بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله شداد بن أوسن الأنصار رضي الله عنه هذا الصحابي الجليل وعاء من أوعية العلم والحلم وعابد من عباد الصحابة وزاهد من زهاد الأنصار قد تشبع بحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وارتوى من دين الله القويم والتزم صراطه المستقيم إنه شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه نشأ شداد بن أوس في أسرة بذلت للرسول صلوات الله وسلامه عليه كل ما تستطيعه من تأييد ونصره وأعطته سائر ما تملكه من طاقة وعون فأبوه أوس بن ثابت كان أحد الرجال السبعين الذين بايعوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه ليلة العقبة وعاهدوه على أن يمنعوه هو ومن معه مما يمنعون منه نساءهم وأولادهم فبر أوس بن ثابت أبو شداد بما عاهد عليه الله وبذل في سبيل الإسلام جميع ما تملكه قواه وظل يجاهد إلى جانب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حتى استشهد يوم أحد مقبلا غير مدبر ومضى إلى جوار ربه راضيا مرضيا وعمه حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلوات الله وسلامه عليه والذائد عنه بلسان كان أحد على المشركين من مرهفات السيوف والمدافع عنه ببيان كان أشد على الكفار من وقع السهام في غبش الظلام وقد أتيح لشداد بن أوس فوق ذلك ما لم يتح لغيره من شبان المدينة فقد كتب لبيتهم شرف استضافة رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم واستضافة زوجها التقي النقي البر عثمان بن عفان ذ النورين وزوج البنتين وصاحب الهجرتين ذلك أن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه حين أخذ يؤاخي بين المهاجرين والأنصار اختار والد شداد بن أوس ليكون أخا لصهره عثمان بن عفان كما اختار أم شداد لتنزل ابنته رقية في جوارها فلقي عثمان وزوجته في كنف هذا البيت المؤمن من كريم الرعاية وعظيم العناية ما يليق بمنزلتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تيسر لشداد بن أوس بسبب صلته بالرسول صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العلم من أصفى مناهله وأغزر موارده حتى قال عنه أبو الدرداء رضي الله عنه إن لكل أمة فقيها وإن فقيها هذه الأمة شداد بن أوسن الأنصاري كما أتاحت له صلته بعثمان بن عفان رضي الله عنه أن يتمرس على العبادة والزهادة على يدي علم من أعلام التقا والصلاح فبلغ في هذا الميدان شأوا لم تبلغه إلا القلة القليلة من الصحابة الكرام ولم يحظ به إلا السابقون المقربون فقد روي عنه أنه كان إذا أوى إلى فراشه لينال قدرا من الراحة ظل يتقلب في مضجعه كأنه فوق نحاس محمي وهو يقول اللهم إن نار جهنم أقلقتني فما أستطيع أن أنام وأذهبت الكراع عن عيني فما أطيق أن أغفو ثم يقوم ويصلي حتى يسفر الصبح وقد كان شداد بن أوس أحد القلاء للذين جمعوا العلم إلى الحلم فقد كان عارفوه من الصحابة يقولون عنه إن من الناس من يؤتى علما ولا يؤتى حلما وإن منهم من يؤتى حلما ولا يؤتى علما وإن شداد بن أوس أوتي العلم والحلم معا وقد عرف الفاروق رضوان الله عليه تحلى به شداد بن أوس من نبيل الخلال وجليل المزايا فاستعمله واليا على حمص بعد أن تخلى عن ولايتها سعيد بن عامر فارتاح له أهلها وكانوا لا يرتاحون لأحد ولقد ظلي لأمورهم حتى استشهد عثمان رضوان الله عليه فتخلى عما أسند إليه أحس شداد بن أوس بعد مصرع الخليفة الشهيد أن الفتنة ذرت بقرنها بين المسلمين وخشي على نفسه من أن يدفع إلى المشاركة فيها دفعا فجمع أهله وأبنائه ونزح بهم عن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم غير قال لها ولا كاره وحط رحاله في فلسطين أرض القداسات ومسرى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وأقام في مرابع أول القبلتين وثالث الحرمين حتى عمر وشاخ غير أنه ظل مع ذلك شديد الحنين إلى مكة منبع النور كثير التشوق إلى المدينة مهاجر رسول الله صلوات الله وسلامه عليه فقال إن طلقت من أرض الشام أنا وصحب لي قاصدين البيت الحرام فإذا نحن بأخبية فيها فستاط كبير فقلت لأصحابي عليكم بصاحب هذا الفستاط فإنه سيد من سادات القوم فلما بلغنا الفستاط سلمنا فرد السلام رجل كان قائما هناك وما هو إلا قليل حتى خرج إلينا شيخ وقور جليل القدر فلما رأيناه هبناه مهابة لم نهب مثلها والدا قط ولا سلطانا فحيانا فرددنا التحية بأحسن منها فقال ما أنتم فقلنا نحن فتية فنظر إلينا في حنو وكأنما حركت كلمتنا أشجانه وقال وأنا تحدثني نفسي بأن أمضي إلى البيت الحرام وسأصحبكم إن شاء الله وأعان ثم نادا فخرج إليه من تلك الأخبية شباب كثير كأنهم النجوم الزهر فجمعهم وخطبهم وأوصاهم ثم قال يا بني لم تروا من الخير إلا أطرافه ولم تروا من الشر إلا أطرافه أيضا ولا يفتكم أن الخير كله بحذافيره في الجنة وأن الشر كله بحذافيره في النار وأن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر وأن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك عادل يأكل من الدنيا والآخرة بنون فكونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا أبناء الدنيا ثم أعلن لهم عزمه على الرحيل معنا إلى بيت الله الحرام فجعلوا ينتحبون بكاء على فراقه ويسألونه الرضا عنهم والدعاء لهم قال فتا مجاشع فقلت للواقفين حولي فقالوا هذا شداد بن أوس صاحب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وبن صاحبه وما هي إلا لحظات حتى دعلنا بالسويق وجعل يبسه لنا بيده ويطعمنا ويسقينا فلما أزف موعد الرحيل خرجنا معه ومضينا في طريقنا مرتفعا من الأرض ألقينا فيه رحالنا طلبا للراحة فقال لغلام من غلمانه اصنع لنا طعاما نتلهى به فعجبنا لكلمته هذه وأنكر عليه شاب منا قوله نتلهى به فندم على كلمته تلك وقال جزاكم الله عني خيرا ثم أتبع قائلا والأسى يصبغ وجهه والله ما تكلمت بكلمة منذ بايعت رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام إلا وأنا أراقبها قبل أن أفضي بها غير هذه فلا تحفظوها علي ولا تشيعوها عني وإنما حفظوا عني ما أرويه لكم فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا كنز الناس فكنزوا هذه الكلمات اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك يقينا صادقا وقلبا سليما وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم رضي الله عن شداد بن أوس وأرضاه وجعل جنات الخلد مثواه فلقد كان توابا أووابا حفيا بالخير بعيدا عن الشر مؤثرا لما يرضي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إن من الناس من يؤتى علما ولا يؤتى حلما وإن منهم من يؤتى حلما ولا يؤتى علما وإن شداد بن أوس أوتي العلم والحلم معا عارفوه من الصحابة