بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ عَلَيْهَا السَّلَامِ عيسى بن مريم يدافع عن أمه بعد أن قال قوم مريم عنها ما قالوا انتظروا منها جواباً على كلامهم فلم تتكلم لأنها امتثلت لما أمرت به من الصوم عن الكلام لذلك استخدمت أسلوب الإشارة في الرد عليهم فأحالت الجواب إلى الطفل الرضيع في مهده فأشارت إليه وهي تريد بهذه الإشارة أن اسألوا هذا الطفل فهو يجيبكم قال ابن جرير الطبري رحمه الله يقول تعالى ذكره فلما قال قومها ذلك لها قالت لهم ما أمرها عيسى بقيله لهم ثم أشارت لهم إلى عيسى أن كلموه فاستغربوا من ذلك أشد الاستغراب وغضبوا من صمتها وإحالتهم على طفل الرضيع فقالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال ابن كثير رحمه الله أي إنهم لم استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرية وقد كانت يومها ذلك صائمة صامتة فأحالت الكلام عليه وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه فقالوا متهكمين بها ظانين أنها تزري بهم وتلعب بهم كيف نكلم من كان في المهد صبيا وهنا جاءت الآية العظيمة المؤذنة ببراءة مريمة مما ظنوه بها فأنطق الله عيسى بن مريمة وهو في المهد قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادم تحيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا قال السعدي رحمه الله قال عيسى عليه السلام وهو في المهد صبي إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا فخاطبهم بوصفه بالعبودية وأنه ليس فيه صفة يستحق بها أن يكون إله أو ابنا للإله تعالى الله عن قول النصار المخالفين لعيسى في قوله إني عبد الله ومدعون موافقته آتاني الكتاب أي قضى أن يؤتيني الكتاب وجعلني نبيا فأخبرهم بأنه عبد الله وأن الله علمه الكتاب وجعله من جملة أنبيائه فهذا من كماله لنفسه ثم ذكر تكميله لغيره فقال وجعلني مباركا أينما كنت أي في أي مكان وأي زمان فالبركة جعلها الله في من تعليم الخير والدعوة إليه والنهي عن الشر والدعوة إلى الله في أقواله وأفعاله فكل من جالسه أو اجتمع به نالته بركته وسعد به مصاحبه وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا أي أوصاني بالقيام بحقوقه التي من أعظمها الصلاة وحقوق عباده التي أجلها الزكاة مدة حياتي فأنا ممتثل لوصية ربي عامل عليها منفذ لها ووصاني أيضا أن أبر والدتي فأحسن إليها غاية الإحسان وأقوم بما ينبغي لها لشرفها وفضلها ولكونها والدة لها حق الولادة وتوابعها ولم يجعلني جبارا أي متكبرا على الله مترفعا على عباده شقيا في دنيا أو أخرى فلم يجعلني كذلك بل جعلني مطيعا له خاضعا خاشعا متذللا متواضعا لعباد الله سعيدا في الدنيا والآخرة أنا ومن اتبعني وبهذا يكون عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام قد برأ أمه مما ظنوه بها لأن كلام الطفل في المهد من غير المعهود بين البشر إلا في حال حدوث كرامة وآية من الله عز وجل مثل ما حصل لمريم عليه السلام فلما رأى قوم مريم عليه السلام هذه الآية العظيمة أيقنوا براءتها وصدقها وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة تكلموا في المهد منهم عيسى بن مريم فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى بن مريم قال وكان من بني إسرائيل رجل عابد يقال له جريج فابتنى صومعة وتعبد فيها قال فذكر بنو إسرائيل يوما عبادة جريج فقالت بغي منهم لأن شئتم لأفتننه فقالوا قد شئنا قال فأتته فتعرضت له فلم يلتفت إليها فأمكنت نفسها من راع كان يأوي غنمه إلى أصل صومعة جريج فحملت فولدت غلاما فقالوا ممن؟ قالت من جريج فأتوه فاستنزلوه فشتموه وضربوه وهدموا صومعته فقال ما شأنكم؟ قالوا إنك زنيت بهذه البغي فولدت غلاما قال وأين هو؟ قال هاه وذا قال فقام فصلا ودعا ثم انصرف إلى الغلام فطعنه بإصبعه وقال بالله يا غلام من أبوك؟ قال أنا ابن الراعي فوثبوا إلى جريج فجعلوا يقبلونه وقالوا نبني صومعتك من ذهب قال لا حاجة لي في ذلك ابنوها من طين كما كانت قال وبين ممرأة في حجرها ابن لها ترضعه إذ مر بها راكب ذو شارة فقالت اللهم اجعل ابني مثل هذا فترك ثديها وأقبل على الراكب فقال اللهم لا تجعلني مثله قال ثم عاد إلى ثديها يمصه قال أبو هريرة فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي صنيع الصبي ووضعه إصبعه في فمه فجعل يمصها ثم مر بأمة تضرب فقالت اللهم لا تجعل ابني مثلها قال فترك ثديها وأقبل على الأمة فقال اللهم اجعلني مثلها قال فذلك حين تراجع الحديث فقالت حلقا مر الراكب ذو شارة فقلت اللهم اجعل ابني مثله فقلت اللهم لا تجعلني مثله ومر بهذه الأمة فقلت اللهم لا تجعل ابني مثلها فقلت اللهم اجعلني مثلها فقال يا أمتاه إن الراكب ذو شارة جبار من الجبابرة وإن هذه الأمة يقولون زنت ولم تزني وسرقت ولم تسرق وهي تقول حسبي الله رواه أحمد والبخاري فكلام عيسى في المهد آية من آيات الله العظيمة دالة على نبوته وعلى صديقية أمه واصطفاء الله لها وكلام الطفل ابن البغي صاحب جريج آية من آيات الله جعلها الله كرامةً لجريج العابد تدل على براءته مما نسب له من الزنا بالبغي وهي دالة على نصرة الله لأوليائه والدفاع عنهم وكلام الطفل الرضيع مع أمه آية من آيات الله جعلها الله عبرةً لنا لنزن الأمور بميزانها الشرعي ولا ننخدع بالمظاهر البراقة ولتعلم الأم كيف توجه أمنياتها في طفلها فإن تفاصيل قصة مريم عليه السلام لم يعلم بها كثير من أحبار اليهود والنصارى فهي من الغيب الذي أوحاه الله سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم قال تعالى ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون قال ابن جرير الطبري رحمه الله هذه الأمباء من أمباء الغيب أي من أخبار الغيب ويعني بالغيب أنها من خفي أخبار القوم التي لم تتطلع أنت يا محمد عليها ولا قومك ولم يعلمها إلا قليل من أحبار أهل الكتابين ورهبانهم ثم أخبر تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنه أوحى ذلك إليه حجة على نبوته وتحقيقا لصدقه وقطعا منه به عذر منكر رسالته من كفار أهل الكتابين الذين يعلمون أن محمدا لم يصل إلى علم هذه الأمباء مع خفائها ولم يدرك معرفتها مع خمولها عند أهلها إلا بإعلام الله ذلك إياه إذ كان معلوما عندهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أمي لا يكتب فيقرأ الكتب فيصل إلى علم ذلك من قبل الكتب ولا صاحب أهل الكتاب فيأخذ علمه من قبلهم وقال ابن عطية رحمه الله وفي هذه الآية بيان لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام إذ جاءهم بغيوب لا يعلمها إلا من شاهدها وهو لم يكن لديهم أو من قرأها في كتب أهل الكتاب ومحمد عليه الصلاة والسلام أمي من قوم أميين أو من أعلمه الله بها وهو ذاك صلى الله عليه وسلم والله عز وجل قد قص علينا في القرآن قصة مريم بتفاصيلها وجعلها حجة على اليهود والنصار لعلهم يؤمنون بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فنحن كذلك ينبغي علينا أن نسرد تفاصيل هذه القصة على من حولنا من النصار لعلهم يؤمنون ولكن ما هو موقف اليهود والنصار من مريم عليه السلام نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين قصة مريم ابنة عمران