بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ كُنُوزُ السِّيرَةِ إِعَادَةُ بِنَاءِ الكَعْبَةِ لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الخامسة والثلاثين من عمره وقع أمرٌ مهم وهو أن قريشاً قررت إعادةَ بِنَاءِ الكَعْبَةِ لأن الكعبة قد تساقطت بعضُ حجارتها وكان قد جاءها سيلٌ شديد أثّر في بنيانها كثيرة واختلفوا هل يرمّمون البيت أو يهدمونه ويبنونه من جديد فمن قائل يهدم ويبنى من جديد ومن قائل بل يرمّم لأنهم خشوا إذا هدموا البيت أن يصابوا بأذى لأن ما حدث لأبرهة قريبٌ جدا وكثيرٌ منهم قد عاصر ورأى ما وقع لأبرهة وجيشه حين أرادوا ذلك البيت المقدس فقام الوليد بن المغيرة وقال والله لنهدمنه ولنبنينه من جديد فقالوا إنا نخاف أن نصاب بأذى فقال وأي أذى وأنتم إنما أردتم الخير قالوا فابدأ أنت فجاء الوليد إلى الكعبة رفع الفأس وقال اللهم لن ترع يعني لا تخف يا رب لا نريد إيذاءك وإنما نريد الخير وهذا لا شك يدل على جهلهم بالله تبارك وتعالى فضرب ثم انتظر فلم يصب بأذى فقال أيها الناس اهدموا فقالوا لا حتى تصبح وأنت سليم فلما أصبح وإذ لم يصب بأذى فقاموا جميعا فهدموا بيت الله الحرام ولكنهم لما أرادوا إعادة بنائه قالوا لا يدخل في بنائه إلا مال طيب فلا يقبل مال ربا ولا ميسر ولا مهربغي ولا مال مسروق وهذا شيء عجيب فهم على حياتهم يعرفون المال الحلال من المال الحرام وقدر الله أن المال الحلال الذي جمعوه كان قليلا لم يكفي لبناء الكعبة فبنوا الكعبة على ما هي عليه الآن ثم جعلوا هذا القوس الذي نراه والذي يسميه كثير من الناس حجر إسماعيل وليس لإسماعيل صلى الله عليه وسلم حجر أو الجدر كما كان يسميه أهل مكة أو الحطيم وهذا الحجر ستة أذروع منه تعتبر من الكعبة ولذلك إذا أردنا أن نطوف حول الكعبة لا يجوز لنا أن نطوف من داخل الحجر لأننا مطالبون أن نطوف حول الكعبة لا أن نطوف في الكعبة وكان للكعبة بابان بابا واحدا وكان الباب ملاصقا للأرض فرفعوه حتى يدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا وقد سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجدر أمن البيت هو قال نعم قالت فما لهم لم يدخلوه في البيت قال إن قومك قصرت بهم النفقة قالت فما شأن بابه مرتفعا قال فعلى ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ولولا أن قومك حديثوا عهد بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه بالأرض وذلك من النبي صلى الله عليه وسلم عين الحكمة كيف إن قريشا ستقول انظروا إلى محمد صلى الله عليه وسلم يدعي أنه مرسل من الله أول ما فتح مكة هدم بيت الله ولذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن من الحكمة أن يؤخر هذا الأمر ولكن هل تأخر هذا الأمر كثيرا لا لم يتأخر كثيرا ففي خلافة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه سنة 65 من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أو سنة 64 قام عبد الله بن الزبير فأدخل الحجرة في الكعبة ووسع الكعبة وأطال بنيانها وأنزل الباب إلى الأرض وجعل للكعبة بابين كل ذلك كما أراده النبي صلى الله عليه وسلم قال عطا إن عبد الله بن الزبير جمع الناس فقال يا أيها الناس أشيروا علي في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهي منها فقال ابن عباس فإني قد فرق لي رأي فيها أرى أن تصلح ما وهي منها وتدع بيتا أسلم الناس عليه وبعث عليها النبي صلى الله عليه وسلم فقال ابن الزبير لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجده فكيف ببيت ربكم إني مستخير ربي ثلاثا ثم عازم على أمري فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها فتحا ماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد إليها أمر من السماء فصعد رجل وألقى من البيت حجارة فلما لم يرى الناس أنه أصابه شيء تتابعوا فنقضوا البيت حتى بلغوا به الأرض فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه وقال ابن الزبير إني سمعت عائشة رضي الله عنها تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع ولجعلت لها بابا يدخل الناس منه وبابا يخرجون منه قال عبد الله ابن الزبير فأنا اليوم أجد ما أنفق ولست أخاف الناس فزاد فيه خمسة أذرع كما أراد النبي صلى الله عليه وسلم من الحجر حتى أبدأ نظر الناس إليه أساس إبراهيم صلى الله عليه وسلم فبنى عليه البناء وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعا فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشرة أذرع فابن الزبير زادها طولا وعرضا رضي الله عنه وجعل للكعبة بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه فلما قتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين من الهجرة على يد الحجاج ابن يوسف الثقفي كتب الحجاج إلى عبد الملك ابن مروان يخبره بذلك ويخبره أن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة فكتب إليه عبد الملك إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء أما ما زاد من طوله فآقره وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه وسد الباب الذي فتحه فنقضه وأعاده إلى بنائه وهذا أمر عجيب فعبد الله ابن الزبير رضي الله عنه نفذ وصية النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الملك ابن مروان لم استخلف ظن أن عبد الله ابن الزبير إنما زاد هذا من عند نفسه فأمر بنقضه وأعاد الكعبة كما كانت زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقد وفد الحارث ابن عبد الله عبد الملك ابن مروان فقال عبد الملك ما أظن أبا خبيب يعني عبد الله ابن الزبير سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها فقال الحارث بلى أنا سمعته منها فقال عبد الملك سمعتها تقول ماذا قال قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قومك استقصروا من بنيان البيت ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه فإن بدى لقومك من بعد أن يبنوه فهل أمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع وأنه كذلك ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض شرقيا وغربيا وهل تدريين لمكان قومك رفع الباب قالت قلت لا قال تعززا ألا يدخلها إلا من أرادو فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط فقال عبد الملك للحارث أنت سمعتها تقول هذا قال نعم فنكت عبد الملك ساعة بعصاه ثم قال وددت أني تركته وما تحمل وفي رواية لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى ابن الزبير رضي الله عنه وفي عهد الدولة العباسية في خلافة المهدي أراد الخليفة أن يعيد بناء الكعبة وأن يدخل الحجر فيها مرة ثانية فسأل الإمام مالكا قال ما تقول فقال الإمام مالك لا تفعل قال لما قال أخشى أن يتخذه الملوك لعبة هذا يهدم وهذا يبني فتركه الخليفة وبقي البيت على حاله إلى يومنا هذا فإن قال قائل سنعيده الآن ونبنيه كما أراد النبي صلى الله عليه وسلم فنقول هذا مصيره إلى العلماء يجتمعون ثم ينظرون الأمر فإن رأوا ذلك فالأمر إليهم قال تعالى ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم كنوز ذكاء وفطم بعد أن بنت قريش الكعبة تنازعوا في من يضع الحجر الأسود في مكانه فكل يريد أن يتشرف بوضعه فقالوا نحكم فينا أول داخل علينا فقدر الله تبارك وتعالى أن يكون أول داخل عليهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا هذا الأمين فنزع رداءه وطلب من رؤساء القبائل أن يحمل كل واحد منهم من طرف حتى أوصلوا الحجر إلى الكعبة فحمله النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة ووضعه في مكانه وقد جاء في الحديث نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن وقدته خطايا بني آدم كنوز السيرة