بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغ مشارف يثرب بعد طول لهفة وترقب وها هم أولئ أهل المدينة الطيبة يتزاحمون في الدروب وفوق سطوح البيوت مهللين مكبرين فرحا بلقاء نبي الرحمة وصاحبه الصديق وهاهن صبايا المدينة الصغيرات يخرجن وفي أيديهن الدفوف وفي عيونهن الشوق مزغردات مرددات أقبل البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع وهذا موكب الرسول الكريم يتهاد بين الصفوف تحفوه المهج المشتاقة وتحوطه الأفئدة التواقة وتنثر حواليه دموع الفرح وبسمات السرور لكن عقبة ابن عامر الجهني لم يشهد موكب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولم يسعد باستقباله مع المستقبلين ذلك لأنه كان قد خرج إلى البواد بغنيمات له ليرعاها هناك بعد أن اشتد عليها السغب وخاف عليها الهلاك وهي كل ما يملك من حطام الدنيا لكن الفرحة التي غمرت المدينة المنورة ما لبثت أن عمت بواديها القريبة والبعيدة وأشرقت في كل بقعة من بقاعها الطيبة وبلغت تباشيرها عقبة ابن عامر الجهني وهو مع غنيماته بعيدا في الفلوات فلنترك الكلام لعقبة ابن عامر ليروي لنا قصة لقائه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عقبة قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا في غنيمة لي أرعاها فما ان تناها إلي خبر قدومه حتى تركتها ومضيت إليه لا ألوي على شيء فلما لقيته قلت تبايعني يا رسول الله قال فمن أنت قلت عقبة ابن عامر الجهني قال أي ما أحب إليك تبايعني بيعة أعرابية أو بيعة هجرة قلت بل بيعة هجرة فبيعني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما بايع عليه المهاجرين وأقمت معه ليلة ثم مضيت إلى غنمي وكن 12 رجلا ممن أسلموا نقيم بعيدا عن المدينة لنرعى أغنامنا في بواديها فقال بعضنا لبعض لا خير فينا إذا نحن لم نقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد يوم ليفقهنا في ديننا ويسمعنا ما ينزل عليه من وحي السماء فليمض كل يوم واحد منا إلى يثرب وليترك قنمه لنا فنرعاها له فقلت إذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا بعد آخر وليترك لي الذاهب غنمه لأني كنت شديد الإشفاق على غنيمتي من أن أتركها لأحد ثم طفق أصحابي يغدوا الواحد منهم بعد الآخر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويترك لي غنمه أرعاها له فإذا جاء أخذت منهما سمع وتلقيت عنهما فقه لكنني ما لبثت أن رجعت إلى نفسي وقلت ويحك أمن أجل غنيمات لا تسمن ولا تغني تفوت على نفسك صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والأخذ عنه مشافهة من غير واصطة ثم تخليت عن غنيماتي ومضيت إلى المدينة لأقيم في المسجد بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن عقبة ابن عامر الجهني يخطر له على بال حين اتخذ هذا القرار الحاسم الحازم أنه سيغدو بعد عقد من الزمان عالما من أكابر علماء الصحابة وقارئا من شيوخ القراء وقائدا من قواد الفتح المرموقين وواليا من ولاة الإسلام المعدودين ولم يكن يتخيل مجرد تخيل وهو يتخلى عن غنيماته ويمضي إلى الله ورسوله أنه سيكون طليعة الجيش الذي يفتح أمة الدنيا دمشق ويتخذ لنفسه دارا بين رياضها النظرة عند باب توما ولم يكن يتصور مجرد تصور أنه سيكون أحد القادة الذين سيفتحون زمرودة الكون الخضراء مصر وأنه سيغدو واليا عليها ويخطط لنفسه دارا في سفح جبلها المقطم فتلك كلها أمور مستكنة في ضمير الغيب لا يعلمها إلا الله لزم عقبة ابن عامر الجهني رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوم الظل لصاحبه فكان يأخذ له بزمام بغلته أينما سار ويمضي بين يديه أن نتجه وكثيرا ما أردفه رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه حتى دعي برديف رسول الله وربما نزل له النبي الكريم عن بغلته ليكون هو الذي يركب والنبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يمشي حدث عقبة قال كنت أخذ بزمام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غاب المدينة فقال لي يا عقبة ألا تركب فهممت أن أقول لا لكني أشفقت أن يكون في ذلك معصية لرسول الله فقلت نعم يا نبي الله فنزل الرسول عن بغلته وركبت أنا امتثالا لأمره وجعله يمشي ثم ما لبثت أن نزلت عنها وركب النبي عليه الصلاة والسلام ثم قال لي يا عقبة ألا أعلمك سورتين لم ير مثله النقط فقلت بلى يا رسول الله فأقرأني قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثم أقيمت الصلاة فتقدم وصلى بهما وقال اقرأهما كلما نمت وكلما قمت قال عقبة فما زلت أقرأهما ممتدت بي الحياة ولقد جعل عقبة ابن عامر الجهني همه في أمرين اثنين العلم والجهاد وانصرف إليهما بروحه وجسده وبذل لهما من ذاته أسخى البذل وأكرمة أما في مجال العلم فقد جعل يعب من مناهل رسول الله الثرة العذبة حتى غدا مقرئا محدثا فقيها فرضيا أديبا فصيحا شاعرا وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن وكان إذا ماسج الليل وهدأ الكون انصرف إلى كتاب الله يقرأ من آياته البينات فتصغي لترتيله أفئدة الصحابة الكرام وتخشع له قلوبهم وتفيض عيونهم بالدمع من خشية الله وقد دعاه عمر بن الخطاب يوما فقال اعرض علي شيئا من كتاب الله يا عقبة فقال سمعا يا أمير المؤمنين ثم جعل يقرأ له ما تيسر من آي الذكر الحكيم وعمر يبكي حتى بلل الدموعه لحيته وقد ترك عقبة مصحفا مكتوبا بخط يده وبقي مصحفه هذا إلى عهد غير بعيد موجودا في مصر في الجامع المعروف بجامع عقبة بن عامر وقد جاء في آخره كتبه عقبة بن عامر الجهني ومصحف عقبة هذا من أقدم المصاحف التي وجدت على ظهر الأرض لكنه فقد في جملة ما فقد من تراثنا الثمين ونحن عنه غافلون وأما في مجال الجهاد فحسبنا أن نعلم أن عقبة بن عامر الجهني شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا وما بعدها من المغازي وأنه كان أحد الكمات الأشاوس المغاوير الذين أبلوا يوم فتح دمشق أعز البلاء وأعظمه فكافأه أبو عبيدة بن الجراح على حسن بلائه بأن بعثه بشيرا إلى عمر بن الخطاب في المدينة ليبشره بالفتح فظل ثمانية أيام بلياليها من الجمعة إلى الجمعة يغذ السير دون انقطاع حتى بشر الفاروق بالفتح العظيم ثم إنه كان أحد قادة جيوش المسلمين التي فتحت مصر فكافأه أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان بأن جعله واليا عليها ثلاث سنين ثم وجهه لغزو جزيرة رودس في البحر الأبيض المتوسط وقد بلغ من ولع عقبة بن عامر الجهني بالجهاد أنه وعى حديث الجهاد في صدره واختص بروايتها للمسلمين وأنه دأب على حذق الرماية حتى إنه إذا أراد أن يتلهى تلهى بالرمي ولما مرض عقبة بن عامر الجهني مرض الموت وهو في مصر جمع بنيه فأوصاهم فقال يا بني أنهاكم عن ثلاث فاحتفظوا بهن لا تقبلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من ثقه ولا تستدينوا ولو لبستموا العباء ولا تكتبوا شعرا فتشغلوا به قلوبكم عن القرآن ولما أدركته الوفاه دفنوه في سفح المقطم ثم انقلبوا إلى تركته يفتشونها فإذا هو قد خلف بضعا وسبعين قوسا مع كل قوس قرن ونبال وقد أوصى بهن أن يجعلن في سبيل الله نضر الله وجه القارئ العالم الغازي عقبة بن عامر الجهني وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء