رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب المنثورات والملح وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال رجل لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون تصدق على سارق فقال اللهم لك الحمد لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة على زانية فقال اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني فأتي فقيل له أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعفى لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة على غني فقال اللهم لك الحمد فلعله أن يستعفى عن سرقته وأما الزانية فلعلها تستعف عن زناها وأما الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما آتاه الله رواه البخاري بلفظه ومسلم بمعنى فأتي أي في المنام من فوائد الحديث إذا كانت نية المتصدق صالحة قبلت صدقته ولولم تقع في يد مستحقها بيان فضل صدقة السر بيان بركة التسليم والرضا وذم التضجر بالقضا استحباب تذكير العصاة ودعوتهم للحق فلعلهم يعتبرون ويتوبون وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوة فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة وقال أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون مما ذاك يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فينظرهم الناظر ويسمعهم الداعي وتدنوا منهم الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون ما أنتم فيه إلى ما بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض أبوكم آدم فيأتونه فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه وما بلغنا فقال إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما بلغنا ألا تشفع لنا إلى ربك فيقول إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول لهم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني كنت كذبت ثلاث كذبات نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد قتلت نفسا لم أمر بقتلها نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول عيسى إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم وفي رواية فيأتوني فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله علي من محمده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب أمتي يا رب أمتي يا رب فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال والذي نفسي بيده إنما بين المصرعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وصرا متفق عليه نهس منها نهس أي أخذ بأطراف أسنانه صعيد واحد أي أرض واسعة المصرعين أي جانب يلباب من فوائد الحديث تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وتلبيته للدعوة والأكل مع عامة أصحابه أحب الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع لنضجها وسرعة استمرائها وزيادة لذتها وفي هذا بيان جواز استحباب نوع من الطعام دون غيره والإكثار من تناوله ثبوت فضل الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه إمام الأنبياء ومقدمهم عند رب العالمين هذا لا يعارض نهيه صلى الله عليه وسلم عن تفضيره على الأنبياء لأن المراد النهي عن تنقيص المفضل عليه يشرع لمن أراد من عبد حاجة أو أمرا أن يقدم بين يديه وصف المسؤول بأحسن صفاته وأشرف مزاياه ليكون ذلك أدعى لإجابة سؤاله ولكن ليحذر يجوز لمن سئل عن أمر لا يقدر عليه أن يعتذر بما يقبل منه ويستحب أن يرشد على من يظن أنه أقدر على ذلك الأمر منه لأن الدال على الخير كفاعله بيان هول الموقف واشتداد المحشر على العباد يوم القيامة إثبات صفة الغضب لله وأن الله يغضب لمعاص لباده إلىه تواضع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم حيث تذكروا ما مضى منهم ليشعروا بأن هم دون هذا الموقف بيان أفضلية أولي العزم من الرسل على غيرهم لأنهم هم الذين خصوا بالسؤال دون غيرهم وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم إثبات الوسيلة والمقام المحمود للرسول صلى الله عليه وسلم محمد الله تعالى لا تنتهي ولذلك يفتح رب العزة على رسوله في هذا المقام من حسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبله بيان أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم فهم أول من يدخل الجنة وهم أكثر أهلها ولنبيهم صلى الله عليه وسلم تفتح أبواب الجنة بيان بعض مزايا الأمة المحمدية زادها الله شرفا حيث يدخلون الجنة من باب خاص بهم ويشاركون الناس فيما سواه من الأبواب رياض الصالحين