بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ قصة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز المقدمة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد فإن قصة يوسف من أحسن القصص التي قصها الله علينا في القرآن الكريم والتي قال في مطلعها نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن قال الطاهر بن عاشور رحمه الله وجعل هذا القصص أحسن القصص لأن بعض القصص لا يخلو عن حسن ترتاح له النفوس وقصص القرآن أحسن من قصص غيره من جهة حسن نظمه وإعجاز أسلوبه وبما يتضمنه من العبر والحكم فكل قصص في القرآن هو أحسن القصص في بابه وكل قصة في القرآن هي أحسن من كل ما يقصه القاص في غير القرآن وليس المراد أحسن قصص القرآن حتى تكون قصة يوسف عليه السلام أحسن من بقية قصص القرآن كما دل عليه قوله بما أوحينا إليك هذا القرآن والباء فيه بما أوحينا إليك للسببية متعلقة بنقص فإن القصص الوارد في القرآن كان أحسن لأنه وارد من العليم الحكيم فهو يوحي ما يعلم أنه أحسن نفعا للسامعين في أبدع الألفاظ والتراكيب فيحصل منه غذاء العقل والروح وابتهاج النفس والذوق مما لا تأتي بمثله عقول البشر وقصة يوسف تناولت عدة مشاهد منها ما يتعلق بيوسف وأبي ومنها ما يتعلق بيوسف وإخوته ومنها ما يتعلق بيوسف ومرأة العزيز وفي هذه السلسلة سأتناول بإذن الله المشاهد المتعلقة بيوسف ومرأة العزيز والتي تناولها القرآن في ثلاثة مشاهد الأول مراودة مرأة العزيز ليوسف الثاني مكر مرأة العزيز بنساء المدينة الثالث اعتراف مرأة العزيز بخطائها والهدف من استعراض قصة يوسف مع مرأة العزيز هو أخذ العبرة من أحداثها واستثمارها في حياتنا المعاصرة كما قال سبحانه في آخر السورة لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصي لكل شيء وهدى ورحمة وهدى ورحمة لقوم يؤمنون قال محمد رشيد رضا رحمه الله وليس القرآن تاريخا ولا قصصا وإنما هو هداية وموعظة فلا يذكر قصة لبيان تاريخ حدوثها ولا لأجل التفكه بها أو الإحاطة بتفصيلها وإنما يذكر ما يذكره لأجل العبرة كما قال تعالى لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب وبيان سنن الاجتماع كما قال قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين وقال سنة الله التي قد خلت في عباده وغير ذلك من الآيات وأخذ العبرة من القصة يبعدنا عن الانشغال بتفاصيل لم يذكرها الله لنا لأنه لو كان لنا فيها عبرة لأخبرنا الله بها قال محمد رشيد رضا رحمه الله والحوادث المتقدمة منها ما هو معروف والله تعالى يذكر من هذا وذاك ما شاء أن يذكر لأجل العبرة والموعضة فيكتفي من القصة بموضع العبرة ومحل الفائدة ولا يأتي بها مفصلة بجزئياتها التي لا تزيد في العبرة بل ربما تشغل عنها إن كتابة الأدباء للقصة اليوم يختلف عن الأسلوب القرآني في ذكر القصص فالأدباء قد يحرصون على ذكر تفاصيل صغيرة جدا في القصة من باب جذب القارئ لكن القرآن يذكر مواطن العبرة من القصة بأسلوب عظيم لا يدانيه أحد من الأدباء والقصاص قال أبو زهرة رحمه الله فالمقصود من قصص القرآن العبرة والاعتبار لا سرد وقائع وامتاع الناس بسردها وتفصيلها عبرة لأولي الألباب ولذلك يقصد المولى الكريم إلى موضع العبرة فيجليه وإلى مكان الاستبصار فيبينه وتلك أقوم السبل التربية بالتاريخ والتثقيف بأحوال السابقين وهذه العبرة يعتبر بها العاقل في معرفة مآلات أفعاله أو أفعال غيره ليتسنى له تصحيح مسار حياته ونصح غيره من أحبابه وأصحابه قال السعدي رحمه الله لقد كان في قصصهم أي قصص الأنبياء والرسل مع قومهم عبرة لأولي الألباب أن يعتبرون بها أهل الخير وأهل الشر وأن من فعل مثل فعلهم ناله ما نالهم من كرامة أو إهانة ويعتبرون بها أيضا ما لله من صفات الكمال والحكمة العظيمة وأنه الله الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له وقال محمد رشيد رضا رحمه الله إن محاولة جعل قصص القرآن ككتب التاريخ بإدخال ما يرون فيها على أنه بيان لها هي مخالفة لسنته وصرف للقلوب عن موعظته وأيضاعة لمقصده وحكمته فالواجب أن نفهم ما فيه ونعمل أفكارنا في استخراج العبر منه ونزع نفوسنا عما ذمه وقبحه ونحملها على التحلي بما استحسنه ومدحه فما العبر المستفادة من قصة يوسف مع مرأة العزيز هذا ما سنتناوله إن شاء الله في المقالات القادمة قصة يوسف مع مرأة العزيز