتسب أي ادخر ثوابه عند الله تعالى وذلك ينبئ عن الصبر والتسليم من فوائد الحديث من أعظم المصائب التي تنزل بالإنسان فقدان أحبته الكافر مهما عمل من عمل صالح فليس له به عند الله شي لعدم الإيمان يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب وخاتمة ذلك دخول الجنة وعن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرها أنه كان عذاباً يبعثه الله تعالى على من يشاء فجعله الله تعالى رحمةً للمؤمنين فليس من عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد رواه البخاري الطاعون هو بثر مؤلم يخرج غالباً في الآباط مع لهيب وسوداد حوالي وخفقان في القلب والقي محتسبا أي راجياً للأجر والثواب من الله تعالى من فوائد الحديث أصل الطاعون عذاب ورجز على الأمم السابقة رحمة الله تعالى بهذه الأمة وما خصها به من خير فقد جعل الله ما كان عذاباً لغيرها رحمة بها الأجر على ما يصيب العبد من هم وحزن وغم وأذى خاص بأهل الإيمان دون غيرهم لا يقتصر أجر الشهيد على من مات في الحرب وإنما يشمل أناس كثيرين من مات بالطاعون أو مات مبطوناً أو غريقاً أو النفسا هؤلاء ممن عدهم الإسلام في زمرة الشهداء لا يُعاملون معاملة شهيد الحرب بل لهم أجر الشهداء إذا وقع الطاعون بأرض والعبد فيها فلا يجوز له الخروج منها بل عليه أن يرابط فيها محتسباً راضياً بأمر الله وقدره حرص الإسلام على حصر الأمراض الخبيثة والمعدية وعدم انتشارها وهذا هو مبدأ الحجر الصحي دعوة المصاب إلى الصبر والمكوث في البلد لا يتنافى مع الأخذ بأسباب الوقاية والمداواة وعن أنس رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله عز وجل قال إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة يريد عيني رواه البخاري من فوائد الحديث العينان أحب أعضاء الإنسان إلي من أحبه الله ابتلى ليدفع عنه المكرو أو ليكفر من ذنوبه أو ليرفع درجته فإذا تلقى ذلك بالقبول تم له المراد الجنة أعظم العوض لأن التمتع بالبصر يفنى بفناء الدنيا وأما التمتع بالجنة فباق دائما الأجر على قدر المشق وعن عطاء ابن أبي رباح قال قال لي ابن عباس رضي الله عنهما ألا أريك مرأة من أهل الجنة فقلت بلى قال هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني أصرع وإني أتكشف فادعوا الله تعالى لي قال إن شئت صبرتي ولك الجنة وإن شئتي دعوت الله تعالى أن يعافيك فقالت أصبر فقالت إني أتكشف فادعوا الله ألا أتكشف فدعا لها متفق عليه أصرع من الصرع وهو ما يحدث بسبب الجن أتكشف أي يظهر بعض بدني من الصرع من فوائد الحديث الصبر على البلاء في الدنيا يورث الجنة علاج الأمراض بالدعاء وللتجاء الصادق إلى الله تعالى ناجع مع تعاطي الدواء الأخذ بالعزيمة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن وجد من نفسه قدرة على تحملها وكان له فيها مزيد من الأجر جواز ترك التداوي شدة حياة الصحابيات رضي الله عنهم فهذه المرأة أخشى ما تخشى أن ينكشف شيء من جسمها وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون متفق عليه يحكي نبيا أي يصف نبيا من الأنبياء من فوائد الحديث صبر الأنبياء وتحملهم الأذى في سبيل تبليغ دعوتهم للناس لينالوا رضى الله ورحمته من أخلاق الأنبياء مقابلة الجهل بالغفران والمسامحة عدم معاملة الجاهلين بمثل أعمالهم ولا بالدعاء عليهم بل بطلب الهداية لهم والحرص عليها التأسي بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في تحمل الأذى فقد شج وجهه وسال الدم منه يوم أحد أهل الفساد والكافرون لا يقابلون الحجة بمثلها بل يلجأون إلى القتل والتعذيب والتكذيب عد مستعجال العذاب بالمخالفين وأعداء الدعوة وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذن ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطايا متفق عليه والوصب المرب النصب التعب الأذى هو كل ما لا يلائم النفس يشاكها تشكه وتدخل في جسده من فوائد الحديث المؤذيات التي تصيب المؤمن تقهره من الذنوب أقل ما يصيب العبد من بلاء الدنيا كفارة له ينبغي على العبد أن لا يجمع على نفسه بين الأذى وتفويت الثواب المصاب من حرم الثواب المصيبة مع الجزع والضجر مصيبتان مصيبة في الجسم ومصيبة في فقدان الأجر ربما يلحق المتضجر الوزر وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فقلت يا رسول الله إنك توعك وعكا شديدا قال أجل ذلك كذلك ما من مسلم يصيبه أذا شوكة فما فوقها كفر الله بها سيئاته وحطت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها متفق عليه والوعك مغث الحما وقيل الحما المغث إصابة الحما من فوائد الحديث حصول الثواب على أنواع البلاء مع الصبر أشد الناس بلاء الأنبياء أنهم مخصوصون بكمال الصبر وصحة الاحتساب ولأن الله تعالى جعل منهم قدوة وأسوة للناس كلما اشتد المرض والأذى بالعبد المؤمن ضاعف الله له الأجرى وتكفير الخطايا حتى يحط عنه سيئاته كلها القوي يحمل ما لا يحمل الضعيف فالمؤمن يبتلى على قدر دينه ويقينه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يصب منه رواه البخاري وضبطوا يصب منه يصب منه أن يوجه إليه مصيبة في بدنه أو ماله أو محبوبه من فوائد الحديث المؤمن لا يخلو من علة أو قلة أو ذلة الابتلاء أمارة حب الله لعبده حتى يرفع درجته ويعلي مرتبته ويكفر خطيئته وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتمنى أن أحدكم الموت لضر أصابه فإن كان لا بد فاعلا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي متفق عليه الضر ما ينزل بالإنسان من سوء في بدنه أو أهله أو ماله من فوائد الحديث حرمة تمني الموت وقد ورد النهي صريحا من حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه عند البخاري أنه اكتوا سبعا وقال لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به فإن خشي العبد على نفسه الوقوع في الفتن وخشي أن يلحقه الضرر بدينه فيجوز له أن يقول ذلك ولكن كما علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لا شك أن حياة المؤمن خير له لأنه إذا ماتا قطع عمله كما أخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدعو به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم قطع عمله ولا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا التفويد والتسليم لله تعالى في اختيار الحياة أو الموت الإنسان لا يعلم من أين يأتيه الخير فربما تكون حياته مع المصائب والشدائد خيرا له أو تكون وفاته خيرا له بامتناع عن المعاصي فعلى المؤمن أن يفوض أمره إلى الله وعن أبي عبد الله خباب بن الأرت رضي الله عنه قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون رواه البخاري وفي رواية وهو متوسد بردة وقد لقينا من المشركين شدة البردة الشملة المخططة متوسد أي جعلن البردة تحت رأسه يصده أي يمنعه هذا الأمر أي دين الإسلام الراكب أي المسافر من فوائد الحديث مدح الصبر على العذاب في الدين الضعفاء يتقوون بدعاء القوي ونصحه جواز الدعاء على الكفار وطلب ذلك جواز ذكر ما يتعرض له العبد من البلاء من الكفار وليس ذلك شكوى جواز ضرب المثل بمؤمن الأمم السابقة وأنه أبلغ في بيان الصبر فإن النفس تطمئن وتثبت إذا رأت من أصيب مثلها فثبت وهذه فائدة التأسي المؤمن يثبت على عقيدته ولو نشر بالمناشير الابتلاء من لوازم الإيمان في كل وقت كما قال تعالى أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنا الله الذين صدقوا وليعلمنا الكاذبين العداء للإيمان قديم فأهل الكفر والفسوق والعصيان لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة فهذه سبيل المجرمين المستقبل للإسلام فالله ناصر دينه بعز عزيز أو بذل ذليل عز يعز الله به الإسلام وأهله وذلا يذل به الكفر وأهله كما قال تعالى هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور مستقبلية وتحقق ذلك فقد انتشر الإسلام واستتبى الأمن والسلام وهذا يدل على نبوته وصدقه عليه الصلاة والسلام الإسلام دين الأمن والسلام فحيثما حل الإسلام وطبقت أحكامه أو قيمت حدوده كان الأمن والأمان والطمأنينة والسكينة فإذا غير الناس أذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون الإنسان مولع بالعاجل لأنه خلق من عجل فإذا أبطأ الخير عنه نفد صبره وضاقت نفسه ناسيا أن لكل أجل كتاب مسمى وأن الله لا يعجل بعجلة الخلق رياض الصالحين