بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله حعقاء بن عمر رضي الله عنه ما كاد يقبل الليل ويلف بظلامه ساحة القادسية حتى وضع الجند سلاحهم وأسلموا جنوبهم للمضاجع فقد كان اليوم الثاني من أيام المعركة كسابقه ثقيل الوطأة شديدا البأس لكن عين القعقاء بن عمر لم تنم وأنا لها أن تنام والمسلمون قد نفد صبرهم وهم ينتظرون المدد القادم من الشام بقيادة هاشي بن عتبة حتى كاد يدركهم اليأس وتذهب به مضنون كل مذهب فعزم على أن يعيد في هذا اليوم ما فعله بالأمس أخذ القعقاء يسرب فرسانه الألف الذين جاءوا معه إلى المكان الذي وقفوا فيه صبيحة اليوم الماضي بعيدا عن القادسية وأمرهم إذا طلعت عليهم الشمس أن يقبلوا على ميدان المعركة مئة إثر مئة على أن يكون بين المئة وأختها مقدار مد البصر وأن يشحن الجو بالغبار وأن يملأ الأرض بالضجيج والعجيج ليبثوا في صدور المسلمين الثقة والعزم ويشيعوا في نفوس الفرس القلق والخوف وما إن طلع الصباح وأشرقت الأرض بنور ربها حتى طفقت الكتائب تقبل من خلف الصحراء على ساحة المعركة مكبرة مهللة فيتلقاه القعقاع كتيبة إثر كتيبة ويحدد لها مكانها بين الصفوف لكن سيل الكتائب جاوز العشر فنظر فإذا هاشم بن عتبة قد وصل بجيشه إلى مشارف القادسية مع الصباح أيضا ورأى هاشم فرسان القعقاع بن عمر وما يصنعون فسر من صنيعهم وقسمه والآخر جنده إلى مئات وأمرهم أن يتلاحقوا تباعا إلى أرض المعركة لم يفت هذا المدد الكبير في عضد الفرس كثيرا ذلك لأنهم كانوا قد أصلحوا توابيت فيلتهم وجددوا وضونها وصفوها في طليعة الجيش كأنها البنيان المرصوص ولقد كانوا على ثقة بأنها ستفتك بالمسلمين اليوم أكثر مما فتكت بهم في اليوم الأول ذلك لأنهم احتاطوا لها هذه المرة بما لم يحتاطوا لها من قبل فآحاطوها بالفرسان من كل جانب حتى لا يخلص إليها المسلمون فيقطعوا وضونها ويحطموا توابيتها ويرموا فيالتها فتولي مدبرة كما فعلت في اليوم الأول وما إن دارت رحل معركة حتى شد المسلمون على حماات الفيلة وشد الفرس على المسلمين الذين تصدوا لهؤلاء الحماة فدارت حول هذه الحيوانات الرهيبة معارك ضارية أريق فيها الغزير من الدماء وأزهق خلالها الكثير من الأنفس فصبر المسلمون وصابروا وتجلدوا لعدوهم وجلدوا حتى أطاحوا بحماات الفيلة واحدا بعد آخر فإذا هم بين قتيل أو جريح يناكص على الأعقاب لكن هذه الحيوانات الشرسة ما كادت ترى أن حماتها قد انفضوا عنها حتى استوحشت وهاجت وهجمت على صفوف المسلمين كأنها الحصون المتحركة وجعلت تضرب بخراطيمها الطويلة ذات اليمين وذات الشمال فلا تبقي أمامها أحدا ولا تذر ولم تكن لتؤثر فيها ضربات السيوف ولم تكن لتنال منها طعنات الرماح وما كانت النبال إلا لتزيدها ثورة وهيجانا شعر سعد بن وبي وقاص بالكارثة التي توشك أن تحيق بالمسلمين بسبب هذه الفيلة وأيقن أنه إذا لم يقضي عليها فسيصاب المسلمون بهزيمة لا تقوم لهم بعدها قائمة وكان أشد هذه الفيلة وطأة على المسلمين الفيل الأبيض وهو فيل يزدجرد ملك الفرس ثم الفيل الأجرب الذي لا يقل عنه هولا وكانت الفيلة الأخرى تتبعهما كأنهما قائدان لها استشار سعد بن وبي وقاص جماعة من الفرس الذين أسلموا في أمر هذه الفيلة وسألهم عن مقاتلها فقالوا افقوا عيونها وقطعوا خراطيمها فتفشل وتذهب ريحها فأرسل إلى القعقاع بن عمر وأخيه عاصم وقال إكفي المسلمين الفيل الأبيض وأرسل إلى اثنين جلدين من بني أسد وقال عليكما بالفيل الأجرب ترجل القعقاع وأخوه عاصم عن جواديهما واندفع يشقان الصفوف في اتجاه الفيل الأبيض حتى إذا أصبح قاب قوس منه أو أدنى سدد القعقاع رمحه إلى عينه اليمنى بينما تكفل أخوه بعينه اليسرى وأهويا على عينيه برمحيهما في لحظة واحدة فإذا بسنانيهما يغيبان في محجرين فنفض الحيوان الرهيب رأسه من شدة الألم نفضة حيوان ألقت بفياله على الأرض وداس في بطنه فصرعه ثم إن الفيل دلَّى خرطومه إلى الأرض ليتحسس به طريقه بعد أن فقد بصره فوثب عليه القعقاع وقطه بسيفه قطا وحمل الفارسان الأسديان على الفيل الأجرب ففقأ إحدى عينيه وأصابى خرطومه إصابة بالغة فدَّ على صفوف الفرس هائجا مائجا ومضى يفتك فيهم فتكا ذريعا فنخسوه فانقلب إلى صفوف المسلمين فوخزه المسلمون فعاد من حيث أتى ثم طفق يهرول جيئة وذهابا ويصيح كالخنزير من شدة الألم ثم اندفع نحو النهر ووثب فيه فتبعته الفيلة الأخرى ووثبت وراءه وصرحت فيالتها ذات اليمين وذات الشمال كان للقضاء على الفيلة أثر كبير لدى المسلمين وعدوهم على السواء أما المسلمون فأيقنوا بعون الله ووثقوا بنصره إذا هم صبروا وصابروا وأرخصوا الدماء في سبيل الله وأما الفرس فعوضوا عن الفيلة بالامدادات الضخمة التي أمدهم بها ملكهم يزدجرد وشدت من عزائمهم شدا أقبل الفريقان على القتال إقبال العطاش على الماء ودارت بينهما رحى معركة ضروس تطحن الرجال والسلاح طحنا ولما دجى الليل ولف الكون بشملته السوداء لم يضع أي من الفريقين سلاحه كما كان يفعلان كل ليلة وإنما وصلا قتال النهار بقتال الليل كأن كل منهما قد عزم على أن لا يلقي السلاح إلا إذا دارت الدائرة على عدوه وبسبب من هذا العزم الذي عزم عليه المتقاتلون وبسبب الظلام الذي خيم على الكون وبسبب الغبار الذي غطى ساحة المعركة خرج الأمر من يدي سعد بن أبي وقاص قائد جيش المسلمين كما خرج من يدي رستم قائد جيش الفرس وفقد سيطرتهما على جيشيهما وقد عرف سعد أن القعقاع بن عمر زحف على الفرس من غير إذنه فتخوف على جند المسلمين من أن تصيبهم كارثة لكنه لم يملك سوى أن قال اللهم اغفر للقعقاع بن عمر وانصر اللهم إني قد أذنت له وإن لم يستأذني وقد زاده جزعا على جزعه أنه رأى قبائل العرب تزحف وراء القعقاع الواحدة والأخرى فهذه أسد تندفع بقضها وقضيضها وتلك بوجيلة تزحف بخيلها ورجلها وهذه كندة تقبل وتلك النخع تحمل فلم يجد بد من أن كبر تكبيراته الثلاث إذانا بالهجوم العام فهجم المسلمون جميعا أشعل الجيشان المتقابلان لضى معركة مستطيرة الشرر فكنت لا ترى في عتمة الليل غير عيون كالجمر تدور في المحاجر ولا تسمع غير همهمة كالزئير تنبعث من الحناجر ولا تبصر غير الشرر المتطاير من وقع النصال على النصال ولما تنفس الصبح عن تلك الليلة الليلاء التي دعيت بليلة الهرير كان الإعياء قد بلغ بكل من الفريقين غايته فالسواعد قد كلت والعزائم قد وهنت والسيوف قد تثلمت وتمنى كل من الفريقين أن يضع السلاح طلبا للراحة ولما يكتب له النصر عند ذلك وقف القعقاع بن عمر في صفوف المسلمين وقال يا معشر المسلمين إن النصر سيكون بعد ساعة لمن يثبت على القتال منكم أو من عدوكم فكونوا أنتم الذين تصبرون هذه الساعة ثم شد مع طائفة من خواص رجاله على معسكر الفرص فشد المسلمون لشدته لم ترتفع شمس ذلك اليوم عالية حتى كانت صفوف الفرص تترنح تحت وطأة هجمات المسلمين تهبت على ساحة المعركة ريح عاصفة أطارت قبة سرير رستم من فوقه وقذفت بها إلى النهر فاندفع القعقاع ومن معه نحو السرير ليفتكوا بصاحبه فقفز رستم عنه ولما رأى أن جند المسلمين قد أوشكوا أن يطبقوا عليه ألقى بنفسه في النهر فانقض عليه أحد رجال القعقاع وفلق جبينه بالسيف فلقتين وصعد على سريره وجعل يصيح قتلت رستم ورب محمد قتلت رستم ورب الكعبة لقد كان مصرع رستم خاتمة لأعظم معركة غيرت وجه التاريخ وكان القعقاع بن عمر هو بطل هذه المعركة الفذ غير منازع إن صوت القعقاع بن عمر في الجيش لخير من ألف فارس أبو بكر الصديق