رياض الصالح من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب أمر ولاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم والشفقة عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم قال الله تعالى واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين وقال تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القرب وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعذكم لعلكم تذكرون عن ابن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته وكلكم راع ومسؤول عن رعيته متفق عليه وعن أبي يعلى معقل ابن يسار رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة متفق عليه وفي رواية فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة وفي رواية لمسلم ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة يسترعيه أي يفوض إليه رعاية وسياسة رعيته غاش أي خائن لهم ومضيع لحقوقهم حرم الله عليه الجنة أي لا يدخلها مع الفائزين أول الأمر أو مطلقا إن استحل غش المسلمين وخيانتهم لم يحطها ولم يصنها ويحافظ على حقوقها لا يجهد لهم أي لا يتعب من أجلهم من فوائد الحديث الأصل في ولاة الأمور بذل الجهد في النصح للأمة والأخذ بيدها إلى طاعة الله تعالى وإعانتهم على إقامة شرع الله تعالى في أنفسهم وأهليهم تحذير أكيد ووعيد شديد لأمة الجور ممن ضيع حقوق رعيته وغش قضايا أمته وأحلها دار البوار وعن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فرفق به رواه مسلم شق عليهم أي ضيق وشدد عليهم بغير حق في القول أو الفعل فرفق أي لان لهم وعطف عليهم ورعى حقوقهم قولا أو فعلا من فوائد الحديث الجزاء من جنس العمل فإذا شق الحاكم على أمته وضيق عليهم أوقعه الله في مشاق الدنيا بتسليق الأعاد عليه وأخرى بأنواع التعذيب حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على سلامة أمته من بعده وشفقته عليهم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هنك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعد وسيكون بعد خلفاء فيكثرون قالوا يا رسول الله فما تأمرنا قال أوفوا ببيعة الأول فالأول ثم أعطوهم حقهم واسألوا الله الذي لكم الله سائلهم عما استرعاهم متفق عليه تسوسهم أي ترعى شؤونهم فيكثرون أي يكثر عددهم أوفوا ببيعة الأول أي يلزموا بيعته وأدوا حق طاعته بقتال من بغى عليه وخرج عن طاعته من فوائد الحديث لا بد للرعية من قائم يقوم بأمرها ويحملها على الطريق المستقيم ويكفيها شر الظالمين قلوا الأمر في هذه الأمة هم الخلفاء والعلماء لأنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم فهم الذين يسوسون الأمة ويرعونها ويحيطونها بالنصح والإرشاد للرعية الحق أن يسألوا حكامهم الرفق بهم وبذل الجهد في رعاية مصالحهم تقديم أمر الدين على أمر الدنيا لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بتوفية حق السلطان لما فيه من إعلاء كلمة الدين وكف الفتنة البيعة لا تجب إلا لإمام جماعة المسلمين لا يجوز عقد البيعة لخليفتين في آن واحد وإنما تجب للأول فمن قام ينازعه وجب ضرب عنقه كائنا من كان عظيم مسؤولية الإمام فإن الله سيسأله عما عمل في ولايته وعرعيته هذا الحديث من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم ففيه إخبار عما سيقع في هذه الأمة من كثرة الأمراء واختلافهم وتنازعهم وعن عائذ بن عمر رضي الله عنه أنه دخل على عبيد الله بن زياد فقال له أي بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن شر الرعاء الحطمة فإياك أن تكون منهم متفق عليه وعن أبي مريم الأزدي رضي الله عنه أنه قال لمعاوية رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة فجعل معاوية رجلا على حوائج الناس رواه أبو داوود والترمذي فاحتجب أي أعرض عن مصالحهم وتوارى عن مطالبهم ومنع أصحاب الحاجات من الوصول إليه خلتهم أي الحاجة والفقر من فوائد الحديث الجزاء من جنس العمل فمن احتجب عن العباد احتجب الله عنه يوم التناد تحذير الحكام من الإعراض عن تحقيق مصالح رعية ومنعهم من الوصول إليهم لأن الناس يحتاجون لإمام يدفع عنهم الظلم ويرجع الحقوق لأصحابها ويسد خلاتهم سرعة استجابة الصحابة للالتزام بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشدة خوفهم من لقاء الله فهذا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما عندما بلغه هذا الحديث سارع إلى وضع رجل على حوائج الناس ليقضيها وينظر فيها خبر الواحد حجة بنفسه ولذلك عمل به معاوية رضي الله عنه الحديث فيه دلالة على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة فإن الله سبحانه وتعالى لما احتجب عن أعدائه فلم يروا تجلى لأوليائه حتى رأوه ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وهذه الآية استدل بها الشافعي رحمه الله على هذه المسألة باب الوال العادل قال الله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وقال تعالى وأقسطوا إن الله يحب المقسطين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سبعة يضلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله تعالى ورجل قلبه معلق في المساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه متفق عليه وعن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المقصقين عند الله على منابر من نور الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وماولوا رواه مسلم في حكمهم أي في قضائهم وماولوا أي ما جعل تحت سلطانهم وتصرفهم من فوائد الحديث فضل العدل والحث عليه المسؤولية في المجتمع المسلم مشتركة ومسألة الحكم تتعدى إلى كل ولاية كبيرة أو صغيرة حتى تصل إلى رعاية الرجل لأهله والمرأة لبيتها منزلة العادلين عظيمة عند الله يوم القيامة تفاوت منازل أهل الإيمان يوم القيامة كل بحسب عمله وعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قال قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة لا ما أقاموا فيكم الصلاة رواه مسلم قوله تصلون عليهم تدعون لهم من فوائد الحديث لا بد للأمة من إمام عادل أو فاجر فأما العادل فأمره بين وأما الفاجر فإن الله ينصر هذا الدين بالرجل الفاجر وبه تقام الحدود وتؤمن السبل ويجاهد العدو ويقسم الفي حثوا ولاة الأمور على العدل في الراعية لتتحقق الألفة بينهم حثوا الناس على طاعة ولاة الأمور في غير معصية عدم جواز الخروج على طاعة الحكام مادام يقيمون شعائر الإسلام ولا يجاهرون بالكفر استحباب الدعاء للحاكم المؤمن بالتوفيق والسداد والذي فيه انحراف بالهداية والرشاد دعاءً مطلقا لا يخصص بخطبة الجمعة أو العيدين فإن هذا بدعة استحدثها الأمراء للاستيثاقي من بقاء الراعية في قبضتهم بيان أهمية الصلاة وأنها عمود الدين وأحد أركانه وعن عياض بن حمال رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقصط موفق ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربا ومسلم وعفيف متعفف ذوعيال رواه مسلم من أراد الله تعالى به خيرا من الولاه وفقه للعدل بين الراعية والإحسان إليها والنصح لها الحث على معاملة جميع الناس برفق ولطف فضل التعفف عن السؤال وتحصيل الرزق بالاكتساب العدل والإحسان والعفة من مكارم الأخلاق التي توجب الجنة رياض الصالحين