بسم الله الرحمن الرحيم جمعية مودة تقدم حدث في رمضان لعد الرحمن رأفة الباشا يوم عين جالود قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وعشيرتكم وأموال قترفتموها وتجارة تخشون كسادها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين سنة 658 للهجرة شهد العالم الإسلامي يوما من أيام الله أعز الله فيه المسلمين من هوان وقواهم من ضعف وأمنهم من خوف ونصرهم على عدو يفوقهم في العدة ويزيد عليهم أضعافا مضاعفة في العدد وكان بطل هذا اليوم شابا نشأ في طاعة الله وأخلص نفسه لله وعقد عزمه على نصرة دينه فقبل الله نيته وشد أزره ورفع ذكره وأثره بيوم عظيم من أيام الله أما اليوم العظيم فهو يوم عين جالوت وأما بطل هذا اليوم فهو الملك المظفر سيف الدين قطز ولهذا اليوم الكريم ولبطله العظيم قصة من أروع قصص البطولات ففي مطلع القرن السادس الهجري خرج من أطراف الصين شعب متبد يعز على العد ويستعصي على الحصر وهب على البشرية هبوب الأعاصير فاجتاح الممالك وأدال الدول وأباد الجيوش وأهلك الحرث والنسل فقد استطاع في فترة وجيزة أن يستولي على الصين وكوريا وأن يجتاح من جهة أخرى بلغاريا وروسيا والمجر وبولونيا وأن يخضع من جهة ثالثة تركستان وسمرقندا وبخارا ثم ابتلع فوق ذلك الرية وهمذان وبلاد الجبل والتهم سيجستان وكرمان وغزنة وما جاورها من بلاد الهند حتى لم يبق على ظهر الأرض شعب إلا كان يرتجف فؤاده خوفا منه وينتظر أن يحين حينه على يديه ذلكم هو شعب التتار أو شعب الدمار لكن هذا الشعب أنزل ببلاد المسلمين من الدمار ما لم ينزله ببلد سواها وأحل بها من الهول مقش عرت له جلود المؤرخين وارتجفت لكتابته أقلامهم فلقد وصف السير توماس أرنولد ما قاموا به عند غزوهم للديار الإسلامية فقال لم يعرف تاريخ الإسلام على كثرة ما نزل به من الخطوب هولا أشد من غزوات التتار فقد انسابت جيوش جنكيز خان في بلاد المسلمين سياب الثلوج من قنن الجبال واكتسحت في طريقها الحواضر الإسلامية وأتت على ما كان فيها من مدنية وثقافة ولم يتركوا وراءهم من تلك البلاد سوا خرائب وأطلال ثم أتبع يقول فيوم مروا بمدينة هرات الزاهرة جعلوها قاعا صفصفا وحين غادروها لم يخرج من سكانها غير أربعين رجلا من أهليها من مخابئهم وكان هؤلاء التعسى هم البقية الباقية من سكان المدينة الذين يربو عددهم على مئة ألف وفي مدينة بخارا موئل أهل العلم والورع والصلاح مزق التتار المصاحف وفرشوها تحت جيادهم في الأصطبلات لتكون لها وطاء وذلك بعد أن قتلوا الرجال وسبوا النساء وجعلوا المدينة العريقة أثرا بعد عين لكن النكبة الكبرى والداهية العظمى حلت ببغداد ففي شهر صفر سنة 656 سقطت بين براثن التتار عاصمة الدنيا وقاعدة الحضارة وموئل الخلافة ومدينة المنصور والرشيد والمعتصم فأنزلوا في ربوعها الشم ما تشيب لهوله الولدان حيث استباحوا المدينة العريقة أربعين يوما بلياليها هدموا خلالها القصور والدور ونسفوا المساجد والجوامع وأحرقوا المكتبات والمدارس وقضوا على المستشفيات والربط وأعملوا السيوف في الرقاب حتى سالت الدماء في الأزقة أنهارا ولم يسلم منهم إلا اليهود والنصارا فقد أمنوهم على أنفسهم وأموالهم من دون الناس فلقد كانوا يستدعون الرجل من أشراف بغداد وعلمائها فيخرج إليهم بزوجته وأبنائه وبناته فيتلونه للجبين ويذبحونه ذبح الشاه ويسبون من يصطفون من بناته ويقتلون الآخرين وكان في جملة من قتلوه المستعصم خليفة المسلمين وقتلوا معه ولديه وسبو بناته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم ولما انقضت الأيام الأربعون السود أصبحت بغداد قاعا صفصفا لا يرتفع على منائرها أذان ولا يتلى في مساجدها قرآن ولا تقام في جوامعها جمع ولا يشع من مدارسها نور ولقد اختلف المؤرخون في عدد من قتل من أهلها ففريق قال إن القتل ألف ألف وفريق قال إن هم ألف ألف أو يزيدون ولما انقض الأمر المقدر كانت أجساد القتل تملأ الطرقات كأنها التلال ثم ما لبث أن سقط عليها المطر فتغيرت صورها وأنت نتجيفها وتلوث منها الهواء وانتشر الوباء فتعداها إلى بلاد الشام ومات بسببه خلق كثير ولما نودي بالأمان في بغداد خرج من تحت الأرض من كانوا مختبئين بالحفر والأقنية والمقابر كأنهم الموتى فأنكر بعضهم بعضا حتى إن الوالد لم يعرف ولده وأن الأخ لم يستيق من أخيه ثم ما لبثوا أن حصدهم الوباء فلحقوا بمن سبقهم إلى القبور ثم دفعت تتار جيوشهم نحو بلاد الشام فتساقطت المدن تحت أقدامهم كما تتساقط أوراق الشجر في فصل الخريف وكان الرعب منهم يمشي بين أيديهم فيرهب السكان ويفتح البلدان مما أغراهم بفتح مصر كنانة الله في أرضه والقضاء على ملكها سيف الدين قطز بطل معركة عين جالوت فتعالوا نستعرض قصة حياة هذا القائد المجاهد الفذ من أولها كان الفتى محمود قطز ينتهي بنسبه إلى الملوك الخوارزمية وكانت تتار قد شنوا عليهم حربا طاحنة فامتلكوا ديارهم ورملوا نساءهم وسبوا أطفالهم وكان في جملة من سبوه محمود قطز ثم تناقلته أيدي النخاسين حتى اشتراه رجل من أعيان دمشق شهر بالتقوى والصلاح وعرف بهتمامه بأمر المسلمين يأسى لما أصابهم ويهتم لما أهمهم وقد نشأ الفتى اليافع في ظلال هذا السيد نشأا كريمة صالحة فجمع إلى ذكاء القلب وعلو النفس صدق الإيمان وسموة هداية الإسلام وكان يختلف إلى مجالس شيخ دمشق الكبير ومرشدها الجليل عالمها العامل عز الدين بن عبد السلام فيجد عنده العلم النافع والموعظة الحسنة وكان يستمع في لهفة إلى أحاديثه المشبوبة بالحض على الجهاد والترغيب في الاستشهاد والإزراء على حكام المسلمين وكان الديار المسلمين إذ ذاك تتعرض لغزوين كبيرين داهمين غزو يأتيها من الغرب على أيدي الصليبيين المتعصبين وغزو يأتيها من الشرق على أيدي التتار الوثنيين وقد ملكت أحاديث الشيخ عن الجهاد والاستشهاد على الشاب باليقض قلبه ولبه أنه رأى الرسول صلوات الله وسلامه عليه في المنام وقد أقبل عليه في كوكبة من الفرسان وعلى رأسه جمة تضرب في أذنيه فما إن وقف عليه حتى ترجل عن فرسه ودنا منه وأنهضه بقوة وضرب على صدره وقال له قم يا محمود وخذ هذا الطريق إلى مصر فستملكها وتهزم التتار عرض محمود رؤياه على شيخه عز الدين بن عبد السلام فسر بها وقال اللهم حقق رؤيا عبدك محمود كما حققت رؤيا عبدك ورسولك الصديق عليه الصلاة والسلام ومنذ ذلك اليوم طمحت نفس محمود إلى الرحيل إلى مصر وقد زاده تعلقا بها رحيل شيخه إليها ذلك أن الملك الصالح إسماعيل ضاق ذرعا بالشيخ لأنه كان يؤلب الناس عليه لتركه الجهاد وممالأته لأعداء الله من الصليبيين فنفاه عن بلاد الشام وحمله على الرحيل إلى مصر استأذن محمود سيده بالمسير إلى أرض الكنانة مصر واللحاق بشيخه فأذن له ثم ودعه وقال لا تنسى الرؤيا التي رأيتها يا محمود فإن من رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام فقد رأاه حقا التحق محمود بخدمة حكام مصر وطفق يبدي من ضروب الشجاعة ويظهر من صنوف الحكمة والحنكة ما مهد السبيل أمامه ليغدو قائدا كبيرا من قواد الجيش ثم نائبا للسلطان ثم ملكا لمصر حيث لقب بالملك المظفر سيف الدين قطز ما كاد الملك المظفر يستقر على عرش البلاد حتى أرسل إليه ملك التتار هولاكو رسالة مع خمسة من رجاله جاء فيها من ملك الملوك شرقا وغربا القائد الأعظم إلى الملك المظفر وسائر أمراء دولته بالديار المصرية إن لكم بسائر البلاد معتبرا وعن عزمنا مزدجرا فاتعظوا بغيركم وأسلموا إلينا أمركم وقد سمعتم أننا فتحنا البلاد وطهرنا الأرض من الفساد فعليكم بالهرب وعلينا بالطلب فخيولنا سوابق وسهامنا خوارق وسيوفنا صواعق وقلوبنا كالجبال وعددنا كالرمال جمع الملك المظفر أمراءه وشاورهم في الأمر فأجمعوا رأيهم على ملاقات العدو فأمر بقتل رسل هولاكو الخمسة وعلق رؤوسهم على باب زويلة وقام يستعد للحرب على قدم وساق غير أنه رآهل عن الناس من التتار وخوفهم من أن يصيروهم ومدنهم إلى ما صارت إليه بغداد فهب يعالج الأمر بإيقاد جذوة الإيمان في النفوس والعودة بالناس إلى الله فأنشأ ديوانا للجهاد وأوكل أمره إلى شيخه وشيخ المسلمين عز الدين بن عبد السلام اعتمد عز الدين بن عبد السلام على المسجد في إيقاض القلوب الغافية وشح ذلهم ملوانية فجمع خطباء المساجد ولقنهم ما يجب أن يخطبوا به على المنابر وحضهم على دعوة الناس إلى الجهاد وترغيبهم في الاستشهاد وأصبح لا يجيز أحدا من هؤلاء الخطباء حتى يحفظ سورتي الأنفال والتوبة عن ظهر قلب وكان من آثار ذلك أن غدت المنابر والبيوت والأسواق تعج بآيات القتال حتى كاد العامة من الرجال والنساء والأطفال يستظهرونها حفظا ولقد غمر الشعور الديني رائع سائر النفوس وشمل جميع الفئات فكفى الفسقة عن ارتكاب المعاصي وامتنع المدمنون عن شرب الخمور وأبى الناس إلى الله وامتلأت المساجد بالركع السجود ولم يبقى للناس من حديث غير الحديث عن لقاء عدو الله وعدوهم ما كاد الملك المظفر يستكمل استعداداته العسكرية حتى جاءته الأخبار بتحرك التتار نحو بلاده لينتقموا منه على ما فعل وليستبيحوا دياره كما استباحوا بغداد من قبل فنادى في الناس إلى الجهاد فلبوا نداءه خفافا وثقالا وشيبا وشبابا وآلوا على أنفسهم بأن يظفروا بإحدى الحسنيين النصر أو الشهادة وفي صباح الجمعة لخمس بقين من رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة التق الجمعان في عين جالوت الواقعة بين بيسان ونابلس فأخذت سهام التتار تنصب على رؤوس المسلمين صبابا فتمزق صفوفهم وتفرق جموعهم وتشل حركتهم ولما اشتد عليهم الكرب أمرهم السلطان بالهجوم على عدو الله وعدوهم فتصافحت السيوف مع السيوف واشتجرت الرماح مع الرماح واستحر القتل بين الفريقين واستبسل كل منهما غاية الاستبسال ولما رأى الملك المظفر شدة بأس عدوه ووفرة عدده وكثرة عدده خلع خوذته عن رأسه وألقى بها على الأرض وردد بصوته الأجش قوله وا اسلاماه وا اسلاماه فألهب قلوب جنوده بنار الإيمان وأضرم أفئدتهم بالحمية للإسلام فانقضوا على عدوهم انقضاض الشهب وما زالوا يناضلونه حتى خلخلوا صفوفه المتراصة وأوغلوا في جموعه المحتشدة فألقى الله الوهن في نفوس التتار وقذف في قلوبهم الرعب وما هي إلا ساعة وبعض الساعة حتى بدأ العدو يتأخر ثم طفق يتقهقر ثم ولد دبر فركب المسلمون ظهورهم وأعملوا السيوف في رقابهم ومزقوهم شر ممزق وبعد فلقد كان يوم عين جالوت أول يوم يغلب فيه الغالبون ويقهر فيه القاهرون ثم لم تقم لهم قائمة بعد ذلك وكان المملوك سيف الدين قطز أول رجل أذل له لاكو الجبار وكان الإسلام وما يزال عدة النصر للمسلمين وسبيل العزة للمؤمنين وصدق الله العظيم إذ يقول قل اللهم مارك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك من من تشاه وتعز من تشاه وتذل من تشاه بيدك الخير إنك على كل شيء قدير