نسيم السحر نسيم السحر وطّي النفسك على الواقع الذي قدره الله لك في حياتنا المعاصرة مشكلات كثيرة يعيشها جميع الناس على اختلاف احوالهم وأعمالهم ومستوياتهم ولا يسلم منها أحد فرغم تطور الحياة المعاصرة إلا أنها صارت أكثر تعقيدا وأضيقا متنفسا لما فيها من كثرة متطلبات العيش وزحمة الصعوبات وعنفوان الحروب المتنوعة والأزمات الاقتصادية الخانقة وشدة الظلم وكل ما يجري في الخلق من حلو الحال ومره أو خيره وشره لا يخرج عن إرادة مدبر الكون العظيم سبحانه قال الله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وفي ظل تلك الأجواء المعتمة بشدائد الحاضر المكدرة بالتأوه على الماضي الجميل أو التطلع للمستقبل الذي تحبه النفس ولم تستطع بلوغه هناك يعيش بعضنا في ضيق وغم وقلق تمزقت لأجل ذلك أحلامه وتاهت عن عينيه آماله وذبل جسده وتناوبت عليه الأوجاع وأصبح ضعيفا في مواجهة تلك الصعاب والحل من هذه المشكلة أن على الإنسان أن يوطن نفسه على الواقع الذي قدره الله له فإن حزنه وغضبه وخوفه وصراعه مع نفسه لن يغير من واقعه شيئا ولكنه يستطيع أن يريح نفسه من هذه الآلام بالتأقلم معها والرضى بما قدره الله له منها وكما قيل أنا لا أستطيع تغيير وجهة الرياح ولكن يمكنني أن أوجه أشريعتي بحيث أصل إلى مقصدي دائما وكما قال شاعر لابنه أشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيك ولا تجزع من الموت إذا حل بواديك فكيف نفسك أيها العاقل مع الفقر حتى يأتيك الغناء ومع المرض حتى يأتيك الشفاء ومع الخوف حتى يأتيك الأمن ومع كل ضيق حتى يأتيك الفرج فإن الأوجاعة تشتد في أوائلها لكن من أحسن استقبالها بالصبر الجميل والتأقلم معها هانت عليه وغدت عنصرا طبيعيا من عناصر حياته التي يعيش بها وإذا جاءت تلك المكروهات فانظر إليها بعين المحبوبات فإذا نزل المرض فانظر إليه بعين العافية وإذا ورد الخوف فانظر إليه بعين الأمن وإذا جاء الضيق واشتد فانظر إليه بعين الفرج الفسيح وإياك أن تعلن العداوة لهذه الآلام فتزداد ألما ولكن سالمها وعش معها تسلم من زيادة وجعها حتى ينكشف عنك أفق ظلامها فهذا رسول الله عليه الصلاة والسلام والصحابة رضي الله عنهم وطنوا أنفسهم على بلاء مكة ثلاث عشرة سنة وما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا حتى جاءت الهجرة والفرج ولما فرض عليهم الجهاد للمشركين واليهود في المدينة تكيفوا أيضا مع هذا الجو الجديد المثقن بالجروح والآلام وسيلان الدمار ومفارقة الأهل والأحباب والمحبوبات وركوب أشد المكروهات حتى انتصر الإسلام وانظر إلى شيخ الإسلام وهو يبعث رسالة في التكيف مع أحلك الظروف فيقول ما يصنع أعدائي بي أنا جنتي وبستاني في صدري إن رحت فهي معي لا تفارقني إن حبسي خلوة وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة وكان يقول في محبسه في القلعة لو بذلت ملأ هذه القاعة ذهبا ما عدل عندي شكر هذه النعمة أو قال ما جزيتهم على ما تسبب لي فيه من الخير ونحو هذا فإذا كنت مؤمنا أيها الإنسان فاعلم أن ما تجري به الاقدار عليك هي لك في الحقيقة والمآل وإن كانت في الظاهر والحاضر تؤلمك ألم تسمع قول رسول الله عليه الصلاة والسلام عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن أما والله لو كشفت للمؤمن الحجب ورأى ما وراء ضرائه من المصالح لأحبها ولا تظن أن الكون كله أنت وأن جميع رغباتك لا بد أن يوافقها القدر لا تظن هذا حتى ولو كنت سيد المؤمنين فهناك أقدار لا بد أن تمضي إلى غايتها ولعل سحابتها ستمر من فوقك فيصيبك من وهجها لفح فهيئ نفسك لذلك وليس معنى كلامي هذا أن المرأة لا يحاول التخلص من أسباب حزنه ووجعه ليس هذا ما أعني إنما أعني أن هم الواقع الذي يفرض على الإنسان وأوجاع البيئة التي يعيشها ولا يستطيع تغييرها لا سبيل للراحة في تلك الحال إلا بتوطين النفس عليها وأقول لا تنسى البحث عن المخرج في الدروب الممكنة وفي سماء الدعاء ومواضع السجود وفي استقامة السير إلى الله وفي غذاء الصبر وانتظار ما عند الله من المثوبة وهنا تستطيع أن تعيش سعيدا في أي حال صرت إليها مهما كان ضيقها وألمها فكن رجلا على الأهوال جلدا وشيمتك التكيف في الرزايا