بسم الله الرحمن الرحيم مختصر كتاب رمضان أحداث وعبر تنزيل القرآن الكريم الزمان رمضان السنة الأولى من البعثة المحمدية الموافق عشرا وستمائة للميلاد في شهر رمضان في قوائر القرن السابع الميلادي حصل حدث عظيم في تاريخ البشرية وجرأ أمر كبير في حياة الإنسانية به تغير مجرى التاريخ واعتدلت مسيرة الحياة وتحولت قيادة العالم الروحية من أمة إلى أمة ومن نسل إلى آخر من ذرية إسحاقة إلى ذرية إسماعيل ابني الخليل إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ذلك الحدث أعاد للحياة رونقها بعد ذبولها وسعادتها بعد شقائها واهتداءها بعد تيهانها في شعاب الضلالة والحيرة ذلك الحدث الليلي البهيج أسدى إلى العالم الحائر مصباح الضياء الذي يرشده في دروب الحياة المختلفة ويهديه للخروج من مجاهل الظلام المهلكة لقد كان ذلك الزمن الشريف ميلادا للزمان من جديد ويوما لا يعادله يوم من أيام الدنيا وبحصوله اتصل الروح بعالم الدنيا التائه الذي كان يعيش عدة قرون جسدا بلا روح وبحدوثه دبت الحياة في ذلك الجسد فأصبح من الأحياء بعد أن كان من الأموات وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم في شهر رمضان نزل القرآن الكريم على سيد ولد آدم كتابا خالدا ودستورا باقي ونورا هادي وحكمة بالغة وحجة قاطعة وبرهانا مكينا وحافظا أمينا جاء في الصحيحيني عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت كان أول ما بذئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يلحق بغارح راء فيتحنث فيه قال والتحنث التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجئه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال إقرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال إقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال إقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم تاريخ الحدث الأعظم إن شهر رمضان المبارك قد احتضن تنزيل القرآن الكريم بدلالة قوله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وقوله تعالى حاميم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين وقوله تعالى إنا أنزلناه في ليلة القدر غير أن المعروفة أن للقرآن تنزيلين التنزيل العام والتنزيل الخاص فأما التنزيل العام فكان من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا وإلى هناك تنزل القرآن جملة واحدة وأما التنزيل الخاص فكان من السماء الدنيا إلى أذني رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في غار حرى أول ما نزل وتنزيل القرآن العظيم جملة واحدة إلى السماء الدنيا كان في رمضان في ليلة القدر هو الذي قال به أكثر العلماء قال ابن حجر وما تقدم من أنه نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم أنزل بعد ذلك مفرقا هو الصحيح المعتمد وقد دل على ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما الذي جاء من طرق متعددة منها ما ساقه النسائي في فضائر القرآن والحاكم في مستدركه بسنديهما عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أنزل الله القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر فكان الله إذا أراد أن يوحي منه شيئا أوحاه أو أن يحدث منه في الأرض شيئا أحدثه وأما تنزيله من السماء الدنيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقد حصل الاتفاق على تسمية اليوم من الأسبوع الذي نزل فيه وهو يوم الاثنين ففي حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال وسؤل عن صوم الاثنين قال ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل علي فيه قال ابن سعد عن ابن عباس قال نبئ نبيكم صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ولكن حصل خلاف بين العلماء في تحديد شهر النزول الأول وتعيين الليلة التي نزل فيها فأما شهر النزول فالراجح أنه شهر رمضان وأما الليلة فقد اختلف القائلون بأن شهر التنزيل الأولي هو رمضان في تحديد الليلة التي نزل فيها فقيل هو لسبع مضت من رمضان وقيل لسبع عشر وقيل لثمانية عشر وهذه الأقوال يمكن أن ترد إذا قلنا بأن نزول القرآن في الليلة المباركة ليلة القدر كان إلى السماء الدنيا وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا وذلك أنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أن ليلة القدر في العشر الأواخر منه بل وفي أوتارها تحديدا فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان ولهذا اختار العلامة المبارك فوري أن ليلة النزول كانت ليلة 21 من رمضان وهناك من أهل العلم من يرى أنها في العشر الأواخر من رمضان وبعض هؤلاء يحددها بالأوتار منها لكن من غير تعيين لليلة معينة ومن القائلين بذلك ابن حجر وابن عاشور رمضان والقرآن هناك علاقة وطيدة بين رمضان والقرآن وجسور التقاء بينهما بل هناك موائمة بين القرآن والصيام في رمضان وفي غير رمضان فالصيام ضرف مناسب لقراءة القرآن بتدبر وتفهم وتأمل وتعقل وذلك حينما تخل البطن عن الشبع تصفو مرآة العقل ويرق القلب من قساوته الناتجة عن الاتصال بالفضول وعندئذ يجتمع صفاء الروح التي شفت لقلة الزاد وحلقت في سماء الفضائل لغلبتها البدن مع صفاء العقل فيكونان هما الجادة التي لا مثيل لها للاهتداء بالقرآن الكريم ولهذا نجد ذكرا مشتركا لهما في نصوص القرآن والسنة ففي الحديث عن رمضان وفرض الصيام فيه ذكر الله أثناء تلك الآيات قوله تعالى شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وقد اختير شهر رمضان من بين الأشهر لأنه قد شرف بنزول القرآن فيه فإن نزول القرآن لما كان لقصد تنزيه الأمة وهداها لا سب أن يكون ما به تطهير النفوس والتقرب من الحالة الملكية واقعا فيه وفي مدحه بانزاله فيه مدح للقرآن به من حيث أشعر أن من أعظم المقاصد بمشروعيته تصفية الفكر لأجل فهم القرآن ليوقف على حقيقة ما أتبع هذا به من أوصافه التي قررت مفتتحت به السورة من أنه لا ريب فيه وأنه هدا على وجه أعم من ذلك الأول فقال سبحانه وتعالى هدا للناس وفيه اشعار بأن طائفة الناس يعليهم الصوم أي بالتهيئة للتدبر والفهم والنكسار النفس إلى رتبة الذين آمنوا والمؤمنين ويرقيهم إلى رتبة المحسنين فهو هدا يغذو فيه فقد الغذاء القلب كما يغذو وجوده الجسم وفيه اشعار بأن الإنزال فيه سبب اختصاصه بوجوب الصوم وعلى المنوال نفسه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعاهد القرآن مع جبريل في رمضان من كل سنة فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وكان اجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن فأذا لقيه جبريل عليه السلام كان اجود بالخير من الريح المرسلة وجمع النبي صلى الله عليه وسلم الصوم والقرآن في الشفاعة لصاحبهما يوم القيامة فقال الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال فيشفعان وفي هذا الحدث من العبر أولا بيان عناية الله تعالى بعباده حيث أنزل إليهم القرآن هدى ونورا يرشدهم إلى كل خير ويحذرهم من كل شر ثانيا أهمية العلم حينما كانت كلمة العلم اقرأ أول كلمة من الوحي تطرق سمع الحياة ثالثا شرف رمضان الذي تجلى في كونه شهر تنزل القرآن الكريم رابعا بيان عظمة ليلة القدر على سائر الليال خامسا الزمن الشريف ينبغي أن يكون محلا للأعمال الشريفة أيضا رمضان أحداث وعبر