بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله بلال بن رباح رضي الله عنه لبلال بن رباح مؤذن الرسول صلوات الله وسلامه عليه سيرة من أروع سير النظال في سبيل العقيدة وقصة لا يمل الزمان من ترديدها ولا تشبع الأذان من سحر نشيدها ولد بلال في السراة قبل الهجرة بنحو 43 سنة لأب كان يدعى رباحا أما أمه فكانت تدعى حمامة وهي أمة سوداء من إماء مكة ولذا كان بعض الناس يدعونه بابن السوداء نشأ بلال في أم القرى وكان مملوكا لأيتام من بني عبد الدار أو صابهم أبوهم إلى أمية بن خلف أحد رؤوس الكفر ولما أشرقت مكة بأنوار الدين الجديد وهتف الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بكلمة التوحيد كان بلال من السابقين الأولين إلى الإسلام فقد أسلم ولم يكن على ظهر الأرض من مسلم إلا هو بضعة نفر من السابقين الأولين على رأسهم خديجة بنت خويلد أم المؤمنين وأبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وأمه سمية وصهيب الرومي والمقداد بن الأسود وقد لقي بلال من أذى المشركين ما لم يلقه سوا وعانى من قسوتهم وبطشهم وغلظ قلوبهم ما لم يعانه غيره وصبر هو ومن معه من المستضعفين على الابتلاء في سبيل الله كما لم يصبر أحد فلقد كانت لأبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب عصبية تمنعهما وقوم يحمونهما أما أولئك المستضعفون من الأرقاء والإماء فقد نكلت بهم قريش أشد التنكيل فلقد أرادت أن تجعلهم عبرة عبرة لمن تحدثه نفسه بنبذ آلهتهم واتباع محمد وقد تصدى لتعذيب هؤلاء طائفة من أغلظ كفار قريش كبدا وأقساهم قلبا فلقد باء أبو جهل أخزاه الله بإثم سمية فوقف عليها يسب ويرفث ثم طعنها برمحه طعنة دخلت من أسفل بطنها وخرجت من ظهرها فكانت أول شهيدة في الإسلام وأما الآخرون من إخوتها في الله وعلى رأسهم بلال بن رباح فقد أطالت قريش تعذيبهم كانوا إذا توسطت الشمس كبدا السماء والتهبت رمال مكة بالرمضاء ينزعون عنهم ثيابهم ويلبسونهم دروع الحديد ويصهرونهم بأشعة الشمس المتقدة ويلهبون ظهورهم بالسياط ويأمرونهم بأن يسبوا محمدا فكانوا إذا اشتد عليهم التعذيب وعجزت طاقاتهم عن تحمله يستجيبون لهم فيما يريدونه منهم وقلوبهم معلقة بالله ورسوله إلا بلالا رضي الله عنه وأرضاه فقد كانت نفسه تهون عليه في الله عز وجل وكان الذي يتولى كبر تعذيبه أمية بن خلف وزبانيته لقد كانوا يلهبون ظهره بالسياط فيقول أحد أحد ويطبقون على صدره الصخور فينادي أحد أحد ويشتدون عليه في النكال فيهتف أحد أحد كانوا يحملونه على ذكر الله والعز فيذكر الله ورسوله ويقولون له قل كما نقول فيجيبهم إن لساني لا يحسنه فيلجون في إيذائه ويمعنون في تعذيبه وكان الطاغية الجبار أمية بن خلف إذا مل من تعذيبه طوق عنقه بحبل غليض وأسلمه إلى السفهاء والولدان وأمرهم أن يطوفوا به في شعاب مكة وأن يجروه في أباطحها فكان بلال رضوان الله عليه يستعذب العذاب في سبيل الله ورسوله ويردد على الدوام نشيده العلوي أحد أحد أحد أحد فلا يمل من ترداده ولا يشبع من إنشاده وقد عرض أبو بكر الصديق رضوان الله عليه على أمية بن خلف أن يشتريه منه فأغلى به الثمن وهو يظن أن أبا بكر لا يأخذه فاشتراه منه بتسع أواق من الذهب فقال له أميت بعد أن تمت الصفقة لو أبيت أخذه إلا بأوقية لبيعته فقال له الصديق لو أبيت بيعه إلا بمئة لاشتريته ولما أخبر الصديق الرسول صلوات الله وسلامه عليه باشترائه بلالا وإنقاذه من أيدي معذبيه قال له النبي عليه الصلاة والسلام الشركة يا أبا بكر أي شاركني فيه فقال له الصديق رضوان الله عليه لقد أعتقته يا رسول الله ولما أذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة هاجر بلال رضوان الله عليه في جملة من هاجر ونزل هو والصديق وعامر بن فهر في بيت واحد فأوصيبوا بالحمى جميعا فكان بلال إذا أقلعت عنه الحما رفع عقيرته وجعل يترنم بصوته العذب قائلا ألا لي تشعري هل أبيتن ليلة بفخ وحول إذخر وجليل وهل أرد يوما مياهم جنة وهل يبدوا لي شامة وطفيل ولا عجب إذا حن بلال إلى مكة وشعابها واشتاق وديانها وجبالها فهناك ذاق حلاوة الإيمان وهناك استعذب العذاب في جنب الله وهناك انتصر على نفسه وعلى الشيطان استقر بلال في يثرب بعيدا عن أذاق ريش وتفرغ لنبيه وحبيبه محمد صلوات الله وسلامه عليه فكان يغدو معه إذا غدا ويعود معه إذا عاد ويصلي معه إذا صلى ويغزو معه إذا غزى حتى أصبح ألزم له من ظله ولما شيد الرسول صلوات الله وسلامه عليه مسجده في المدينة وشلع الأذان كان بلال أول مؤذن في الإسلام وكان إذا فرغ من الأذان وقف على باب بيت الرسول عليه الصلاة والسلام وقال حي على الصلاة حي على الفلاح فإذا خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من حجرته ورآه بلال مقبلة ابتدأ بالإقامة وقد أهدى النجاشي ملك الحبشة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ثلاثة رماح قصيرة من نفائس ما يقتنيه الملوك فاحتفظ لنفسه بواحد منها وأعطى عري بن أبي طالب واحدة وأعطى عمر بن الخطاب واحدة ثم اختص برمحه بلال فجعل بلال يسعى به بين يديه أيام حياته كلها فكان يحمله في العيدين وفي صلوات الاستسقاء ويركزه أمامه إذا أوقيمت الصلاة في غير المسجد ولقد شهد بلال مع نبيه بدرا وأرى بعينيه كيف أنجز الله وعده ونصر جنده وشهد مصارع الطغاة الذين كانوا يعذبونه سوء العذاب وأبصر أبا جهل وأمية بن خلف صريعين تنوشهما سيوف المسلمين وتنهر من دمائهما رماح المعذبين ولما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة فاتحة على رأس كتيبته الخضراء كان معه داع السماء بلال بن رباح وحين دخل الكعبة المعظمة لم يكن في صحبته إلا ثلاثة رجال هم عثمال بن طلحة حامل مفاتيح الكعبة المشرفة وأوسامة بن زيد حب رسول الله وبن حبه وبلال بن رباح مؤذن رسول الله ولما حانت صلاة الظهر كانت الألوف المؤلفة تحيط بالرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه وكان الذين أسلموا من كفار قريش طوعا أو كره يشهدون ذلك المشهد الكبير عند ذلك دعى الرسول صلى الله عليه وسلم بلال بن رباح وأمره أن يصعد على ظهر الكعبة وأن يعلن من فوقها كلمة التوحيد فصدع بلال بالأمر وأرسل صوته الجهير بالأذان فامتدت آلاف الأعناق نحوه تنظر إليه وانطلقت آلاف الألسن تردد وراءه في خشوع أما الذين في قلوبهم مرض فقد أخذ الحسد ينهش قلوبهم نهشا وجعلت الضغينة تمزق قلوبهم تمزيقا فما إن وصل بلال في الأذان إلى قوله أشهد أن محمد رسول الله حتى قالت جويرية بنت أبي جهل لعمري لقد رفع الله لك ذكرك أما الصلاة فنصلي ولكننا والله ما نحب من قتل الأحبة وكان أبوها قد قتل في بدر وقال خالد بن أوسيد الحمد لله الذي أكرم أبي فلم يشهد هذا اليوم وكان أبوه قد مات قبل الفتح بيوم واحد وقال الحارث بن هشام وا ثكلا ليتني مت قبل أن أرى بلالا فوق الكعبة وقال الحكم بن أبي العاص هذا والله الخطب الجلل أن يصبح عبد بني جمح ينهق على هذه البنية وكان معهم أبو سفيان بن حرب فقال أما أنا فلا أقول شيئا فإني لو فهت بكلمة لنقلتها هذه الحصات إلى محمد بن عبد الله ولقد ظل بلال يؤذن للرسول صلوات الله وسلامه عليه طوال حياته وظل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يأنس إلى هذا الصوت الذي عذب في الله أشد العذاب وهو يردد أحد أحد ولما انتقل الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وحان وقت الصلاة قام بلال يؤذن في الناس والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم مسجا لم يدفن بعد فلما وصل إلى قوله أشهد أن محمد رسول الله خنقته العبرات واحتبس صوته في حلقه وشى المسلمون في البكاء وأغرقوا في النحيب ثم أذن بعد ذلك ثلاثة أيام فكان كلما وصل إلى قوله أشهد أن محمد رسول الله بكى وأبكى عند ذلك طلب من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعفيه من الأذان بعد أن أصبح لا يحتمله استأذنه في الخروج إلى الجهاد في سبيل الله والمرابطة في بلاد الشام فتردد الصديق رضوان الله عليه في الاستجابة لطلبه والإذن له بمغادرة المدينة فقال له بلال إن كنت اشتريتني لنفسك فأمسكني وإن كنت قد أعتقتني لله فخلني لمن أعتقتني له فقال أبو بكر والله ما اشتريتك إلا لله وما أعتقتك إلا في سبيله فقال بلال إني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله فقال أبو بكر لكذلك رحل بلال عن المدينة المنورة مع أول بعث من بعوث المسلمين وأقام في داريا بالقرب من دمشق ولقد ظل ممسكا عن الأذان حتى قدم عمر بن الخطاب بلاد الشام فلقي بلال رضوان الله عليه بعد غياب طويل وكان عمر شديد الشوق إليه عظيم الإجلال له حتى إنه كان إذا ذكر الصديق أمامه يقول إن أبا بكر سيدنا وهو الذي أعتق سيدنا يعني بلال رضوان الله عليه وهناك عزم الصحابة على بلال أن يؤذن في حضرة الفاروق فما إن ارتفع صوته بالأذان حتى بكى عمر وبكى معه الصحابة حتى خضلت اللحى بالدموع فلقد أهاج بلال أشواقهم إلى عهود المدينة المنورة سقيا لها من عهود ولقد ظل داع السماء يقيم في منطقة دمشق حتى وافاه الأجل المحتوم فكانت امراته تعول إلى جنبه في مرض الموت وتصيح قائلة وحزناه وكان هو يفتح عينيه في كل مرة ويجيبها قائلة وفرحاه ثم لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يردد غدن نلقى الأحبة محمدا وصحبة غدن نلقى الأحبة محمدا وصحبة أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلال عمر الفاروق رضي الله عنه