بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ كُنُوزُ السِّيرَةِ اللَّهُ ثَالِثُ هُمَا أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه عن أبي بكر رضي الله عنه قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم فقلت يا نبي الله لو أن بعضهم تأطأ بصره رآنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أسكت يا أبا بكر إثنان الله ثالثهما وفي لفظ ما ظنك يا أبا بكر بثنين الله ثالثهما ولما هدأت قريش في الطلب تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم للخروج من الغار ليتجه إلى المدينة وذلك أن عبدالله بن أبي بكر كان يأتيهما بالأخبار وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم رجل أجير وهو عبد الله بن أريقط كان دليلا للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وكان كافرا ومع هذا استعان به النبي صلى الله عليه وسلم ومنه قال أهل العلم تجوز الاستعانة بالكافر عند الحاجة إليه وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطا عبد الله بن أريقط الراحلتين وواعده في غار ثور بعد ثلاث ليال والنبي صلى الله عليه وسلم استأمنه وهو كافر وكان من الممكن أن يخبر قريشا بمكان النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ويأخذ المائة ناقا ولكنه ما استأمنه إلا لأنه كان أمينا فلما كانت ليلة الاثنين جاءهما عبد الله بن أريقط بالراحلتين وكانتا لأبي بكر فقال أبو بكر للرسول صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي يا رسول الله خذ إحدى راحلتين هاتين يعني لك وقرب إليه أفضلهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصاما يعني شيئا تربط به فلما ارتحلا ذهبت تعلق السفرة فإذا ليس لها عصام فشقت نطاقها قسمين فعلقت السفرة بأحد هذه القسمين وانتطقت بالآخر ومنها لقبت بذات النطاقين والنطاق هو ما يربط على البطن أخرج البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة وخل الطريق لا يمر فيه أحد فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأتي عليها الشمس فنزلنا عندها وسويت للنبي صلى الله عليه وسلم مكانا بيدي ينام عليه وبسطت عليه فروة وقلت نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك فنام وخرجت أنفض ما حوله فإذا أنا براع مقبل إلى الصخرة يريد منها مثل الذي أردنا فقلت له لمن أنت يا غلام فقال لرجل من أهل المدينة أو مكة قلت أفي غنم كلبا قال نعم قلت أفتحلب قال نعم فأخذ شاتا فقلت أنفض الضرع من التراب والشعر والقذا فحلب في كعب كثبة من لبا ومعي إداوة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوي منها يشرب ويتوض فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظ فوافقت حين استيقظ فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله فقلت إشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت ثم قال ألم يأين الرحيل قلت بلى قال فارتحلنا كنوز السيرة سراقة بن مالك يبحث عن المكافأة وتابع النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رجل يقال له سراقة بن مالك بن جعشم ويحدثنا سراقة بقصته قال بينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال يا سراقة إني رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه قال سراقة وعرفت أنهم هم فقلت له إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج فرسي من وراء أكمة فتحبسها علي فأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض وخفظت عالية حتى أتيت فرسي فخررت عليها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره قال فركبت فرسي وعصيت الأزلام حتى إذا اقتربت من النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر سمعت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر للتفات قال فساخت يدى فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهبت فلم تكد تخرج يديها فلم استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام مرة ثانية فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم كيف أن فرسي امتنعت أن سيظهر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وقلت له إن قومك قد جعلوا في كدية وعرضت عليه الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلى أن قال أخفي عنا فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي في رقعة من أدم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع سراقة بن مالك ووجد الناس في الطلب فجعل يقول لهم قد استبرأت لكم الخبر قد كفيتكم ماها هنا سبحان الله في أول الأمر يريد قتلهما يريد المكافأة وفي آخر النهار جعل يدافع عنهما ويخفي أمرهما فهذا من الله تبارك وتعالى كيف أنه يحفظ نبيه صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة خيمة أم معبد ومر النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره ذلك حتى أتى خيمة أمرأة يقال لها أم معبد فسألها النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر هل عندك شيء قالت والله ما عندنا شيء ما أعوزكم وكانت سنة شهبا فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى شات في كسر الخيمة فقال ما هذه الشات يا أم معبد قالت شات خلفها الجهد عن الغنم فقال هل بها من لبا قالت هي أجهد من ذلك فقال أتأذنين أن أحلبها قالت نعم بأبي وأمي إن رأيت بها حلبا فحلبها فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بيده ضرعها وسم الله ودعا فتفاجت عليه ودرت فدعا بإناء لها فحلب فيه حتى علته الرغوة فسقاها فشربت حتى رويت وسقا أصحابه أبا بكر وعامرا وعبد الله بن أوريقط حتى روا ثم شرب وحلب ثانية حتى ملأ الإناء ثم قطاه إياها وغادر صلى الله عليه وسلم بعد ذلك جاء زوج أمي معبد يسوق أعنزا عجافا ما فيها لبا فلما رأى اللبن عجب فقال من أين لك هذا والشات عازب ولا حلوبة في البيت فقالت لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك وذكرت له ما وقع فقال زوجها إني والله أرى أنه صاحب قريش الذي تطلبه صفيه لي يا أم معبد فوصفته بصفات فقال لها هذا والله من يبحث عنه أهل مكة وسمعت أشعار يقال إنها للجن جزى الله رضيه جزى الله رب العرش خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أمي معبدي هما نزلا بالبر وارتحلا به وأفلح من أمسى رفيق محمدي فيالق صي ما زوى الله عنكم به من فعال لا يجاز وسؤددي ليهنى بني كعب مكان فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصدي سلو أختكم عن شاتها وإناءها فإنكم إن تسألوا الشات تشهدي وفي يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول من السنة الرابعة عشرة من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى قباق قال عروة ابن الزبير سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة فانقلبوا يوما بعدما أطال انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم فبصر بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن نادى بأعلى صوته يا معاشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا الرسول صلى الله عليه وسلم فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمر بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم يجيئون أبا بكر يظنون أنه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل على نبي الله صلى الله عليه وسلم بردائه فعرف الناس أن هذا هو الرسول صلى الله عليه وسلم وبقي علي بن أبي طالب ثلاثة أيام يؤد الأمانات عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم هاجر ماشيا على قدميه أقام الرسول صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام على المشهور الأثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس أسس صلى الله عليه وسلم مسجد قباء وصلى فيه وهو أول مسجد أسس على التقوى ولما كان اليوم الخامس وهو يوم الجمعة ركب الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر الله له وأردف أبا بكر وأرسل إلى بن النجار وهم أخوال جده عبد المطلب فجاءوا متقل لدين سيوفهم فسار جهة المدينة فأدركته الجمعة في قرية لبني سالم بن عوف فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي وهذه أول جمعة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وبعد أن صلى الجمعة انطلق إلى داخل المدينة فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته وهم يقولون له يا رسول الله هل أم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة فكان يقول لهم خلوا سبيلها فإنها مأمورة فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوي فبركت فلم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلا ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول فنزل عنها النبي صلى الله عليه وسلم في بن النجار وكان من توفيق الله له فإنه أحب أن ينزل على أخواله ليكرمهم بذلك وهذه من صلة رحم فجعل الناس يكلمون الرسول صلى الله عليه وسلم في النزول إليهم فكل واحد منهم يأتي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول يا رسول الله أنزل عندي أسكن عندي فقام أبو أيوب بن الأنصاري وأخذ رحل النبي صلى الله عليه وسلم ثم دخل به إلى بيته فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال المرء مع رحله فجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلة النبي صلى الله عليه وسلم فقال والراحلة عندي وبعد أيام فقالت زوج النبي صلى الله عليه وسلم سوده وبنتاه فاطمة وأم كلثوم وكذلك أسامة بن زيد وأم أيمن وكل أولئك خرج معهم عبد الله بن أبي بكر ومعه كذلك أولاد أبي بكر الصديق وبقيت زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي العاص بن الربيع لم تستطع أن تهاجر معه لأنه كان على دين قومه كنوز السيرة بناء المسجد النبوي بعد أن استقر بالنبي صلى الله عليه وسلم المقام قام ببناء المسجد النبوي في المكان الذي بركت فيه الناقة وكان المكان لغلامين يتيمين فاشتراه وبنى المسلمون المسجد وشارك النبي صلى الله عليه وسلم في البناء بيديه الكريمتين عليه الصلاة والسلام وكان يقول وهو يبني معهم اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة فكان الأنصار يعملون مع النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون لأن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل وكان في ذلك المكان قبور للمشركين وكان فيه خرب ونخل فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت والخرب فسويت وبالنخل فقطعت وصفت في قبلة المسجد وكانت القبلة في ذلك الوقت إلى بيت المقدس لم يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوجه إلى مكة وبنا بجانب هذا المسجد بيوتا وهي الحجر بيوت أزواجه صلى الله عليه وسلم وبعد أن تكامل البنيان انتقل صلى الله عليه وسلم إلى تلك البيوت كنوز السيرة