خلاصة مفاهيم أهل السنة أثر طاعات الجوارح الظاهرة على القلب وأعماله الباطنة الجوارح هي منافذ القلب وثغوره فمهما استعملت الجوارح في الطاعات كان ذلك تقوية للقلب وسند له تماما كما تسهم قوة الثغور في قوة عاصمة الدولة وسلطانها فهل يخفى كيف أن الصلاة تورث القلب الرضا والطمأنينة والخشوع والإنابة وهل يخفى أثر الصيام على التقوى والإخلاص واليقين قال تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون وكذلك لا يخفى ما يورثه الجهاد في سبيل الله من حب للآخرة وزهد في الدنيا واستسلام لله وثبات على الحق ويكفي لبيان أثر طاعات الجوارح على أعمار القلوب أن نفصل القول في آثار طاعة واحدة من الطاعات على القلب وهي طاعة غض البصر عن المحرمات فذلك يورث الآتي أولا يجمع القلب على حب الله والأنس به بينما يتسبب إطلاق البصر في صرف القلب عن الله وتشتته ويوقع الوحشة بين العبد وربه ثانيا أنه يكسي القلب نورا كما أن إطلاقه يورثه الظلمة ولهذا أمر الله أولا المؤمنين والمؤمنات بغض البصر كما قال تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ثم ذكر بعد تفصيل ذلك آية النور الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهد الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم للإشارة إلى أن نور المرء الذي يغض من بصره مستمد من نور الله تعالى وتوفيقه فبهذا النور تحصل الهداية وتمتنع البدع والضلالات ثالثا أن غض البصر يقوّي القلب ويفرحه ويورثه الفراسة الصادقة التي يميز بها بين الحق والباطل والصادق والكاذب رابعا أنه يورث القلب ثباتا وشجاعة وقوة فيجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة وسلطان القدرة والقوة خامسا أنه يفرّغ القلب للتفكر في مصالحه والإشتغال بها بدلا عن أن يصرفه إطلاق البصر عن كل ذلك ويوقعه في الغفلة سادسا وأخيرا فإن غض البصر يحفظ القلب من سهام إبليس المسمومة الموجهة إليه فالشيطان يدخل بوساوسه إلى القلب مع النظرة المحرمة وينفذ إليه أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي فيمثل له الصورة المنظور إليها ويزينها في خاطره ويعِده ويمنيه فيلهب قلبه بها ويشرله بذلك عن الطاعات