بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله العلاء بن الحضربي رضي الله عنك لا ذا المرتدون الفارون بحما جزيرة دارين وتحصنوا بأمواج البحر التي تحيط بها احاطة السوار بالمعصم ثم أرخوا لأنفسهم أعنتها وأخلدوا إلى مهاد والطمأنينة وأغفلوا الحيطة والحذر ذلك لأنهم كانوا على يقين بأن جند المسلمين النابتين في بطن الصحراء لم يعرفوا ركوب البحار ولم يألفوا متون السفن زد على ذلك أنهم لا يملكون شيئا منها لكن العلاء بن الحضربي كان قد أضمر في نفسه أمرا عظيما خطيرة لم يفكر فيه قائد ولا خطر لأحد من المسلمين على بال لقد عقد العزم على غزو دارين والظفر بالمرتدين المعتصمين بأسوار الماء لم يكن العلاء يجهل أن جنوده أبناء الصحراء يهابون البحر أعظم الهيبة ويخشون مخاطره أشد الخشية ولم يكن في حاجة إلى من يذكره بأنه لا يملك سفينة واحدة ينقل فيها جنديا واحدا من جنوده فكيف إذا كان يحتاج إلى أسطول ضخم ليحمل عليه هذا الجيش الكبير كله كما يحتاج إلى جسور متحركة ليعبر فوقها هو ومن معه إلى اليابسة إن هذا كله كان يعرفه العلاء بن الحضربي ويعرف معه أيضا أن جزيرة دارين تبعد عن شواطئ البحرين مسافة تقطعها السفن الشراعية في يوم وليلة وعلى الرغم من ذلك كله فإنه لم يتردد لحظة واحدة فيما عقد العزم عليه ولما أشبع العلاء الخطة بينه وبين نفسه بحثا ودرسا وأوسعها تدبيرا وتقديرا جمع عسكره ووقف فيهم خطيبا فحمد الله تعالى حق الحمد وأثنى عليه أجل الثنا وصلى على نبيه محمد أكمل الصلاة وسلم عليه أزكى السلام ثم أخبر الجيش بما عزم عليه من عبور البحر وغزو المرتدين اللائذين بدارين المتحصنين وراء أسوار الماء ثم أدار عينيه في وجوه الجند فوجد مائة سؤال تلوح على شفاههم وتكاد تنطلق من أفواههم فأوصد في وجوههم أبواب القول حتى أن تبدر من أحدهم كلمة توهن العزائم وتثير الشكوك فأتبع يقول لا تقولوا كيف لنا ذلك وقد أراكم الله من آياته في البر ما لو تدبرتموه لأيقنتم بما ينتظركم من آياته في البحر لا تقولوا كيف والله معكم ألم يملأ لكم الغدير بالماء العذب النمير في قلب صحراء الدهنى فرواكم من عطش وأنقذكم من هلكة ألم يرد إليكم الإبل الشاردة في القفار الهائمة في الفيافي فرأيتموها بأعينكم وكأن ملائكة الرحمن تحفوها بأجنحتها وتسوقها إلى مواطئ أقدامكم سوقا دون أن تفقدوا صاعا من الزاد الذي فوق ظهورها أو جرعة من الماء الذي على متونها فأطعمكم من جوع وأمنكم من خوف وأنقذكم من هلاك إن الله الذي أجاب دعوتكم حين دعوتموه في جوف الصحراء مخبتين راجين واثقين سيجيب دعوتكم بفضله حين تدعونه وأنتم تعبرون اليم للقاء عدوه صادقين مخلصين ثم انهى كلامه قائلا أعدوا أنفسكم وامضوا إلى لقاء عدو الله وعدوكم فظهور رئب لكم وخيلكم وعبروا على متونها ماء الخليج على بركة الله وتوفيقه فما كان منهم إلا أن قالوا بصوت واحد نعم نعم نفعل ما أمرتنا به أيها القائد الملهم والله لا نهاب بعد الدهناء شيئا إلا الله ركب الكمات الأشاوس صهوات الجياد الصافنات ومتون كريمات وتوجهوا نحو شاطئ البحر فلما غمسوا أقدام رواحلهم في الماء رفع القائد التقي النقي المؤمن كفيه إلى السماء وقال لجنده رددوا معي ثم قال يا أرحم الراحمين يا صمد يا قوي يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك عليك توكلنا وبقدرتك استعنا وبطولك اعتصمنا ثم عبر البحر أمامهم وأمرهم بالعبور وراءه فتبعوه وكان الخليج يومئذ في أوان هدوئه وجزره فجعلت الخيل والإبل تسبح فوق مائه الساجي كأنها تمشي على رملة دمثة يغطيها قليل من الماء ولما بلغ الجيش شواطئ دارين وثب الجند على البر وثوب الأسود على فرائسها وجردوا سيوفهم البتارة من أغمادها ومضوا يحصدون رؤوس أعداء الله حصدا وذهل المرتدون عن أنفسهم وعما حولهم ودهشوا لهول المفاجأات المرعبة وحاروا في أمر هؤلاء القوم فما يدرون أهبطوا عليهم من السماء ونبعوا لهم من الأرض إذ لم يكن في وسعهم أن يتصوروا مجرد تصور أنهم جاءوهم من البحر وفي يوم وليلة طهر العلاء وجنده الجزيرة من المرتدين شبرا شبرا وذراعا ذراعا ومسحوها من الشاطئ إلى الشاطئ جيئة وذهابا وذلك بعد أن قتلوا الرجال وسبوا الذراري والنساء والأموال والأنعام ثم قسم القائد المظفر الغنائم بين جنوده فأصاب كل فارس ألفين ولم يفقد المسلمون في عبورهم البحر رجلا ولا حصانا ولا جملا سوى عليقة فرس لرجل من المسلمين فرجع العلاء إليها بنفسه وأعادها لصاحبها هذا ولقد مر الجيش المؤمن في بعض طريقه من النصار هجر فاستأذن الراهب على ابن الحضرمي في أن يصحبهم ويحتمي بهم فأذن له فلم انتهت رحلة الجيش الضافر إلى من انتهت إليه من جهد وجهاد ونصر مؤزر وما وقع له في أثنائها من أهوال وأحداث وما أسبغه الله عليه من عون وفضل اهتزت مشاعر الراهب الخامدة واستيقظ إيمانه الغافي فأعلن إسلامه أمام الجيش وقائده ولما عاد إلى قومه قالوا له ويحك ما الذي حملك على أن تترك دينك وتعتنق الإسلام فقال ثلاثة أمور ولقد خشيت أن يمسخني الله بعدها إذا أنا لم أسلم فقالوا وما هي فقال ما سمعته من دعائهم في السحر وفيضان الماء لهم في رمال الصحراء التي لا ماء فيها ولا شجر وتذليل أمواج البحر تحت أقدامهم فأيقنت بأنهم لم يعانوا بالملائكة إلا وهم على حق وأنهم على حق نضر الله وجه العلاء ابن الحضرمي فقد عاش مجاهدا بلسانه وسنانه وسيظل على الأيام أول قائد مسلم إعلاء لكلمة الله في الأرض