بسم الله الرحمن الرحيم بأقلام الشوف ومداد الحب نسطر حروفا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الشمائل المحمدي الخاتمة أيها الإخوة الكرام قد وصلنا إلى ختام هذه الرحلة الماتعة مع شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ولعل نفسا قد اشتاقت إلى الظفر برؤية صاحب هذه الشمائل وتاقت إلى لقائه واستعدت لتقديم كل ما لديها للظفر برؤيته صلى الله عليه وسلم فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله ولا شك أن المسلم ينبغي أن تقوم هذه الرغبة في قلبه وأن يقوم في قلبه هذا الشوق لرؤيته صلى الله عليه وسلم والاجتماع به في جنات النعيم قال أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة قال فأعني على نفسك بكثرة السجود الأمر ليس مجرد أماني وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل قال ابن القيم رحمه الله العبد كلما أكثر من ذكر المحبوب واستحضاره في قلبه واستحضار محاسنه ومعانيه الجالبة لحبه تضاعف حبه وتزايد شوقه إليه واستولى على جميع قلبه وإذا أعرض عن ذكره وإحضار محاسنه بقلبه نقص حبه من قلبه ولا شيء أقر لعين المحب من رؤية محبوبه ولا أقر لقلبه من ذكره وإحضار محاسنه فإذا قوي هذا في قلبه جرى لسانه بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه وتكون زيادة ذلك ونقصانه بحسب زيادة الحب ونقصانه في قلبه انتهى كلامه وذكر النبي صلى الله عليه وسلم يكون بذكر مناقبه وشمائله الكريمة وصفاته الحميدة وأخلاقه وأدابه وعلى العبد أن يلزم نهج الصحابة الكرام رضي الله عنهم أهل الوسطية والاعتدال فيتلقى ما صح منهم في وصف النبي صلى الله عليه وسلم ولا يتجاوزه لا بغلو ولا جفاء ولا إفراط ولا تفريط وقد زل كثير من الناس في هذا الباب وساخت أقدامهم في جفاء النبي صلى الله عليه وسلم شعروا بذلك أم لم يشعروا ونذكر هنا أنواعا من صور جفاء النبي صلى الله عليه وسلم والتفريط في حقه فمن مظاهر الجفاء وصوره ضعف محبته صلى الله عليه وسلم في القلوب وتقديم محبة دنيا زائفة وأهواء زائلة وملذات فانية على محبته صلى الله عليه وسلم وقد قال عليه الصلاة والسلام فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده وجاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن هشام قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال له عمر فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم الآن يا عمر ولمعرفة الإنسان هذا الضعف في قلبه عليه أن يعرض نفسه على قول الله تبارك وتعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ولير موقعه من اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل أحواله ليعرف حقيقة محبته ومن مظاهر الجفاء أيضا الإعراض عن سنته الغراء ومحجته البيضاء وهديه القويم صلى الله عليه وسلم والانصراف عن ذلك بالانشغال بالآراء الباطلة والأهواء الفاسدة ونحو ذلك من أمور صرفت الناس عن سنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ومن مظاهر الجفاء كذلك عدم تعظيم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقى أحاديثه المنيفة وكلماته الشريفة في بعض المجالس فلا يكون لها هيبة ولا يرفع لها رأس ولا تعرف لها مكانة بل إنها تمر كأحاديث غيره صلى الله عليه وسلم بل ويعترض عليها فأين التعظيم لهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأين المعرفة بقدره إذا كان حديثه صلى الله عليه وسلم يكون شأنه عند الناس كأحاديث غيره وقد قال الله تعالى وما ينطق عن الهواء إن هو إلا وحي يوحى ومن صور الجفاء الإنصراف عن قراءة سيرته المباركة وأخباره الشريفة صلى الله عليه وسلم فإن سيرته هي أزكى سيرة على الإطلاق إنها سيرة سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم فترى في الناس من هو معرض عن هذه السيرة المجيدة العطرة منشغل بقراءة سيرة تافهين لا قيمة لهم ولا وزن في عز الأمة ورقيها ومن مظاهر الجفاء الشنيعة الإقبال على البدع المحدثات والأهواء المخترعات وتعظيمها والذب عنها ولاستدلال لها في مقابل الإعراض عما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال فمن رغب عن سنتي فليس مني وقال من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ومن صور الجفاء في حق النبي صلى الله عليه وسلم أيضا عدم العناية بالصلاة والسلام عليه ولا سيما عند ذكره صلى الله عليه وسلم وقد صح الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي وقال الله سبحانه وتعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ومن صور الجفاء في حق نبينا صلى الله عليه وسلم انتقاص مقام أصحابه الكرام وتابعيهم بإحسان وأئمة الحق والهدى من حملت السنة فإن الانتقاص من قدر هؤلاء من الجفاء في حق النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا ليحذر المسلم من جهة الإفراط فلا يغلو في حقه صلى الله عليه وسلم وذلك بأن يضيف إليه شيئا من خصائص الرب أو أوصافه أو حقوقه جل وعلا فإن هذا كله لا يرضاه صلوات الله وسلامه عليه والغلو والإطراء كله مذموم نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة فقد قال صلى الله عليه وسلم لا تطروني كما أطرت النصار ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله وقال صلى الله عليه وسلم إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ولما سمع قوما يقولون أنت سيدنا وبن سيدنا قال لا يستجرينكم الشيطان فإطراءه صلى الله عليه وسلم والغلو في مدحه أمر منهي ينعن بل إن الخائض فيه ترد أعماله عليه ويبوء بإثم المخالفة لأن باب الثناء والمدح قد يأتي فيه الإنسان بمدائح صحيحة وإذا زاد في الأمر ربما استجره الشيطان إلى أن يأتي بمدائح فيها غلو وإطراء ومجاوزة للحد وقد يكون الدافع إلى ذلك الحب وإرادة الخير ولكن ليس كل من أراد الخير أدركه فعلى العبد مع الحب الشديد الذي في قلبه للنبي صلى الله عليه وسلم والخير الذي يطمح إليه ويريد بلوغة أن يسدد ذلك بلزوم السنة وقت لهدي النبي صلى الله عليه وسلم والعيش مع سيرته فقد جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطب الصحابة والذي نفس محمد في يده ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله معهم قال النووي معلقا عليه تعليقا مفيدا ومقصود الحديث حثهم على ملازمة مجلسه الكريم ومشاهدته حضرا وسفرا للتأدب بآدابه وتعلم الشرائع وحفظها ليبلغوها وإعلامهم أنهم سيندمون على ما فرطوا فيه من الزيادة من مشاهدته وملازمته والشاهد أن هذا الشوق لرؤيته صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يكون من ورائه عمل جاد في معرفة هديه وآدابه وأخلاقه ومعاملاته ليتأسى به صلى الله عليه وسلم وكلما كان العبد أحرص على السنة وعلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم وعلى التأدب بآدابه وأخلاقه كان أقرب الناس إليه منزله فقد قال صلى الله عليه وسلم إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا فكلما كان العبد حريصا على الإيمان والسنة والاتباع والبعد عن البدع والأهواء كان ذلك أدعى وأحرى وأن يحضى بمجاورته في جنات النعيم وفي ختام هذا العمل أنوه بأني قد استفدت في إعداده على شروح بعض المتقدمين والمتأخرين وعلى وجه الخصوص استفدت كثيرا من شرح فضيلة الشيخ عبد الرزاق البدر وفضيلة الشيخ محمد المنجد حفظهم الله تعالى هذا ونحمد الله عز وجل على منه وتوفيقه وتيسيره له الحمد أولا وآخرا وله الشكر ظاهرا وباطنا ونسأله جل وعلا أن ينفعنا جميعا بما علمنا وأن يجعل ما تعلمناه حجة لنا لا علينا وأن يعمر قلوبنا بالإيمان وأن يصلح أحوالنا أجمعين وأن يهدينا إليه صراطا مستقيما وأن يوفقنا لاتباع سنة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم وأن يحشرنا معه وتحت لوائه وأن يجمعنا به في جنات النعيم وأن يغفر لنا ولوالدينا وللإمام الترمذي ولمشايخنا ولعلماء الأمة الأولين منهم والآخرين إنه تبارك وتعالى غفور رحيم جواد كريم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين