بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالاً جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله أبو حنيفة النعمان رحمه الله كان حسن الوجه وسيم الطلعة عذب المنطق حلو الحديث ليس بالطويل البائن ولا بالقصير الذي تنبو عنه العيون وهو إلى ذلك لباس أنيق الثياب بهي الطلعة كثير التعطر إذا طلع على الناس عرفوه من طيبه قبل أن يروه ذلكم هو النعمان بن ثابت بن المرزبان المكنا بأبي حنيفة أول من فاتق أكمام الفق واستخرج أرعما فيها من طيوب أدرك أبو حنيفة طرفاً من آخر عصر بني أمية آخر من أول عصر بني العباس وعاش في زمن أغدق فيه الخلفاء والولاة على أصحاب المواهب إغداقا حتى صار رزقهم يأتيهم رغداً من كل مكان وهم لا يشعرون بيد أن أبا حنيفة أكرم علمه ونفسه عن ذلك وحزم أمره على أن يأكل من كسب يمينه وأن تكون يده هي العليا دائما فقال المنصور ذات مرة إلى زيارته فلما صار عنده بالغ في إعظامه وإكرامه والترحيب به وأدنى مجلسه منه وجعل يسائله عن كثير من شؤون الدين والدنيا فلما أراد لانصراف دفع إليه بكيس فيه ثلاثون ألف درهم على ما كان معروفاً من إمساك المنصور فقال له أبو حنيفة يا أمير المؤمنين إني غريب في بغداد وليس لهذا المال موضع عندي وإني لأخشى عليه فحفظه لي في بيت المال حتى إذا احتجته طلبته منك فأجابه المنصور إلى رغبته غير أن الحياة لم تطل بعد إذن بأبي حنيفة فلما وافاه الأجل وجدت في بيته ودائع للناس تزيد على أضعاف هذا المبلغ فلما سمع المنصور بذلك قال يرحم الله أبا حنيفة فقد خدعنا وأبا أن يأخذ شيئاً منا وتلطف في ردنا ولا غروا فقد كان أبو حنيفة يوقن أنه ما أكل أمرء لقمة أزكى ولا أعز من لقمة ينالها من كسب يده لذلك نجده يخصص شطراً من وقته للتجارة فقد جعل يتجر بالخز وأثوابه وكانت تجارته ذاهبة آيبة بين مدن العراق وكان له متجر معروف يقصده الناس فيجدون فيه الصدق في المعاملة والأمانة في الأخذ والعطا ولا ريب في أنهم كانوا يجدون فيه الثوق الرفيع أيضا ولقد كانت تجارته تدر عليه خيراً وفيراً وتحبوه من فضل الله مالاً كثيراً فكان يأخذ المال من حله ويضعه في محله فلقد عرف عنه أنه كل ما حال عليه الحول أحصى أرباحه من تجارته واستبقى منها ما يكفيه لنفقته ثم يشتري بالباقي حوائج القراء والمحدثين والفقهاء وطلاب العلم وأقواتهم وكسوتهم ويخصص لكل منهم مبلغاً من النقد العين ويدفع ذلك كله إليهم ويقول هذه أرباح بضائعكم أجراها الله لكم على يدي والله ما أعطيتكم من مالي شيئا وإنما هو فضل الله علي فيكم فما في رزق الله حول لأحد غير الله ولقد شرقت أخبار جود أبي حنيفة وسماحته وغربت وخاصة مع جلسائه وأصحابه من ذلك أن أحد جلسائه جاء إلى متجره يوماً وقال إني بحاجة إلى ثوب خزن يا أبا حنيفة فقال له أبو حنيفة ما لونه فقال كذا وكذا فقال إصبر حتى يقع لي فآخذه لك فما إن دارت الجمعة حتى وقع له الثوب المطلوب فمر به صاحبه فقال له أبو حنيفة قد وقعت لي حاجتك وأخرج إليه الثوب فأعجبه وقال كم أدفع لغلامك ثمنه فقال درهما فقال الرجل في استغراب درهماً واحدا فقال أبو حنيفة نعم فقال له الرجل ما كنت أظنك تهزأ بي يا أبا حنيفة فقال أبو حنيفة ما هزئت بك وإنما اشتريت هذا الثوب وآخر معه بعشرين ديناراً ذهبا درهم من الفضة وقد بعت أحد الثوبين بعشرين ديناراً ذهبا وبقي علي هذا بدرهم واحد وما كنت لأربح على جليسي وجاءته مرأة عجوز تطلب ثوب خز فأخرج لها الثوب المطلوب فقالت له إن مرأة عجوز ولا علم لي بالأثمان وإنها الأمانة فبعني الثوب بما قام عليك وأضف عليه قليلاً من الربح فإني ضعيفة فقال لها إن اشتريت ثوبين اثنين في صفقة واحدة ثم إني بعت أحدهما برأس المال إلا أربعة درهم فخذيه بها ولا أريد منك ربحا وقد رأى ذات يوم ثياباً رثة على أحد جلسائه فلما انصرف الناس ولم يبق في المجلس إلا هو والرجل قال له ارفع هذا المصلى وخذ ما تحته فرفع الرجل المصلى فإذا تحته ألف درهم فقال له أبو حنيفة خذها وأصلح بها من شأنك فقال الرجل إني موسر وقد أنعم الله علي ولا حاجة لي بها فقال له أبو حنيفة إذا كان الله قد أنعم عليك فأين آثار نعمته أما بلغك أن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يقول إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فينبغي عليك أن تصلح من شأنك حتى لا تغم صديقك ولقد بلغ من جود أبي حنيفة وبره بالناس أنه كان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها على غيرهم من المحتاجين وأيذ اكتسى ثوبا جديدا كسى المساكين بقدر ثمنه وكان إذا وضع الطعام بين يديه غرف منه ضعف ما يأكله عادة ودفع به إلى الفقرى ومما يروى عنه أنه قطع عهدا على نفسه أن لا يحلف بالله في أثناء كلامه إلا تصدق بدرهم فضة ثم تدرج في الأمر فجعل على نفسه عهدا إن حلف بالله ليتصدق النبي دينار من ذهب فكان إذا حلف صادقا تصدق بدينار ولقد كان حفص بن عبد الرحمن شريكا لأبي حنيفة في بعض تجارته فكان أبو حنيفة يجهز له أمتعة الخز ويبعث بها معه إلى بعض مدن العراق فجهز له ذات مرة متاعا كثيرا وأعلمه أن في ثوب كذا وكذا عيوبا وقال له إذا هممت ببيعها فبيل للمشتري ما فيها من عيب فباع حفص للمتاع كله ونسي أن يعلم المشتريين بما في الأثواب المعيبة من عيوب ولقد أجهد نفسه في تذكر الرجال الذين باعهم الثياب المعيبة فلم يفلح فلما علم أبو حنيفة بالأمر ولم يتمكن من معرفة الذين وقع عليهم الغبن لم يستقر قراره ولم تطب نفسه حتى تصدق بأثمان المتاع كلها ولقد كان أبو حنيفة فوق ذلك كله طيب المعاشرة حلو المؤانسة يسعد به جليسه ولا يشقى به من غاب عنه ولو كان عدوًا له حدث أحد أصحابه قال سمعت عبد الله بن المبارك يقول لسفيان الثوري يا أبا عبد الله ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة فإني ما سمعته يذكر عدوًا له بسوء قط فقال له سفيان إن أبا حنيفة أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها وكان أبو حنيفة كلفًا باقتناص ود الناس حريصًا على استدامة صداقتهم فقد عرف عنه أنه ربما مر به الرجل من الناس فقعد في مجلسه من غير قصد ولا مجالسة فإذا قام سأل عنه فإن كانت به فاقة وصلة وإن كان به مرض عادة وإن كانت له حاجة قضاها حتى يجره إلى مواصلته جرا ولقد كان أبو حنيفة قبل ذلك كله وفوق ذلك كله صوام نهار قوام ليل خدينا للقرآن مستغفرا في الأسحار وكان من أسباب توغله في العبادة واندفاعه فيها أنه أقبل ذات يوم على جماعة من الناس فسمعهم يقولون إن هذا الرجل الذي ترونه لا ينام الليل فما إلا مست كلمتهم هذه ما سمعه حتى قال إني عند الناس على خلاف ما أنا عليه عند الله والله لا يتحدث الناس عني منذ الساعة بما لا أفعل ولن أتوسد فراشا بعد اليوم في ليل حتى ألقى الله ثم دأب منذ ذلك اليوم على قيام الليل كله فكان إذا أرخى الظلام سدوله على الكون وأسلمت الجنوب إلى المضاجع قام فلبس أحسن ثيابه وسرح لحيته وتقيب وتزين ثم يصف في محرابه ويقطع ليله قانتا أو منحنيا بصلبه على أجزاء القرآن أو رافعا يديه بالضراعة فلربما قرأ القرآن كله في ركعة واحدة ولربما قام الليل كله بآية واحدة فلقد روي أنه قام الليل كله وهو يردد قوله جل وعز بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر وهو يبكي من خشية الله بكاء يقطع نياط القلوب وينشج نشيجا مبحوحا يفطر الأفئدة ولقد عرف عنه أنه صل الفجر بوضوء العشاء نحو من أربعين عاما ما ترك ذلك خلالها مرة واحدة وأنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة وكان إذا قرأ سورة الزلزلة إقشع رجلده ووجل فؤاده وأخذ لحيته بيده وطفق يقول يا من يجزي بمثقى لذرة خير خيرا ويا من يجزي بمثقى لذرة شر شرا أجر عبدك النعمان من النار وباعد بينه وبين ما يقربه منها وأدخله في واسع رحمتك يا أرحم الراحمين لم أر أعقل ولا أفضل ولا أورع من أبي حنيفة يزيد بن هارون مواقفا ومثالا تبع الرسول إذا سعى أو قالا كانوا هنا يسقون غيما حياتنا فمو وفينا ذكرهم يتعالا رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأنا