بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عثمان بن عفان رضي الله عنه إنه ذنورين وصاحب الهجرتين وزوج الابنتين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه كان عثمان بن عفان رضوان الله عليه في الذروة قومه في الجاهلية فهو عريض الجاه وافر الثراء سابق النعمة جم التواضع شديد الحياة فأحبه قومه أشد الحب وأصدقه حتى إن المرأة من قريش كانت ترقص صبيها الصغيرة وتقول أحبك والرحمن حب قريش لعثمان ولما أهل الإسلام بنوره على مكة كان عثمان من السابقين إلى الاستضاءة بمشكاته والإسلام عثمان بن عفان قصة ما زال يرويها الرواه ذلك أنه حين بلغه في الجاهلية أن محمد بن عبد الله زوج ابنته رقية من ابن عمها عتبة بن أبي لهب ندم أشد الندم لأنه لم يسبق إليها ولم يحظ بخلقها الرفيع فدخل على أهله مهموما فوجد عندهم خالته سعدا بنت كريز وكانت هذه مرأة حازمة عاقلة طاعنة في السن فسرت عنه وبشرته بظهور نبي يبطل عبادة الأوثان ويدعو إلى عبادة الواحد الديان ورغبته في دين ذلك النبي وبشرته بأنه عنده ما يبتغيه قال عثمان فانطلقت وأنا أفكر فيما قالته خالتي فلقيت أبا بكر وحدثته بما أخبرتني به فقال والله لقد صدقت خالتك فيما أخبرتك وبشرتك بالخير يا عثمان وإنك لرجل عاقل حازم ما يخفى عليك الحق ولا يشتبه عندك مع الباطل ثم قال لي ما هذه الأصنام التي يعبدها قومنا أليست من حجارة صم لا تسمع ولا تبصر فقلت بلى فقال وإنما قالته خالتك يا عثمان قد تحقق فلقد أرسل الله رسوله المرتقب وبعثه إلى الناس كافة بدين الهدى والحق ومن هو فقال إنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب فقلت الصادق الأمين فقال أبو بكر نعم إنه هو فقلت فهل لك أن تصحبني إليه فقال نعم ومضينا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فلما رآني قال أجب يا عثمان داعي الله فإني رسول الله إليكم خاصة وإلى خلق الله عامة قال عثمان فوالله ما إن ملأت عيني منه وسمعتم قالته حتى استرحت له وصدقت رسالته ثم شهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله لم يؤمن بالرسول عليه الصلاة والسلام أحد من قومه حتى ذلك اليوم غير أنه لم يكن فيهم أحد يناسبه العدا غير عمه أبي لهب فقد كان هو وزوجه أم جميل من أشد قريش قسوة عليه وأعنفهم إيذاء له وتنكيلا به فأنزل الله فيه وفي مراته تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنا عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذا تلهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد فازداد أبو لهب ضغينة على الرسول صلوات الله وسلامه عليه واشتد حقده وحقد وزوجته أم جميل عليه وعلى المسلمين معه فأمر ابنهما عتبة بأن يطلق زوجته رقية بنت محمد عليه الصلاة والسلام فطلقها نكاية بأبيها ما كاد عثمان بن عفان رضوان الله عليه يسمع بخبر طلاق رقية حتى استطار فرحا وبادر فخطبها من رسول الله عليه الصلاة والسلام فزوجها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم منه وزفتها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد وقد كان عثمان من أبها قريش طلعه وكانت هي تضاهيه قسامة وصباحة فكان يقال لها حين زفت إليه أحسن زوجين رآهما إنسان رقية وزوجها عثمان لم يسلم عثمان بن عفان على الرغم من سابق فضله وسابق معروفه من أذا قومه حين أسلم فلقد عز على عمه الحكم أن يصبأ فتا بني عبد شمس عن دين قريش وكبر عليه ذلك فتصدى له هو وأتباعه أعنف التصدي وأقساه وأخذه وشد عليه الوثاق وقال أو ترغب عن ملة آبائك وأجدادك وتدخل في دين محدث والله لا أدعك حتى تنبذ ما أنت عليه فقال عثمان والله لا أدع ديني أبدا ولا أفارق نبيي ما امتدت بي الحياة فما زال عمه الحكم ينكّل به وما زال هو يشتد صلابة في دينه واستمساكا بعقيدته حتى يأيس عمه منه وأطلق سراحه وكفّعا لكن قريشا ضلت تضمر له العداوة وتلحق به الأذى حتى حملته على الفرار بدينه ومفارقة نبيه عليه الصلاة والسلام فكان أول المسلمين هجرة إلى الحبشة هو وزوجه رقية رضوان الله عليهما ولما أزف رحيلهما ودّعهما الرسول صلوات الله وسلامه عليه وهو يقول صحب الله عثمان وزوجه رقية صحب الله عثمان وزوجه رقية إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد نبي الله لوط لم يطل عثمان وزوجه المكث في الحبشة كما فعل غيرهما من المهاجرين فقد اشتد به وبرقية رقية الشوق إلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه والحنين إلى مكة فعاد إليها ولبث فيها إلى أن أذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالهجرة إلى المدينة فانطلقا مع المهاجرين شهد عثمان بن عفان مع الرسول عليه الصلاة والسلام مشاهده كلها وحضر جميعه غزواته جميعها ولم يحرم من غزوة غير غزوة بدر فقد شغل عنها بتمريض زوجته رقية رضوان الله عليها ولما عاد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من بدر وجد رقية قد لحقت بجوار ربها فحزن عليها أشد الحزن وواسى عثمان بن عفان على مصابه بها أكرم فعدته من أهل بدر وأسهم له في غنيمتها وزوجه من ابنته الثانية أم كالثوم فدعاه الناس ذا النورين وكان زواجه الثاني من ابن الرسول صلوات الله وسلام عليه من قبة لم يظفر بها زوج سواه ذلك أن تاريخ النبوات لم يعرف أحدا أصهر إلى نبي مرتين سوا وعثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه ولقد كان إسلام عثمان رضوان الله عليه من أعظم النعم التي أنعم الله بها على المسلمين وأجزل الخير الذي أمد به الإسلام فما مس المسلمين ضر إلا كان عثمان أول من واساهم فيه ولا نزل بالإسلام خطب إلا كان ابن عفان طليعة كاش فيه أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما عزم على غزوة تبوك كانت حاجته إلى المال لا تقل عن حاجته إلى الرجال فجيش الروم كثير العدد وافر العدد وهو يقاتل على أرضه أما المسلمون فكانت رحلتهم طويلة ومأونتهم قليلة ورواحلهم أقل وكانوا يعانون من جدب لما أصيبت جزيرة العرب بمثله فاضطر الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى رد نفر كبير منهم عن الجهاد وحرمانهم من الاستشهاد لأنهم لا يملكون راحلة تحملهم فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع عند ذلك صعد الرسول عليه الصلاة والسلام المنبر وحمد الله وأثنى عليه بما هو وأهله ثم طفق يحض المسلمين على البذل ويمنيهم بعظيم الأجر فوقف عثمان بن عفان وقال علي مئة بعير بأحلاسها وأقتابها يا رسول الله فنزل الرسول صلوات الله وسلامه عليه عن المنبر درجة غير أنه وقف يحض الناس على البذل من جديد فنهض عثمان بن عفان ثانية وقال علي مئة بعير أخرى بأحلاسها وأقتابها يا رسول الله فتهلل وجه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم سرورا ونزل عن المنبر درجة ثم ما لبث أن وقف وجعل يحض الناس على البذل كرة أخرى فنهض عثمان بن عفان ثارثة وقال بأحلاسها وأقتابها يا رسول الله عند ذلك أخذ الرسول عليه الصلاة والسلام يشير بيده الكريمة رضا عما صنع عثمان بن عفان ويقول ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ثم إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه ما كاد ينزل عن منبره حتى انطلق عثمان بن عفان إلى بيته وبعث إليه مع النوق ألف دينار ذهبا فلما صبت الدنانير في حجر الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم جعل يقلبها بيديه الطاهرتين ظهرا لبطن وبطنا لظهر وهو يقول غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت ما منك وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة وفي خلافة الفاروق رضوان الله عليه أصابت الناس سنة مجدبة أهلكت الزرع والضرع حتى دعي عامها لشدة قحطه بعام الرمادة ثم إن الكرب ما فتئ يشتد على الناس حتى بلغت الارواح الحناجر فأقبلوا ذات صباح على عمر وقالوا يا خليفة رسول الله إن السماء لم تمطر وإن الأرض لم تنبت وقد أشف الناس على الهلاك فما نصنع فنظر إليهم عمر بوجه عصره الهم عصرا وقال إصبروا واحتسبوا فإني أرجو أن لا تمسوا حتى يفرج الله عنكم فلما كان آخر النهار وردت قبار بأن عيرا لعثمان بن عفان جاءت من الشام وأنها ستصل المدينة عند الصباح فما إن قضيت صلاة الفجر حتى هب الناس يستقبلون العير جماعة إثرى جماعة وانطلق التجار يتلقونها فإذا هي ألف بعير قد وسقت برا وزيتا وزبيبا أناخت العير بباب عثمان بن عفان رضوان الله وطفق الغلمان ينزلون عنها أحمالها فدخل التجار على عثمان وقالوا بعنا ما وصل إليك يا أبا عمر فقال حبا وكرامة ولكن كم تربحونني على شرائي فقالوا نعطيك بالدرهم درهمين فقال أعطيت أكثر من هذا فزادوا له فقال أعطيت أعطيت أكثر مما زدتموه فزادوا له فقال أعطيت أكثر من هذا فقالوا يا أبا عمر ليس في المدينة تجار غيرنا وما سبقنا إليك أحد فمن الذي أعطاك أكثر مما أعطينا فقال إن الله أعطاني بكل درهم عشرة فهل عندكم زيادة قالوا لا يا أبا عمر فقال إن أشهد الله تعالى أني جعلت ما حملت هذه العير صدقة على فقراء المسلمين لا أبتغي من أحد درهم ولا دينارا وإنما أبتغي ثواب الله ورضاه ولما آلت الخلافة إلى عثمان بن عفان رضوان الله عليه فتح الله على يديه أرمينية والقوقاز ونصر ومسلمين وسودهم على خراسان وكرمان وسجستان وقبرس وطرف غير قليل من إفريقيا ولقي الناس في عهده من الثراء ما لم يحظ به شعب على ظهر الأرض حدث الحسن البصري رضي الله عنه عما نعم به الناس في عهد ذنورين من الرخاء وبلهنية العيش وما غمروا به من الهناءة والطمأنين فقال رأيتم نادي عثمان بن عفان رضي الله عنه ينادي قائلا أيها الناس أغدوا على أعطياتكم فكان الناس يغدون عليها ويأخذونها وافية ثم ينادي ويقول أيها الناس أقبلوا على أرزاقكم فكانوا يقبلون عليها فيعطونها غزيرة وافية ولقد سمعته والله أذنايا وهو يقول أغدوا على كسوتكم فكانوا يأخذون الحلل السابغة وكان يقول هلموا على السمن والعسل أيضا ولا غروا فلقد كانت الأرزاق في عهد عثمان دارة وكان الخير كثيرا وذات البين سعيدة ولم يكن على ظهر الأرض مؤمن يخاف وإنما كان المسلم يألف المسلم ويواده وينصره لكن بعض الناس إذا شبعوا بطروا وإذا أنعم الله عليهم كفروا فعتب هؤلاء على عثمان أمورا لو فعلها غيره ما عتبوها عليه ولم يكتفي هؤلاء بالعتب ولو أنه مكتفو به لهانا الأمر فلقد ظل الشيطان ينفق في أرواحهم من روحه ويبث في نفوسهم من شره حتى تألبت عليه طائفة كبيرة من أوباش الأمصار فحصروه في داره نحو من أربعين ليلة ومنعوا عنه الماء العذب وقد تناسى هؤلاء الظلمة الطغمة أنه هو الذي اشترى بئر رومة من ماله الخاص ليرتوي منه سكان المدينة ونورة وروادها ولم يكن لهم قبل ذلك ماء عذب يرتوون منه ثم إن هم حالوا دونه ودون الصلاة في مسجد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وقد تعام هؤلاء عن أن ذا النورين هو الذي وسع ثانيا الحرمين من خالص ماله ليتسع للمسلمين بعد أن ضاق بهم ذرعا أشتد على عثمان الكرب وتفاقم عليه الشر نفر إلى حمايته نحو من سبعمائة من الصحابة وأبنائهم فيهم عبدالله بن عمر بن الخطاب وعبدالله بن الزبير بن العوام والحسن والحسين ابن علي بن أبي طالب وأبو هريرة وغيرهم وغيرهم لكن عثمان ذا النورين وصاحب الهجرتين وباذل المعروف آثر أن يراقدمه على أن تراق دماء المسلمين دفاعا عنه وفضل أن تزهق روحه على أن يقتتل المسلمون دونه فعزم على الذين نفر إلى حمايته أن يتركوه لقضاء الله وقال لهم أقسم على من لي عليه حق أن يكف فيده وقال لأرقائه من إنكم سيفه فهو حر ولقد غفت عين خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لحظات قبيل مصرعه فرأى النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ومعه صاحباه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وسمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول له أفطر عندنا الليلة يا عثمان فأيقن عثمان أنه لاحق بربه مقبل على لقاء نبيه أصبح عثمان رضوان الله عليه صائما ودعا بسراويل طويلة فلبسها خشية أن تكشف عورته إذا قتله الأثمة السفاحون وفي يوم الجمعة لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة قتل العباد الزهاد جوام القوام جماع القرآن الكريم صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحق بجوار ربه وهو ضمان صائم وكتاب الله منشور بين يديه وحسب المسلمين عزاء أنه لم يكن في قتلة عثمان رضوان الله ورحماته عليه صحابي ولا ولد صحابي إلا رجلا واحدا شارك البغاة الطغاة في أول الأمر ثم استحيا وارتدع إن تاريخ النبوات لم يعرف أحدا أصهر إلى نبي مرتين سوى عثمان بن عفان رضي الله عن هو