بسم الله الرحمن الرحيم إنما يخشى الله من عباده العلماء سير الأئمة الأربعة أربع سير حافلة بالجمال والجلال أختصرت بعناية من الكتاب الفذ العظيم سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي رحمه الله من إعداد الشيخ محمد المهنى حفظه الله الإمام أبو حنيفة رحمه الله فقيه الملة عالم العراق الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي الكوفي مولى بني تيم الله بن ثعلبة يقال إنه من أبناء الفرس ولد سنة ثمانين في حياة صغار الصحابة ولم يثبت له حرف عن أحد منهم ورأى أنسى بن مالك رضي الله عنه لما قدم عليه ملكوفة روا عن عطاء بن أبي رباح وهو أكبر شيخ له وأفضلهم على ما قال وعن حماد بن أبي سليمان وبه تفقه وعن الشعبي ونافع مولى بن عمر وقطادة وعاصم بن بهدلة ومحمد بن المنكدر وهشام بن عروة وخلق سواهم حتى إنه روا عن شيبان النحوي وهو أصغر منه وعن مالك بن أنس وهو كذلك أصغر منه وعني بطلب الآثار وارتحل في ذلك وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه فإليه المنتهى والناس عيال عليه في ذلك حدث عنه خلق كثير ذكر منهم شيخنا أبو الحجاج المزي في تهذيبه هؤلاء إبراهيم بن طهمان عالم خراسان وحمزة الزيات وهو من أقرانه وأبو عاصم النبيل وعبد الرزاق وعلي بن مسهر القاضي وهو شيم ويزيد بن هارون والقاضي أبو يوسف وبنه حماد بن أبي حنيفة قال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة ولد جدي أبو حنيفة النعمان بن ثابت في سنة ثمانين وذهب أبوه ثابت إلى علي رضي الله عنه وهو صغير ودعى له بالبركة فيه وفي ذريته ونحن نرجو من الله أن يكون استجاب ذلك لعلي رضي الله عنه فينا قال النظر بن محمد كان أبو حنيفة جميل الوجه سري الثوب عطر الريح وقال أبو يوسف كان أبو حنيفة ربعه من أحسن الناس صورة وأبلغهم نطق وأعذبهم نغمة وأبينهم عما في نفسه وقال حماد بن أبي حنيفة كان أبي جميلا تعلوه سمرة حسن الهيئة كثيرة تعطر لا يتكلم إلا جوابا ولا يخوض رحمه الله فيما لا يعنيه وقال ابن المبارك ما رأيت رجلا أوقر في مجلسه ولا أحسن سمتا وحلما من أبي حنيفة وقال قيس بن الربيع كان أبو حنيفة ورعا تقي مفضلا على إخوانه وقال شريك كان أبو حنيفة طويل الصمت كثير العقل وقال يزيد بن هارون ما رأيت أحدا أحلم من أبي حنيفة وقال العجلي كان أبو حنيفة خزازا يبيع الخز والخز هو قماش ناعم يشبه الحرير وقال العجلي قال أبو حنيفة قدمت البصرة فظننت أني لا أسأل عن شيء إلا أجبت فيه فاسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب فجعلت على نفسي لا أفارق حماد بن أبي سليمان حتى يموت فصحبته ثمانية عشرة سنة وقال أحمد بن الصباح سمعت الشافعي قال قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة قال نعم رأيت رجلا لو كلّمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته وقال القاضي أبو يوسف بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلا يقول لآخر هذا أبو حنيفة لا ينام الليل فقال أبو حنيفة والله لا يتحدث عني بما لم أفعل فكان يحيي الليل صلاة وتضرع ودعاء وقال أبو عاصم النبيل كان أبو حنيفة يسمى الوتد لكثرة صلاته وقال مسعر بن كدام رأيت أبا حنيفة قرأ القرآن في ركعه وقال القاسم بن معن قام أبو حنيفة ليلة يردد قوله تعالى بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ويبكي ويتضرع إلى الفجر قال زيد بن كميت سمعت رجلا يقول لأبي حنيفة اتق الله فانتفض واصفر وأطرق وقال جزاك الله خيرا ما أحوج الناس كل وقت إلى من يقول لهم مثل هذا قال بشر بن الوليد طلب أبو جعفر المنصور أبا حنيفة فأراده على القضاء وحلف عليه ليليا القضاء فأبا وحلف إني لا أفعل فقال له الربيع الحاجب يا أبا حنيفة ترى أمير المؤمنين يحلف وأنت تحلف قال أمير المؤمنين على كفارة يمينه أقدر مني فأمر به إلى السجن فمات فيه ببغداد وقال مغيث بن بديل دع المنصور أبا حنيفة إلى القضاء فامتنع فقال المنصور أترغب عما نحن فيه فقال أبو حنيفة إني لا أصلح قال كذبت فقال فقد حكم أمير المؤمنين علي أني لا أصلح فإن كنت كاذبا فلا أصلح وإن كنت صادقا فقد أخبرتكم أني لا أصلح فحبسه وقال الفقيه أبو عبد الله الصيمري لم يقبل أبو حنيفة العهد بالقضاء فضرب وحبس ومات في السجن قال ابن المبارك أبو حنيفة أفقه الناس وقال يحيى بن سعيد القطان لا نكذب الله ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة وقد أخذنا بأكثر أقواله وقال علي بن عاصم لو وزن علم الإمام أبي حنيفة بعلم أهل زمانه لرجح عليهم وقال حفص بن غياث كلام أبي حنيفة في الفقه أدق من الشعر لا يعيبه إلا جاهل وقال الشافعي الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة قلت الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام وهذا أمر لا شك فيه وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليلي وسيرته تحتمل أن تفرد في مجلدين رضي الله عنه ورحمه سير شهيداً مسقيا أي أنه سقي السم ليموت في سنة خمسين ومائة وله سبعون سنة وابنه الفقيه حماد بن أبي حنيفة كان ذا علم ودين وصلاح وورع تام توفي حماد سنة ست وسبعين ومائة سير الأئمة الأربعة