قصص الأنبياء ... قصص الأنبياء ... عليهم السلام صلاة الله عقبها سلام على خير الخلائق أجمعي أولو عزمين مقامه رفيع قصة يوسف عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد دخل يوسف عليه السلام السجن وهو مظلوم مغلوب على أمره في بلاد غربة ليس له فيها أحد هكذا كانت حياة يوسف عليه السلام قبل النبوة انتقل من حضن أبيه إلى غيابات الجب ثم إلى قصر العزيز ومنه إلى ظلمات السجن ابتلاء يتلوه ابتلاء ولكن ما بعد الضيق إلا الفرج ولعل هذه أمارات التمكين في الأرض يقول ابن القيم رحمه الله إذا تأملت حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده وصفوته وجدت أنه ساقهم به إلى أجل الغايات وأكمل النهايات التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان وكان ذلك الجسر لكماله كالجسر الذي لا سبيل إلى عبورهم إلى الجنة إلا عليه وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين المنهج في حقهم والكرامة فصورته صورة ابتلاء وامتحان وباطنه فيه الرحمة والنعمة قيل للشافعي رحمه الله يا أبا عبد الله أيهما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى فقال لا يمكن حتى يبتلى فإن الله تعالى ابتلى نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فلما صبروا على الابتلاء مكنهم وأظهر معالم التمكين في حياة يوسف عليه السلام عندما اصطفاه الله وأوحى إليه وهو في السجن فصار نبيا من الأنبياء يوحى إليه وهو في السجن ومع كل الظروف القاسية التي كان يعيشها يوسف عليه السلام وهو في السجن إلا أن ذلك لم يمنعه من أداء رسالة ربه ودعوة من حوله من رفقاء السجن والمنزلة الشريفة التي بلغها يوسف عليه السلام بالنبوة لم تمنعه من القيام بدوره الإنساني في السجن فكان عليه السلام يعز الحزين ويعود المريض ويداو الجريح وكان يحيي ليله بالعبادة بين يدي ربه ومولاه فاستأنس به أهل السجن وأحبوه لحسن أخلاقه ومبالغته في الإحسان إليهم وذات يوم دخل رجلان على يوسف عليه السلام في السجن وكان أحد هذه الرجلين ساق الملك والآخر كان طباخ الملك وسبب دخوله السجن أن بعض الناس كانوا يريدون قتل الملك فجاءوا إلى الساقي فقالوا له ضع في شراب الملك سما ونعطيك كذا وكذا من المال فرفض الساقي فذهبوا إلى الطباخ وقالوا له نعطيك كذا وكذا على أن تضع في طعام الملك سما فقبل بذلك ووضع له السم فلما وضع الطعام بين يدي الملك قال الساقي للملك لا تأكل من الطعام فإنه مسموم فخاف الطباخ وقال لا بل السم في الشراب فتقرر عند الملك أنه نالك سما لكن هل هو في الطعام أو في الشراب فأمر بالبهائم فأحضروا له بهيمتين فعزلهما عن بعضهما وقدم لإحداهما الطعام وللأخر الشراب وانتظروا النتيجة فإذا ماتت هذه من الطعام فيكون السم في الطعام وإذا ماتت هذه من الشراب فيكون السم في الشراب وأ إلى أن يأتي وقت خروج النتائج أمر الملك بهما فوضع في السجن فالتقيا بيوسف عليه السلام وأنسا بصحبته ثم قدر الله تعالى أن يرى كل واحد من هذه الرجلين رؤيا في منامه فلما أصبح أقبل على يوسف عليه السلام وقص عليه كل واحد منهما ما رأى فقال الأول رأيت في المنام أني أعصر خمرا وقال الآخر رأيت أني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه وطلب منه أن يعبر لهما عن رؤياهما فاستثمر يوسف عليه السلام هذه الفرصة في الدعوة إلى الله خاصة وأن هذين السجينين معه في السجن وأنهما محتاجان لتعبير الرؤيا فبدأ بإخبارهما بمعرفته بالمغيبات التي هي معجزة له من الله حتى يطمئنا ويثقى بما سيقول لهما ثم قال لا يأتيكما شيء من الطعام إلا أخبرتكما ببيان حقيقته وما هيته وكيفيته قبل أن يصل إليكما وحتى لا يتبادر إلى ذهنهما أن هذا من فعل الكهان والمنجمين أوضح لهم الأمر وقال هذا مما علمني ربي فأنا قد تركت دين قوم لا يؤمنون بالله ولجأوا إلى عبادة آلهة أخرى لا تنفع ولا تضر واتبعت ملة آبائي على التوحيد الذي تفضل الله به علينا قال الله تعالى ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أرى لي أعصر خمرا وقال الآخر إني أرى لي أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين قال لا يأتي كما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ومن حكمة يوسف عليه السلام في الدعوة إلى الله أنه رأى من المناسب أن يدعوهما إلى الله تعالى قبل أن يفسر لهم الرؤيا لأنه لو فسرها لهما لن شغل كل واحد بما فسر له فكأنه قال لهما عندي كلام أريد أن أقدمه قبل أن أفسر لكم الرؤيا يا صاحبي السجن آلهة متفرقة هل هذه الأرض تعبدونها خير أم عبادة الله الواحد القهار ثم بين لهم خطأ عبادتهم لهذه الآلهة وأنها أسماء سموها من تلقاء أنفسهم لم ينزل الله بها من سلطان ثم بعد أن دعاهم إلى الله تعالى فسر لهما رؤياهما فقال يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيسلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ثم التفت يوسف عليه السلام إلى الساقي وقال له اذكرني عند الملك وقل له هناك إنسانا دخل السجن ظلما وعدوانا وفعلا بعد وقت ليس بالطويل خرج الساقي ورجع إلى عمله في قصر الملك ولكن الشيطان انساه ذكر أمر يوسف عند الملك فلبث يوسف في السجن سبع سنين ثم قدر الله تعالى أن يرى ملك مصر رؤيا في المنام منها فزعا فجمع الحكماء والعلماء والسحرة والكهنة في ذلك الزمان ثم قال لهم إني رأيت في منامي سبع بقرات سمان وسبع بقرات هزيلات ضعيفات فالتفت هذه البقرات العجاف على البقرات السمان فجعلت تأكلهن فقمت من نومي فزعا في الرؤيا ثم عدت ونمت مرة أخرى فرأيت سبع سنبلات خضر ومثلها سنبلات يابسات فآتت هذه السنابل اليابسات فالتفت على السنابل الخضرى حتى التهمتها فقمت من نومي فزعا مرة ثانية يا أيها الملأ أفتوني في أمر رؤيا هذه إن كنتم بها عالمين فما كان منهم إلا أن قالوا هذه أضغاث أحلام أي خليق من الأحلام وليست برؤيا فلا داعي لتضييع الوقت فيها استمع لحديثهم رجل كان معهم في المجلس لخدمتهم ألا وهو الساقي فتذكر يوسف بعد زمن طويل ومن معه إذا عجزتم أنتم عن تأويل هذه الرؤيا فأنا أخبركم بتأويلها فقط أرسلوني إلى يوسف في السجن فعنده الخبر اليقين سمح له الملك بالذهاب إلى يوسف عليه السلام في السجن وسؤاله عن هذه الرؤيا فلما التقى بيوسف عليه السلام في السجن من جديد عامله يوسف معاملة الكرام فلم يعاتبه على نسيانه إياه طيلة تلك السنين وإنما رحب به واستمع لرؤيا الملك ثم عبرها لهم فقال تزرعون أيها الناس سبع سنين دأبا أي باستمرار وجهد فما حصدتم فتركوه في سنبله حتى لا ييبس ولا يفسد ولا يؤثر فيه التكديس إلا قليلا مما تأكلون لأنه سيأتي بعد ذلك سبع سنوات شداد ينقطع فيها المطر وتجدب الأرض فلا تستطيعون أن تأكلوا شيئا إلا ما احتفظتم به في السنوات السبع الأولى وخزنتموه ثم يأتي من بعد تلك السنوات عام فيه يغاث الناس وتعم الخيرات في البلاد وهذا العام لم يلد له ذكر في الرؤيا ولكنه مما علمه الله إياه قال الله تعالى وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤيا إن كنتم رؤيا تعبرون طالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأوي للأحلام عالمين وقال الذين جاء منهما وذكر بعد أمة أنا أنبئكم أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات واخر يابسات لعل أرجع إلى الناس لعل هم يعلمون قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهم إلا قليلا مما تحصنون يأتي من بعد ذلك عم فيه غاث الناس عم فيه غاث الناس وفيه عصرون أعجب الملك بتأويل يوسف عليه السلام فأمر بإحضاره من السجن فلما جاء مأمور السجن إلى يوسف عليه السلام وأخبره بدعوة الملك رفض يوسف عليه السلام وقال للمأمور ارجع إلى الملك واسأله عن أمر النسوة التي قطعن أيديهم فهن نساء علية أهل هذا البلد وشأنهن لا يخفى على أحد فرجع الرسول إلى الملك وأخبره برد يوسف عليه السلام عندها استدع الملك النساء واسألهن عن شأنهن يوسف فقلن بصوت واحد حاشل الله ما علمنا على يوسف من سوء وما رأينا منه إلا العفة والخير هنا قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق وظهر أنا راوتت يوسف عن نفسه وإنه لمن الصادقين وإن ما اعترفت بهذا على نفسي فقلم زوجي أني لم أخنه بالغيب ولا وقع المحذور الأكبر وإنما راوتت يوسف مراودة فامتنع ولست أبرئ نفسي فإن النفس تتحدث وتتمنى والنفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي فعظم أمر يوسف عليه السلام في نفس الملك وهاله الظلم الذي وقع عليه فقال لمأمور السجن أحضر لي يوسف سريعا حتى أجعله من خواص جلساء ومن المقربين لدي فلما جاءه يوسف عليه السلام وكلّمه أعجب الملك برجاحة عقله وسعة علمه وحسن تقديره للأمور فقال له إنك ذو مكانة لدينا ومصدق ومؤتمن عندنا فانتهز يوسف عليه السلام هذه الفرصة وكان قد رأى أيام القصر سوء التدابير الاقتصادية في البلد فقال للملك إجعلني المسؤول عن خزائن الأرض إني حفيغ على المال عليم بتصريفه وخاصة في سنوات الرخاء والشدة الله الملك ما طلب وأصبح يوسف عليه السلام بتمكين الله له يجوب في الأرض يتحرك فيها كيفما شاء وينزل أينما شاء بعد أن كان محصورا داخل السجن قال الله تعالى وقال الملك اأتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة التي قطعنا أيديهم إن ربي بكيده إن عليم قال ما خطبكن إذ راوتتن يوسف عن نفسه قلنا حاشل الله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصى الحق أنا راوتته أنا راوتته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم وقال الملك اأتوني به استخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين قال جعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون أيها الإخوة الكرام لهذه المرحلة من حياة يوسف عليه السلام وهو في السجن العديد من الدروس والعبر منها أولا ينبغي للداعية تقديم الخير للغير ومواساة الناس وجبر خواطرهم حتى تحبه النفوس فتقبل منه دعوته ثانيا الدعوة إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله وحدة هي مهمة جميع الأنبياء وتحت كل الظروف ثالثا السجن لا ينقص من قدر الإنسان وخاصة إذا سجن من أجل الدين بل هو وسام شرف يتقلده في الدنيا ويوم الدين فيوسف عليه السلام النبي الكريم ابن الأنبياء الكرام دخل السجن ونبث فيه بالضع سنين رابعا حسن التدبير مطلوب في العمل كليوسف عليه السلام فكثرت الخيرات في عهده وهكذا من ولي من أمر المسلمين شيئا سواء كانت الولاية صغيرة أو كبيرة فعليه أن يرفق بهم وأن ينصح لهم ويعمل ما في صالحهم خامسا تعبير الرؤيا علم مهم يهبه الله لمن يشاء من عباده وهو داخل في الفتوى فينبغي لمن لا يحسن الخوض في بحره ألا يليج فيه سادسا صبر يوسف عليه السلام وثباته فبعد أن بقي في السجن بالضع سنين وجاءته الفرصة للخروج لم يسرع إلى الخروج من السجن بل صبر وتوقف وطلب أولا اثبات براءته عن جميع التهم وحتى لا يكون خروجه عن عفو بسبب تعبيره الرؤيا وإنما خروجا عن تبرئة وبياض ساحة سابعا قال النبي صلى الله عليه وسلم لو مكثت في السجن ما مكث يوسف لأجبت الداعي قال العلماء إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك على سبيل التواضع وليس لأن يوسف عليه السلام أكمل صبرا منه أو إنما قال ذلك ليرفع من قدر يوسف عليه السلام أو إن يوسف عليه السلام أخذ بالحزم والنبي عليه الصلاة والسلام لو كان مكانه لأخذ بالرخصة روي أن يوسف عليه السلام كتب على باب السجن وهو خارج هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين كنتم مع قصص الأنبياء