بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صور من حياة الصحابيات للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما ما كان يخطر ببال أبي سفيان بن حرب أن في وسع أحد من قريش أن يخرج على سلطانه أو يخالفه في أمر ذيبال فهو سيد مكة المطاع وزعيمها الذي تدين له بالولا لكن ابنته رملة المكناة بأم حبيبة قد بددت هذا الزعم وذلك حين كفرت بآلهة أبيها وآمنت هي وزوجها عبيد الله بن جحش بالله وحده لا شريك له وصدقت برسالة نبيه محمد بن عبد الله وقد حاول أبو سفيان بكل ما أوتي من سطوة وبأس أن يرد ابنته وزوجها إلى دينه ودين آبائه فلم يفلح لأن الإيمان الذي رسخ في قلب رملة كان أعمق من أن تقتلعه أعاصير أبي سفيان وأثبت من أن يزعزعه غضبه ركب أبا سفيان الهم بسبب إسلام رملة فما كان يعرف بأي وجه يقابل قريش بعد أن عجز عن إخضاع ابنته لمشيئته والحيلولة دونها ودون اتباع محمد ولما وجدت قريش أن أبا سفيان ساخط على رملة وزوجها اجترأت عليهما وطفقت تضيق عليهم الخناق وجعلت ترهقهما أشد الإرهاق حتى بات لا يطيقان الحياة في مكة ولما أذن الرسول صلوات الله وسلامه عليه للمسلمين بالهجرة إلى الحبشة كانت رملة بنت أبي سفيان وطفلتها الصغيرة حبيبة وزوجها عبيد الله بن جحش في طليعة المهاجرين إلى الله بدينهم الفارين إلى حما النجاشي بإيمانهم لكن أبا سفيان بن حرب ومن معه من زعماء قريش عز عليهم أن يفلت من أيديهم أولئك النفر من المسلمين وأن يذوقوا طعم الراحة في بلاد الحبشة فأرسلوا رسولهم إلى النجاشي وحردونه عليهم ويطلبون منه أن يسلمهم إليهم ويذكرون له أنهم يقولون في المسيح وأمه مريم قولا يسوء فبعث النجاشي إلى زعماء المهاجرين وسألهم عن حقيقة دينهم وعما يقولونه في عيس بن مريم وأمه وطلب إليهم أن يسمعوه شيئا من القرآن الذي ينزل على قلب نبيهم فلما أخبروه بحقيقة الإسلام وطلو عليه بعضا من آيات القرآن بكى حتى خضلت لحيته وقال لهم إن هذا الذي أنزل على نبيكم محمد والذي جاء به عيس بن مريم يخرجان من مشكاة واحدة ثم أعلن إيمانه بالله وحده لا شريك له وتصديقه لنبوة محمد صلوات الله وسلامه عليه حياته لمن هاجر إلى أرضه من المسلمين على الرغم من أن بطارقته أبوا أن يسلموا وظلوا على نصرانيتهم حسبت أم حبيبة بعد ذلك أن الأيام صفت لها بعد طول عبوس وأن رحلتها الشاقة في طريق الآلام قد أفضت بها إلى واحة الأمان إذ لم تكن تعلم ما خبأته لها المقادير فلقد شاء الله تباركت حكمته أن يمتحن أم حبيبة امتحانا قاسيا تطيش فيه عقول الرجال ذوي الأحلام وتتضع ضع أمامه أفهام ذوي الأفهام وأن يخرجها من ذلك لابتلاء الكبير ظافرة تتربع على قمة النجاح ففي ذات ليلة أوت أم حبيبة إلى مضجعها أن زوجها عبيد الله بن جحش يتخبط في بحر اللجي غشيته ظلمات بعضها فوق بعض وهو بأسوأ حال فهبت من نومها مذعورة مضطربة ولم تشأ أن تذكر له أو لأحد غيره شيئا مما رأت لكن رؤياها ما لبثت أن تحققت إذ لم ينقض يوم تلك الليلة ثم أكب على حانات الخمارين يعاقر أم الخبائث فلا يرتوي منها ولا يشبع وقد خيرها بين أمرين أحلاهما مر فإما أن تطلق وإما أن تتنصر وجدت أم حبيبة نفسها فجأة بين ثلاث فإما أن تستجيب لزوجها وبذلك ترتد عن دينها والعياذ بالله وتبوء بخزي الدنيا وعذاب الآخرة وهو أمر لا تفعله ولو مشط لحمها من عظمها بأمشاط من حديد وإما أن تعود إلى بيت أبيها في مكة وهو ما زال قلعة للشرك فتعيش فيه مقهورة مغلوبة على دينها وإما أن تبقى في بلاد الحبشة لا أهل لها ولا وطن ولا معين فآثرت ما فيه رضى الله عز وجل على ما سواه وأزمعت على البقاء في الحبشة حتى يأتي الله بفرج من عنده لم يطل انتظار أم حبيبة كثيرا فما إن انقضت عدتها من زوجها الذي لم يعش بعد تنصره إلا قليلا حتى أتاها الفرج وقد جاءها السعد يرفرف بأجنحته الزمرودية الخضر فوق بيتها المحزون على غير ميعد ففي ذات ضحا مفضض السنى طلق المحية طرق عليها الباب فلما فتحته فوجئت بأبرهة وصيفة النجاشي ملك الحبشة فحيتها بأدب وبشر واستأذنت بالدخول عليها وقالت لك يحييك ويقول لك إن محمدا رسول الله قد خطبك لنفسه وإنه بعث إليه كتابا وكله فيه بأن يعقد له عليك فوكلي عنك من تشاءين استطارت أم حبيبة فرحا وهتفت بشرك الله بالخير بشرك الله بالخير وطفقت تخلع ما عليها من الحلي وأعطتهما لأبرها ثم ألحقتهما بخلخالها ثم أتبعت ذلك بقرطيها وخواتيمها ولو كانت تملك كنوز الدنيا كلها لأعطتها لها في تلك اللحظة ثم قالت لها لقد وكلت عني خالد بن سعيد بن العاص فهو أقرب الناس إليه وفي قصر النجاشي الرابض على رابية مطلة على روضة من رياض الحبشة النظرة وفي أحد أبهائه الفسيحة المزدانة بالنقوش الزاهية المضاءة بالسرج النحاسية الوضاء المفروشة بفاخر الرياش اجتمع وجوه الصحابة المقيمون في الحبشة وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب وخالد بن سعيد بن العاص وعبد الله بن حذافة السهمي وغيرهم ليشهدوا عقد أم حبيبة بنت أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما اكتمل الجمع تصدر النجاشي المجلس وخطبهم فقال أحمد الله القدوس المؤمن الجبار وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنه هو الذي بشر به عيس بن مريم أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب مني أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان فأجبته إلى ما طلب وأمهرتها نيابة عنه 400 دينار ذهبا على سنة الله ورسوله ثم سكبت دنانير بين يدي خالد بن سعيد بن العاص وهنا قام خالد فقال أحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأتوب إليه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بدين الهدا والحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون أما بعد فقد أجبت طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته موكلتي أم حبيبة بنت أبي سفيان فبارك الله لرسوله بزوجته وهنيئا لأم حبيبة بما كتب الله لها من الخير ثم حمل المال وهم أن يمضي به إليها فقام أصحابه لقيامه وهموا بالانصراف أيضا فقال لهم النجاشي إجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يطعموا طعاما قالت أم حبيبة فلما وصل المال إلي أرسلت إلى أبرهة التي بشرتني خمسين مثقالا من الذهب وقلت إني كنت أعطيتك ما أعطيت حين بشرتني ولم يكن عندي يومئذ مال فما هو إلا قليل حتى جاءت أبرهة إلي وردت الذهب وأخرجت حقا فيه الحلي فردته إلي أيضا وقالت إن الملك قد عزم علي أن لا آخذ منك شيئا وقد أمر نساءه أن يبعثن لك بكل ما عندهن من الطيب فلما كان الغد جاءتني بورس وعود وعنبر ثم قالت لي إن لي عندك حاجة فقلت وما هي فابتبعت دين محمد فقرأي على النبي مني السلام وأعلميه أني آمنت بالله ورسوله ولا تنسي ذلك ثم جهزتني ثم إني حملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما لقيت أخبرته بما كان من أمر الخطبة وما فعلته مع أبرهة وأقرأته منها السلام وعليها السلام ورحمة الله وبركاته أم حبيبة آثرت الله ورسوله على ما سواهما وكرهت أن تعود للكفر كما يكره المرء أن يقذف في النار المؤرخون