WEBVTT

00:00:00.430 --> 00:00:03.430
بسم الله الرحمن الرحيم

00:00:03.430 --> 00:00:08.429
خير القرون مواقفاً ومثالاً

00:00:08.429 --> 00:00:13.429
تبع الرسول إذا سعى أو قالاً

00:00:13.429 --> 00:00:15.429
جمعية مودة

00:00:15.429 --> 00:00:17.429
تقدم

00:00:17.429 --> 00:00:21.429
صور من حياة التابعين

00:00:21.429 --> 00:00:25.820
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا

00:00:25.820 --> 00:00:27.820
رحمه الله

00:00:27.820 --> 00:00:32.929
أبو حنيفة النعمان

00:00:32.929 --> 00:00:34.929
رحمه الله

00:00:42.600 --> 00:00:44.600
كان حسن الوجه وسيم الطلعة

00:00:44.600 --> 00:00:47.600
عذب المنطق حلو الحديث

00:00:47.600 --> 00:00:49.600
ليس بالطويل البائن

00:00:49.600 --> 00:00:53.600
ولا بالقصير الذي تنبو عنه العيون

00:00:53.600 --> 00:00:57.759
وهو إلى ذلك لباس أنيق الثياب

00:00:58.759 --> 00:01:01.759
بهي الطلعة كثير التعطر

00:01:01.759 --> 00:01:03.759
إذا طلع على الناس

00:01:03.759 --> 00:01:06.760
عرفوه من طيبه قبل أن يروه

00:01:06.760 --> 00:01:10.760
ذلكم هو النعمان بن ثابت بن المرزبان

00:01:10.760 --> 00:01:13.760
المكنا بأبي حنيفة

00:01:13.760 --> 00:01:16.760
أول من فاتق أكمام الفق

00:01:16.760 --> 00:01:21.519
واستخرج أرعما فيها من طيوب

00:01:21.519 --> 00:01:26.519
أدرك أبو حنيفة طرفاً من آخر عصر بني أمية

00:01:26.519 --> 00:01:29.519
آخر من أول عصر بني العباس

00:01:29.519 --> 00:01:33.519
وعاش في زمن أغدق فيه الخلفاء والولاة

00:01:33.519 --> 00:01:36.519
على أصحاب المواهب إغداقا

00:01:36.519 --> 00:01:40.519
حتى صار رزقهم يأتيهم رغداً من كل مكان

00:01:40.519 --> 00:01:42.519
وهم لا يشعرون

00:01:42.519 --> 00:01:47.519
بيد أن أبا حنيفة أكرم علمه ونفسه عن ذلك

00:01:47.519 --> 00:01:51.519
وحزم أمره على أن يأكل من كسب يمينه

00:01:51.519 --> 00:01:55.870
وأن تكون يده هي العليا دائما

00:01:55.870 --> 00:01:58.870
فقال المنصور ذات مرة إلى زيارته

00:01:58.870 --> 00:02:00.870
فلما صار عنده

00:02:00.870 --> 00:02:04.870
بالغ في إعظامه وإكرامه والترحيب به

00:02:04.870 --> 00:02:06.870
وأدنى مجلسه منه

00:02:06.870 --> 00:02:11.870
وجعل يسائله عن كثير من شؤون الدين والدنيا

00:02:11.870 --> 00:02:14.939
فلما أراد لانصراف

00:02:14.939 --> 00:02:18.939
دفع إليه بكيس فيه ثلاثون ألف درهم

00:02:18.939 --> 00:02:22.939
على ما كان معروفاً من إمساك المنصور

00:02:22.939 --> 00:02:24.939
فقال له أبو حنيفة

00:02:24.939 --> 00:02:26.939
يا أمير المؤمنين

00:02:26.939 --> 00:02:29.939
إني غريب في بغداد

00:02:29.939 --> 00:02:32.939
وليس لهذا المال موضع عندي

00:02:32.939 --> 00:02:34.939
وإني لأخشى عليه

00:02:34.939 --> 00:02:37.939
فحفظه لي في بيت المال

00:02:37.939 --> 00:02:40.939
حتى إذا احتجته طلبته منك

00:02:40.939 --> 00:02:44.099
فأجابه المنصور إلى رغبته

00:02:44.099 --> 00:02:48.099
غير أن الحياة لم تطل بعد إذن بأبي حنيفة

00:02:48.099 --> 00:02:51.129
فلما وافاه الأجل

00:02:51.129 --> 00:02:57.129
وجدت في بيته ودائع للناس تزيد على أضعاف هذا المبلغ

00:02:57.129 --> 00:03:00.259
فلما سمع المنصور بذلك قال

00:03:00.259 --> 00:03:03.259
يرحم الله أبا حنيفة

00:03:03.259 --> 00:03:04.259
فقد خدعنا

00:03:04.259 --> 00:03:07.259
وأبا أن يأخذ شيئاً منا

00:03:07.259 --> 00:03:10.259
وتلطف في ردنا

00:03:10.259 --> 00:03:11.259
ولا غروا

00:03:11.259 --> 00:03:14.259
فقد كان أبو حنيفة يوقن أنه

00:03:14.259 --> 00:03:17.259
ما أكل أمرء لقمة أزكى

00:03:17.259 --> 00:03:21.259
ولا أعز من لقمة ينالها من كسب يده

00:03:21.259 --> 00:03:26.259
لذلك نجده يخصص شطراً من وقته للتجارة

00:03:26.259 --> 00:03:30.259
فقد جعل يتجر بالخز وأثوابه

00:03:30.259 --> 00:03:35.259
وكانت تجارته ذاهبة آيبة بين مدن العراق

00:03:35.259 --> 00:03:39.259
وكان له متجر معروف يقصده الناس

00:03:39.259 --> 00:03:42.259
فيجدون فيه الصدق في المعاملة

00:03:42.259 --> 00:03:45.259
والأمانة في الأخذ والعطا

00:03:45.259 --> 00:03:50.259
ولا ريب في أنهم كانوا يجدون فيه الثوق الرفيع أيضا

00:03:50.259 --> 00:03:55.259
ولقد كانت تجارته تدر عليه خيراً وفيراً

00:03:55.259 --> 00:03:59.259
وتحبوه من فضل الله مالاً كثيراً

00:03:59.259 --> 00:04:04.379
فكان يأخذ المال من حله ويضعه في محله

00:04:04.379 --> 00:04:08.379
فلقد عرف عنه أنه كل ما حال عليه الحول

00:04:08.379 --> 00:04:11.379
أحصى أرباحه من تجارته

00:04:11.379 --> 00:04:14.379
واستبقى منها ما يكفيه لنفقته

00:04:14.379 --> 00:04:19.449
ثم يشتري بالباقي حوائج القراء والمحدثين

00:04:19.449 --> 00:04:24.509
والفقهاء وطلاب العلم وأقواتهم وكسوتهم

00:04:24.509 --> 00:04:29.509
ويخصص لكل منهم مبلغاً من النقد العين

00:04:29.509 --> 00:04:32.509
ويدفع ذلك كله إليهم ويقول

00:04:32.509 --> 00:04:38.509
هذه أرباح بضائعكم أجراها الله لكم على يدي

00:04:38.509 --> 00:04:42.509
والله ما أعطيتكم من مالي شيئا

00:04:42.509 --> 00:04:45.509
وإنما هو فضل الله علي فيكم

00:04:45.509 --> 00:04:50.509
فما في رزق الله حول لأحد غير الله

00:04:50.509 --> 00:04:58.300
ولقد شرقت أخبار جود أبي حنيفة وسماحته وغربت

00:04:58.300 --> 00:05:01.300
وخاصة مع جلسائه وأصحابه

00:05:01.300 --> 00:05:08.300
من ذلك أن أحد جلسائه جاء إلى متجره يوماً وقال

00:05:08.300 --> 00:05:12.300
إني بحاجة إلى ثوب خزن يا أبا حنيفة

00:05:12.300 --> 00:05:16.430
فقال له أبو حنيفة ما لونه

00:05:16.430 --> 00:05:19.430
فقال كذا وكذا

00:05:19.430 --> 00:05:24.500
فقال إصبر حتى يقع لي فآخذه لك

00:05:24.500 --> 00:05:29.500
فما إن دارت الجمعة حتى وقع له الثوب المطلوب

00:05:29.500 --> 00:05:33.500
فمر به صاحبه فقال له أبو حنيفة

00:05:33.500 --> 00:05:36.500
قد وقعت لي حاجتك

00:05:36.500 --> 00:05:38.500
وأخرج إليه الثوب

00:05:38.500 --> 00:05:40.500
فأعجبه وقال

00:05:40.500 --> 00:05:43.500
كم أدفع لغلامك ثمنه

00:05:43.500 --> 00:05:45.500
فقال درهما

00:05:45.500 --> 00:05:48.500
فقال الرجل في استغراب

00:05:48.500 --> 00:05:50.500
درهماً واحدا

00:05:50.500 --> 00:05:53.500
فقال أبو حنيفة نعم

00:05:53.500 --> 00:05:55.500
فقال له الرجل

00:05:55.500 --> 00:05:59.500
ما كنت أظنك تهزأ بي يا أبا حنيفة

00:05:59.500 --> 00:06:01.500
فقال أبو حنيفة

00:06:01.500 --> 00:06:03.500
ما هزئت بك

00:06:03.500 --> 00:06:06.500
وإنما اشتريت هذا الثوب وآخر معه

00:06:06.500 --> 00:06:08.500
بعشرين ديناراً ذهبا

00:06:08.500 --> 00:06:10.500
درهم من الفضة

00:06:10.500 --> 00:06:14.500
وقد بعت أحد الثوبين بعشرين ديناراً ذهبا

00:06:14.500 --> 00:06:17.500
وبقي علي هذا بدرهم واحد

00:06:17.500 --> 00:06:21.500
وما كنت لأربح على جليسي

00:06:21.500 --> 00:06:25.529
وجاءته مرأة عجوز تطلب ثوب خز

00:06:25.529 --> 00:06:27.529
فأخرج لها الثوب المطلوب

00:06:27.529 --> 00:06:29.529
فقالت له

00:06:29.529 --> 00:06:31.529
إن مرأة عجوز

00:06:31.529 --> 00:06:33.529
ولا علم لي بالأثمان

00:06:33.529 --> 00:06:35.529
وإنها الأمانة

00:06:35.529 --> 00:06:38.529
فبعني الثوب بما قام عليك

00:06:38.529 --> 00:06:41.529
وأضف عليه قليلاً من الربح

00:06:41.529 --> 00:06:43.529
فإني ضعيفة

00:06:43.529 --> 00:06:45.529
فقال لها

00:06:45.529 --> 00:06:49.529
إن اشتريت ثوبين اثنين في صفقة واحدة

00:06:49.529 --> 00:06:52.529
ثم إني بعت أحدهما برأس المال

00:06:52.529 --> 00:06:54.529
إلا أربعة درهم

00:06:54.529 --> 00:06:56.529
فخذيه بها

00:06:56.529 --> 00:06:59.620
ولا أريد منك ربحا

00:06:59.620 --> 00:07:04.660
وقد رأى ذات يوم ثياباً رثة على أحد جلسائه

00:07:04.660 --> 00:07:06.660
فلما انصرف الناس

00:07:06.660 --> 00:07:09.660
ولم يبق في المجلس إلا هو والرجل

00:07:09.660 --> 00:07:10.660
قال له

00:07:10.660 --> 00:07:12.660
ارفع هذا المصلى

00:07:12.660 --> 00:07:14.660
وخذ ما تحته

00:07:14.660 --> 00:07:16.660
فرفع الرجل المصلى

00:07:16.660 --> 00:07:19.660
فإذا تحته ألف درهم

00:07:19.660 --> 00:07:21.660
فقال له أبو حنيفة

00:07:21.660 --> 00:07:24.660
خذها وأصلح بها من شأنك

00:07:24.660 --> 00:07:26.720
فقال الرجل

00:07:26.720 --> 00:07:28.720
إني موسر

00:07:28.720 --> 00:07:30.720
وقد أنعم الله علي

00:07:30.720 --> 00:07:32.720
ولا حاجة لي بها

00:07:32.720 --> 00:07:34.720
فقال له أبو حنيفة

00:07:34.720 --> 00:07:37.720
إذا كان الله قد أنعم عليك

00:07:37.720 --> 00:07:39.720
فأين آثار نعمته

00:07:39.720 --> 00:07:45.720
أما بلغك أن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يقول

00:07:45.720 --> 00:07:50.720
إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده

00:07:50.720 --> 00:07:53.720
فينبغي عليك أن تصلح من شأنك

00:07:53.720 --> 00:07:58.899
حتى لا تغم صديقك

00:07:58.899 --> 00:08:02.899
ولقد بلغ من جود أبي حنيفة وبره بالناس

00:08:02.899 --> 00:08:06.899
أنه كان إذا أنفق على عياله نفقة

00:08:06.899 --> 00:08:10.899
تصدق بمثلها على غيرهم من المحتاجين

00:08:10.899 --> 00:08:13.899
وأيذ اكتسى ثوبا جديدا

00:08:13.899 --> 00:08:16.899
كسى المساكين بقدر ثمنه

00:08:16.899 --> 00:08:19.930
وكان إذا وضع الطعام بين يديه

00:08:19.930 --> 00:08:23.930
غرف منه ضعف ما يأكله عادة

00:08:23.930 --> 00:08:25.930
ودفع به إلى الفقرى

00:08:25.930 --> 00:08:28.089
ومما يروى عنه

00:08:28.089 --> 00:08:31.089
أنه قطع عهدا على نفسه

00:08:31.089 --> 00:08:34.090
أن لا يحلف بالله في أثناء كلامه

00:08:34.090 --> 00:08:37.090
إلا تصدق بدرهم فضة

00:08:37.090 --> 00:08:40.179
ثم تدرج في الأمر

00:08:40.179 --> 00:08:43.179
فجعل على نفسه عهدا إن حلف بالله

00:08:43.179 --> 00:08:46.179
ليتصدق النبي دينار من ذهب

00:08:46.179 --> 00:08:51.179
فكان إذا حلف صادقا تصدق بدينار

00:08:51.179 --> 00:08:55.879
ولقد كان حفص بن عبد الرحمن

00:08:55.879 --> 00:08:58.879
شريكا لأبي حنيفة في بعض تجارته

00:08:59.879 --> 00:09:03.940
فكان أبو حنيفة يجهز له أمتعة الخز

00:09:03.940 --> 00:09:07.940
ويبعث بها معه إلى بعض مدن العراق

00:09:07.940 --> 00:09:11.940
فجهز له ذات مرة متاعا كثيرا

00:09:11.940 --> 00:09:15.940
وأعلمه أن في ثوب كذا وكذا عيوبا

00:09:15.940 --> 00:09:19.940
وقال له إذا هممت ببيعها

00:09:19.940 --> 00:09:22.940
فبيل للمشتري ما فيها من عيب

00:09:22.940 --> 00:09:26.100
فباع حفص للمتاع كله

00:09:26.100 --> 00:09:29.100
ونسي أن يعلم المشتريين

00:09:29.100 --> 00:09:32.100
بما في الأثواب المعيبة من عيوب

00:09:32.100 --> 00:09:35.100
ولقد أجهد نفسه في تذكر الرجال

00:09:35.100 --> 00:09:38.100
الذين باعهم الثياب المعيبة

00:09:38.100 --> 00:09:40.200
فلم يفلح

00:09:40.200 --> 00:09:43.200
فلما علم أبو حنيفة بالأمر

00:09:43.200 --> 00:09:46.200
ولم يتمكن من معرفة الذين

00:09:46.200 --> 00:09:48.200
وقع عليهم الغبن

00:09:48.200 --> 00:09:50.200
لم يستقر قراره

00:09:50.200 --> 00:09:52.200
ولم تطب نفسه حتى تصدق

00:09:52.200 --> 00:09:55.649
بأثمان المتاع كلها

00:09:55.649 --> 00:09:57.649
ولقد كان أبو حنيفة

00:09:57.649 --> 00:09:59.649
فوق ذلك كله

00:09:59.649 --> 00:10:01.649
طيب المعاشرة

00:10:01.649 --> 00:10:03.649
حلو المؤانسة

00:10:03.649 --> 00:10:05.649
يسعد به جليسه

00:10:05.649 --> 00:10:07.649
ولا يشقى به من غاب عنه

00:10:07.649 --> 00:10:09.649
ولو كان عدوًا له

00:10:09.649 --> 00:10:12.870
حدث أحد أصحابه قال

00:10:12.870 --> 00:10:14.870
سمعت عبد الله بن المبارك

00:10:14.870 --> 00:10:17.870
يقول لسفيان الثوري

00:10:17.870 --> 00:10:19.870
يا أبا عبد الله

00:10:19.870 --> 00:10:22.870
ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة

00:10:22.870 --> 00:10:24.870
فإني ما سمعته

00:10:24.870 --> 00:10:28.100
يذكر عدوًا له بسوء قط

00:10:28.100 --> 00:10:30.100
فقال له سفيان

00:10:30.100 --> 00:10:33.100
إن أبا حنيفة أعقل من أن يسلط

00:10:33.100 --> 00:10:36.100
على حسناته ما يذهب بها

00:10:36.100 --> 00:10:40.080
وكان أبو حنيفة

00:10:40.080 --> 00:10:43.080
كلفًا باقتناص ود الناس

00:10:43.080 --> 00:10:46.080
حريصًا على استدامة صداقتهم

00:10:46.080 --> 00:10:48.080
فقد عرف عنه

00:10:48.080 --> 00:10:50.080
أنه ربما مر به

00:10:50.080 --> 00:10:52.080
الرجل من الناس

00:10:52.080 --> 00:10:54.080
فقعد في مجلسه من غير قصد

00:10:54.080 --> 00:10:56.080
ولا مجالسة

00:10:56.080 --> 00:10:59.080
فإذا قام سأل عنه

00:10:59.080 --> 00:11:02.080
فإن كانت به فاقة وصلة

00:11:02.080 --> 00:11:05.080
وإن كان به مرض عادة

00:11:05.080 --> 00:11:09.080
وإن كانت له حاجة قضاها

00:11:09.080 --> 00:11:13.240
حتى يجره إلى مواصلته جرا

00:11:13.240 --> 00:11:17.240
ولقد كان أبو حنيفة قبل ذلك كله

00:11:17.240 --> 00:11:19.240
وفوق ذلك كله

00:11:19.240 --> 00:11:22.240
صوام نهار قوام ليل

00:11:22.240 --> 00:11:24.240
خدينا للقرآن

00:11:24.240 --> 00:11:27.340
مستغفرا في الأسحار

00:11:27.340 --> 00:11:30.340
وكان من أسباب توغله في العبادة

00:11:30.340 --> 00:11:32.340
واندفاعه فيها

00:11:32.340 --> 00:11:36.340
أنه أقبل ذات يوم على جماعة من الناس

00:11:36.340 --> 00:11:39.340
فسمعهم يقولون

00:11:39.340 --> 00:11:41.340
إن هذا الرجل الذي ترونه

00:11:41.340 --> 00:11:43.690
لا ينام الليل

00:11:43.690 --> 00:11:46.690
فما إلا مست كلمتهم هذه

00:11:46.690 --> 00:11:48.690
ما سمعه حتى قال

00:11:48.690 --> 00:11:51.690
إني عند الناس على خلاف ما أنا

00:11:51.690 --> 00:11:53.690
عليه عند الله

00:11:53.690 --> 00:11:58.690
والله لا يتحدث الناس عني منذ الساعة بما لا أفعل

00:11:58.690 --> 00:12:02.690
ولن أتوسد فراشا بعد اليوم في ليل

00:12:02.690 --> 00:12:04.690
حتى ألقى الله

00:12:04.690 --> 00:12:08.690
ثم دأب منذ ذلك اليوم على قيام الليل كله

00:12:08.690 --> 00:12:12.690
فكان إذا أرخى الظلام سدوله على الكون

00:12:12.690 --> 00:12:15.690
وأسلمت الجنوب إلى المضاجع

00:12:15.690 --> 00:12:18.690
قام فلبس أحسن ثيابه

00:12:18.690 --> 00:12:22.690
وسرح لحيته وتقيب وتزين

00:12:22.690 --> 00:12:25.690
ثم يصف في محرابه

00:12:25.690 --> 00:12:27.690
ويقطع ليله قانتا

00:12:27.690 --> 00:12:31.690
أو منحنيا بصلبه على أجزاء القرآن

00:12:31.690 --> 00:12:34.690
أو رافعا يديه بالضراعة

00:12:34.690 --> 00:12:39.779
فلربما قرأ القرآن كله في ركعة واحدة

00:12:39.779 --> 00:12:43.779
ولربما قام الليل كله بآية واحدة

00:12:43.779 --> 00:12:46.879
فلقد روي أنه قام الليل كله

00:12:46.879 --> 00:12:50.879
وهو يردد قوله جل وعز

00:12:50.879 --> 00:12:54.009
بل الساعة موعدهم

00:12:54.009 --> 00:12:57.009
والساعة أدهى وأمر

00:12:57.009 --> 00:13:00.009
بل الساعة موعدهم

00:13:00.009 --> 00:13:03.009
والساعة أدهى وأمر

00:13:03.009 --> 00:13:06.009
وهو يبكي من خشية الله بكاء

00:13:06.009 --> 00:13:09.009
يقطع نياط القلوب

00:13:09.009 --> 00:13:15.149
وينشج نشيجا مبحوحا يفطر الأفئدة

00:13:15.149 --> 00:13:20.149
ولقد عرف عنه أنه صل الفجر بوضوء العشاء

00:13:20.149 --> 00:13:22.149
نحو من أربعين عاما

00:13:22.149 --> 00:13:26.279
ما ترك ذلك خلالها مرة واحدة

00:13:26.279 --> 00:13:30.279
وأنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه

00:13:30.279 --> 00:13:33.309
سبعة آلاف مرة

00:13:33.309 --> 00:13:36.309
وكان إذا قرأ سورة الزلزلة

00:13:36.309 --> 00:13:39.309
إقشع رجلده ووجل فؤاده

00:13:39.309 --> 00:13:43.309
وأخذ لحيته بيده وطفق يقول

00:13:43.309 --> 00:13:47.309
يا من يجزي بمثقى لذرة خير خيرا

00:13:47.309 --> 00:13:52.309
ويا من يجزي بمثقى لذرة شر شرا

00:13:52.309 --> 00:13:55.309
أجر عبدك النعمان من النار

00:13:55.309 --> 00:14:00.309
وباعد بينه وبين ما يقربه منها

00:14:00.309 --> 00:14:05.309
وأدخله في واسع رحمتك يا أرحم الراحمين

00:14:05.309 --> 00:14:18.139
لم أر أعقل ولا أفضل ولا أورع من أبي حنيفة

00:14:18.139 --> 00:14:20.139
يزيد بن هارون

00:14:20.139 --> 00:14:26.600
مواقفا ومثالا

00:14:26.600 --> 00:14:31.600
تبع الرسول إذا سعى أو قالا

00:14:31.600 --> 00:14:36.600
كانوا هنا يسقون غيما حياتنا

00:14:36.600 --> 00:14:41.600
فمو وفينا ذكرهم يتعالا

00:14:41.600 --> 00:14:46.600
رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا

00:14:46.600 --> 00:14:51.600
هل مثلهم نجم سما وتلالا

00:14:51.600 --> 00:14:56.600
ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم

00:14:56.600 --> 00:15:00.600
وزهت بهم دنيا الأنا
