نسيم السحر لن تبلغ تمامها إلا في الجنة هناك شيء كبير يبحث عنه الناس جميعا في هذه الحياة ويبذلون للحصول عليه أشياء كثيرة هذا الشيء هو اللذة ولما كان هذا الأمر من مطالب نفس الطبعية فقد أباح الله للإنسان صورا منه فمن صور اللذات المباحة لذة تناول الطعام والشراب ولذة المعاشرة ولذة السعادة بالظفر بالمطلوب ولذة العافية ولذة الأنس بالآخرين ولذة النظر إلى الأشياء الجميلة وغير ذلك والملحوظ في هذه اللذات أن الإنسان يريد الوصول إلى تمامها وبلوغ غايتها ويرغب في استمرارها وعدم رحيلها ومن منا لا يحب دوام التلذذ وبلوغ أقصى غايته ولكن هل يستطيع المرء الوصول إلى دوام اللذة وبلوغ غايتها والجواب أن هذه غاية لا تدرك وأمنية لا تبلغ في هذه الدار فهذه الحياة الدنيا ليس الدار خلود وجزاء فما هي إلا معبر إلى الدار الباقية ونموذج لما يكون فيها وليس في النموذج أو العينة كل شيء لا يخدعنك بعد طول تجارب الدنيا تغر بوصلها وستقطع أحلام نوم أو كضل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع فلذلك طبعت الدنيا على الأكدار حتى لا يركن الإنسان إليها فينسى الجنة ولقاء الله تعالى ومما تناله يد الكدر في الدنيا اللذات فيها فاللذات في الدنيا مكدرة ثلاثة قبل الحصول عليها وفي أثنائها وبعدها فالإنسان لا ينالها إلا بعد تعب أو ألم حاجة إليها فإذا بلغها رافقتها بعض المنغصات كعدم وفائها بكل ما يريد من الملائمة وإنا لحظ من التلذذ لم يدم له ذلك الشعور بل يبدأ بالملل وحب الانتقال إلى لذة جديدة فلهذا يعيش بعض الناس في غم وكبت حين لم يتحقق له كل ما يريد في موضوع اللذة لأجل ذلك نقول إذا أردت الراحة أيها المسلم في هذا الأمر فعليك أولا أن تقنع بما قدره الله لك من اللذة ولا تتشوف في الدنيا إلى بلوغ تمامها فإن الإنسان لو ظل يبحث عن التمام في هذا المطلوب فهو كالضمآن الذي يشرب من ماء البحر ولن يزداد إلا عطشا عليك أن تقنع بالحلال ولا تبحث عن التلذذ بالحرام فإن اللذة المحرمة وبال في الدنيا والآخرة فإذا تاقت نفسك إلى لذة لكنها محرمة فعد نفسك بنيل مثيلها المشروع في الجنة قال الحسن البصري رحمه الله إن المؤمن يفجأه الشيء ويعجبه يقول والله إني لأشتهيك وإنك لمن حاجتي ولكن والله ما من صلة إليك هيهات حيل بيني وبينك ثالثا ليكن الدين والعقل هم القائد للذة التي تبحث عنها فالدين يحدد لك المسار الصحيح للذة والعقل الحصيف يختار لك المكان والزمان المناسبين لذلك وقد ينصحك بالابتعاد الكلي عن ذلك رابعا هناك لذة قليل من يسلك سبيلها من البشر وأقل منهم من يصل إلى غايتها هذه اللذة هي وجود طعم الطاعات والشعور بها وفيها بالحلاوة والملاءمة فتضلع من هذه اللذة وسترتاح قال بعض الصالحين مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها قيل وما أطيب ما فيها قال محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وقاعته وكان بعض العارفين يقول لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف وقال آخر فإنه لا نعيم ولا لذة ولا ابتهاج ولا كمال إلا بمعرفة الله ومحبته والطمأنينة بذكره والفرح والابتهاج بقربه والشوق إلى لقائه فهذه الجنة العاجلة قال تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون خامسا أيقن بأن إدراك تمام لذة المشروعة ليس هنا وإنما هناك في الجنة التي لا يكدر لذاتك فيها شيء فالتلذذ في الجنة كامل غير ناقص وخالص غير مشوب ودائم غير منقطع وكثير غير قليل وفسيح غير ضيق ومتنوع غير مقصور فاستعد استعدادا صادقا للوصول إلى ذلك نسأل الله من فضله وكرمه