نسيم السحر فن التحويل السعيد إن العاقل الجلد إذا نزلت به مصيبة أو سيطر عليه حزن أو غم أو هم لم يفقد تفكيره بمخرج من ألمه أو سبب صحيح يخفف عنه ما نزل به وأما الجاهل الضعيف إن نزلت به واحدة من الآلام السابقة فإنه يغلق مسارب عقله ويغطي آفاق فكره وينكفئ على وجعه متألما متحسرا قد أظلمت الدنيا أمام عينيه فلا يرى طريقا للنجاة أو التيسير ومن هنا يتضاعف على الجاهل الضعيف الوجع وتغد المصيبة عليه مصيبتين إني أقول لك أيها المتألم بمصيبة من المصائب أبذ الجهدك على الصبر لتحويل ذلك الترح إلى فرح وذلك الضر إلى خير وحمل نفسك بالصبر على أن تغير مجر المصيبة على نفسك إلى منفعة لها وقد قالوا إصنع من الليمون الحامض شرابا حلوى إن فن التحويل السعيد تجده في القرآن في مواضع قال تعالى فعسى أن تكره شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا وقال ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فانظر كيف أعطاك الله في الآية الأولى قاعدة عامة في تحويل المكاره إلى محاب وكأنه يقول لك إن نزل بك مكروه فحول النظرة القاتمة إليه إلى نظرة متفائلة مستشعر أن هناك خيرا لك في رحم هذا الشر وفي الآية الثانية أنظر كيف جعل من الموت حياة وأي حياة هي إنها حياة سعيدة بلا كدر عند الله تعالى وكأنه يقول أمح من ذهنك الصورة السالفة للموت فهذا الموت في سبيل الله حياة أخرى في صورة موت وفي مسند أحمد بسند صحيح عن معاوية بن قراتا عن أبي أن رجلا كان يأت النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابن الله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أتحبه فقال يا رسول الله أحبك الله كما أحبه ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما فعل ابن فلان قالوا يا رسول الله مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه أما تحب ألا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك فقال رجل يا رسول الله أله خاصة أم لكلنا قال بل لكلكم وفي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب وإن تكون أخرى ترى ما أصنع فقال ويحك أو هبلت أو جنة واحدة هي إنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس فانظر في الحديث الأول كيف حول النبي عليه الصلاة والسلام فاجعة الوالد بفقد ولده الذي يحبه كثيرا إلى بشرة سعيدة تنتظره وكيف حول حزن الأم الثكلا بولدها إلى سعادة عظيمة فاقت ما كانت ترجو لذلك الولد إن الواقع البشري مليء بالأمثلة التي تحكي عزم نفوس أبية على تحويل المحنة إلى منحة وما كان لتلك المنحة أن تكون لولا المحنة التي ولدتها وسنأخذ مثالين مثالا من العصر القديم ومثالا من العصر الحديث ففي الزمن القديم حبس الإمام الحنفي السرخسي المتوفى سنة 83 و400 للهجرة فألف في سجنه كتابه العظيم المبسوط وقد سطر أدلة تدوينه إياه في سجنه في عدة مواضع من الكتاب ففي إتمام العبادات قال رحمه الله هذا آخر شرح العبادات بأوضح المعاني وأوجز العبارات أم لاه المحبوس عن الجمع والجماعات مصليا على سيد السادات محمد المبعوث بالرسالات وفي آخر كتاب الطلاق قال هذا آخر شرح كتاب الطلاق بالمؤثرة من المعاني الدقاق أم لاه المحصور عن الانطلاق المبتلى بوحشة الفراق وفي نهاية كتاب العتاق قال انتهى شرح كتاب العتاق من مسائل الخلاف والوفاق أم لاه المستقبل للمحني بالإعتاق المحصور في طرف من الآفاق حامدا للمهيمن الرزاق ومرتجيا إلى لقائه العزيز بالأشواق وفي عقب كتاب المكاتب قال انتهى شرح كتاب المكاتب بإملا المحصور المعاتب والمحبوس المعاقب وهو منذ حولين على الصبر مواضب وللنجات بلطيف صنع الله مراقب ولما انتهى من كتاب الولا قال انتهى شرح كتاب الولا بطريق الإملا من الممتحن بأنواع البلا يسأل من الله تعالى تبديل البلا والجلاء بالعز والعلا فإن ذلك عليه يسير وهو على ما يشاء قدير وأما المثال من العصر الحديث وهو الشيخ الألباني المتوفى سنة عشرين وأربعمائة وألف للهجرة فقد سجن عدة أشهر فأخرج مختصر صحيح مسلم يقول رحمه الله وقد قدر الله ألا يكون معي فيه يعني في السجن إلا كتابي المحبب صحيح الإمام مسلم وقلم رصاص وممحاه فعكفت على تحقيق أمنيتي في اختصاره وتهذيبه وفرغت من ذلك في نحو ثلاثة أشهر كنت أعمل فيه ليل نهار ودون كلل ولا ملل وبذلك انقلب ما أراده أعداء الأمة انتقاما منا إلى نعمة لنا يتفيأ ظلالها طلاب العلم من المسلمين في كل مكان فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ألا فلتحول أيها المرء سيل المكاره المتدفق عليك إلى جداول صغيرة تمتد إلى واحة حياتك حتى تسقي أمانيك الجميلة فتنبت بها روضة فيحا تسر نظرك بهجتها وقل أنا إن بليت فلن أخور لمحنتي وأصير رهن بليتي مكسورا سأظل في وهج البلية صانعة من جمرة النار الشديدة نورا