بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله سماك بن خرشة رضي الله عنه هذه مدينة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم يموج بعضها في بعض تأهبا للقاء العدو وهؤلاء أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يروحون ويغدون في دروع الحديد كأسد الشرى وهم يتوهجون شوقا إلى نيل الشهادة والظفر برضوان الله وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى الناس لابس لأمته مستعدا للقاء عدو الله وعدوه فما إن وقعت عليه عيون المسلمين حتى اشتعلت صدورهم بنيران الحمية واتقدت أفئدتهم بالعزيمة والبأس وها هم أولئ الفتية اليافعون من أبناء المهاجرين والأنصار يقبلون على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وليس فيهم من جاوز الخامسة عشرة من عمره وهم يشدون قاماتهم القصيرة وينفخون صدورهم الغضة ليظهروا بمظاهر الرجال أمام الرسول عليه الصلاة والسلام أملا في أن يجيزهم ويتيح لهم فرصة القتال تحت رايته ولاستشهاد في سبيل الله قريبا منه وما إن اكتملت الجموع حتى رفع الرسول صلوات الله وسلامه عليه سيفه بيده وقال من يأخذ سيف هذا فامتدت إليه أيدي كثيرة كلها تريد أن تظفر بسيف الرسول صلوات الله عليه وسلامه وتحضى به فرده الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وقال من يأخذ سيف هذا بحقه فقام إليه رجال فيهم عمر بن الخطاب والزبير بن العوام وغيرهما فأمسك حتى قام إليه سماك بن خرشة أخو بني ساعد المكنا بأبي دجانة وقال وما حق سيفك يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم تقاتل به في سبيل الله حتى يفتح الله عليك أو تقتل فقال أنا آخذه بحقه يا رسول الله فأعطاه إياه عند ذلك اشرأبت الأعناق إلى أبي دجانة الذي منحه الرسول صلوات الله وسلامه عليه سيفه وأثره به على شيوخ المهاجرين وفرسان الأنصار لم يكن أبو دجانة مجهول المكان في الحرب عند أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام أو مغمور المقام فهم جميعا يقرون له بأنه كمي شجاع لا يهاب الموت وهم جميعا يعرفون عصابته الحمراء التي يعصب بها رأسه إذا حمي الوطيس والتق الجمعان ويطلقون عليها عصابة الموت وهم جميعا يعجبون من مشيته التي يختال بها بين الصفوف لمبارزة الأقران ومع ذلك فقد نفس عليه بعض الصحابة الكرام هذه المزية التي خصه بها الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه فلنترك الكلام لواحد منهم ليحدثنا عن خبر أبي دجانة هذا ووقعه على نفسه قال الزبير بن العوام لقد وجدت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيني سيفة فمنعني إياه وأعطاه أبو دجانة وقلت أنا ابن صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول عليه الصلاة والسلام وإني أقع في الذروة من قريش حسبا ومجدا ولقد قمت إليه وسألته أن يعطيني السيف قبله فأعرض عني وأعطاه إياه والله لأنظرن ما يصنع به ثم مضى فتبعته ومضيت في إثره فلما غدا قبال تجيش المشركين أخرج عصابته الحمراء وعصب بها رأسه فلما رآه الأنصار التفت بعضهم إلى بعض وقالوا شد أبو دجانة عصابة الموت على رأسه وهكذا كانوا يقولون له إذا تعصب بها ثم امتشق سيف الرسول صلوات الله وسلامه عليه بيمينه وطفق يمشي به مختالا متبخترا بين الصفوف فنظر إليه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال هذه مشية يبغضها الله ورسوله إلا في هذا الموطن أي موطن لقاء أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ثم انطلق أبو دجانة وهو ينشد نشيدا يهز القلوب هزا ويفعم الصدور حمية وشهامة ثم أقبل على المشركين يصول بين صفوفهم ويجول فما لقي أحدا إلا قتله وكان في عسكر المشركين رجل دآب على تتبع جرح المسلمين والإجهاز عليهم واحدا بعد آخر فرأيت أبا دجانة يتجه نحوه ورأيت الرجل يدنو من أبي دجانة فدعوت الله أن يجمع بينهما وأن يجعل مصرع هذا الكافر على يدي أبي دجانة فما لبثى أن التقيا وتبادلا ضربتين بسيفيهما في أقل من طرفة عين فتلقى أبو دجانة ضربة خصمه بترسه فقدت الترس قدا أما ضربة أبي دجانة فقد أصابت من المشرك مقتلى فخلفه وراءه يسبح في دمائه ومضى يقتحم الصفوف ذائدا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيفه متصديا لأعدائه فكنت أراه تارة عن يمينه وتارة عن شماله وتارة قدامه أو خلفه ثم إن أبا دجانة رأى شخصا يجول بين صفوف المشركين وهو يثير حماستهم ويؤلبهم على قتل الرسول صلوات الله وسلامه عليه فأقبل عليه وأهوى على رأسه بسيفه لكنه ما لبث أنحرف السيف عنه فاقتربت منه وسألته عن ذلك فقال لقد عرفت أنها واحدة من النسوة اللواتي جاء بهن أبو سفيان بن حرب معه إلى المعركة فأكرمت سيف الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم أن أقتل به امرأة عند ذلك عرفت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد وضع سيفه في موضعه وقلت الله ورسوله أعلم ظل أبو دجانة ينافح عن الإسلام والمسلمين بسيف النبي عليه الصلاة والسلام مادام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على قيد الحياة فلما لحق الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى وضع أبو دجانة نفسه وسيفه في طاعة أبي بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما ارتد بن حنيفة مع المرتدين وطفقوا يخرجون من دين الله أفواجا وتبع المتنبئ مسيلمة الكذاب جهز لهم الصديق رضوان الله عليه جيشا كبيرا حشد فيه وجوه الصحابة من المهاجرين والأنصار وكان في مقدمتهم أبو دجانة صاحب سيف رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ثم عقد لواء الجيش لسيف الله خالد بن الوليد إن صب جند المسلمين على أعداء الله صباب الهول وصمد لهم مسيلمة ومن معه صمود الجبال ودارت بين الفريقين راحى معارك تشيب من هولها الولدان وكثر القتل بين الفريقين فما زادتهما كثرة القتلى إلا حمية وحدة وضراوة ثم ما لبثت أن رجحت كفة المسلمين على كفة عدوهم بعد طول بلاء وشدة عناء فانحاز مسيلمة الكذاب والآلاف المؤلفة من جنده إلى الحديقة التي عرفت بعد ذلك باسم حديقة الموت فتحصنوا وراء جدرانها الممنعة وتترسوا خلف أبوابها الموصدة ولما أعيت المسلمين الحيل قام البراء بن مالك الأنصاري بأجرأ عمل بطولي عرفه تاريخ الفداء على ظهر الأرض حيث استطاع أن يفتح أبواب الحديقة في وجه جند المسلمين فهب صحابة الرسول صلوات الله وسلامه عليه يتدفقون على حديقة الموت تدفق السيل وينصبون على من فيها انصباب المنون فبعضهم دخل الحديقة من أبوابها وبعضهم الآخر رمى بنفسه عليها من فوق جدرانها وكان أبو دجانة واحدا من هؤلاء ألقى أبو دجانة بنفسه على الحديقة من فوق أحد جدرانها العالية فلما سقط على أرضها كسرت ساقه فلم يبال بها ولم يأبه لها وإنما انتضى سيف رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وجعل يشق به الصفوف معتمدا على رجله الصحيحة حتى بلغ مسيلمة الكذاب فأهوى عليه بضربة من سيفه وذلك في اللحظة التي سدد إليه فيها وحشي بن حرب طعنة من حربته فخر المتنبئ الكذاب بينهما صريعا يخوض في دمائه عند ذلك كر أصحاب مسيلمة على الفارس الذي يحارب برجل واحدة يريدون القضاء عليه فما زال يجالدهم ويجالدونه حتى كلت قدمه وتكاثرت عليه ضربات السيوف وطعنات الرماح فخر صريعا شهيدا لكن أبا دجانة لم يغمض عينيه غمضتها الأخيرة إلا بعد أن رأى جنود المسلمين يرفعون على أرض اليمامة رايات الإسلام أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم سيفة وآثره به على شيوخ المهاجرين وفرسان الأنصار