بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عبد الله بن عتيق رضي الله عنه لم يكابد الرسول والذين آمنوا معه من أحد كما كابدوا من اليهود ولم يكن في اليهود أحد أنكى على دين الله وأشد أذن لمحمد الرسول الله صلى الله عليه وسلم من كعب ابن الأشرف وسلام ابن أبي الحقيق فقد اجتمع في هذه الطاغيتين من الشر ما تفرق في جميع الأشرار والتقى عندهما من الخبث ما غزع على سائر الأخباث وقد جعل شغلهما الشاغل الكيد لدين الله ونصب العداوة لمحمد الرسول الله صلى الله عليه وسلم فما عقد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه مع أحد عهدا إلا قام يحرضانه على نقضه ويحضانه على نبعه ولا وجد للإسلام عدوًا ساكنا إلا هبى يثيرانه لحربه وكان أولهما شاعرا فأطلق لسانه في أعراض المحصنات القانتات من نساء المسلمين وجعل يشهر بهن كاذبا مفتريا وكان ثانيهما مفسدا فهب يحزب الأحزاب ضد المسلمين ويثير عليهم مشاعر المشركين ويعد الخطط للغدر بالرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم حتى كاد يقتله بإلقاء صخرة عليه لولا أن نبهه جبريل عليه السلام إلى ما يحيق به من خطر فأيقن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ومن معه أن جرثومة الشر لا يمكن أن تستأصل إلا باستأصال هذه الطاغوتين وأن دماء الناس لا يمكن أن تحصل إلا بإراقة دمائهما وكان مما أمد الله به نبيه عليه الصلاة والسلام أن أيده بقبيلتي الأوس والخزرج فكان هاذان الحيان من الأنصار يتنافسان في الخير ويفعلانه ويتسابقان في البر ويؤديانه ويتصاولان تصاول القرنين في المآثر والمفاخر فلا تصنع الأوس شيئا فيه رضا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم إلا قالت الخزرج لا والله لا ندعهم يتفوقون علينا بهذا الفضل ويتقدمون علينا بهذا الخير فما يزالون يتحينون الفرص حتى يأتوا بمثله أو ربما يربوا عليه ولا يصنع الخزرج شيئا فيه بر بالإسلام وأهله إلا قالت الأوس مثل قولهم وفعلت مثل فعلهم فكان في تنافسهم هذا بركة على الإسلام وخير للمسلمين وقد أكرم الله الأوس فجعل مصر عدو الله كعب بن الأشرف على أيدي طائفة من فتيانها فقالت الخزرج لا والله لا ندعهم يرجحون علينا بهذا الفضل ويزيدون علينا به وإذا كانوا قد قضوا على كعب بن الأشرف أحد عدوة الإسلام اللدودين فإن عدو الإسلام الآخر سلام بن أبي الحقيق ما يزال حيا وسيكون القضاء عليه من نصيبنا إن شاء الله وأعان استأذنت الخزرج الرسول عليه الصلاة والسلام بأن تندب خمسة من فتيانها لقتل عدو الله سلام بن أبي الحقيق فأذن لها ثم أمر على الفتيات الأخيار الأبرار واحدا منهم هو عبد الله بن عتيك وأوصاهم ألا يقتل امرأة ولا وليدا وألا يلحقوا أذن بهما فودعوا الرسول عليه الصلاة والسلام ومضوا ليقوموا بأجرأ مغامرة عرفها تاريخ الفدا فلنترك لأمير الفرقة الكلام ليروي لنا قصتهم المثيرة قال عبد الله بن عتيك ما إن أذن لنا الرسول عليه الصلاة والسلام بالمضي إلى ما ندبنا أنفسنا له حتى يممنا وجوهنا شطر أواسط الحجاز حيث كان يقيم سلام بن أبي الحقيق وقومه في حصن لهم فلما صرنا قريبا من الحصن ركنا في مكاننا حتى دنت الشمس من مغربها وطفق أهل الحصن يعودون بمواشيهم من المراعي فقلت لأصحابي إجلسوا في مكانكم فإني منطلق نحو باب الحصن لعلي أستطيع الدخول فيه مع الداخلين ثم صاففت الناس ومشيت معهم كأني واحد منهم فلم يفطل لي أحد فلما دنوت من الباب تقنعت بثوبي لأن لا يتنبه لي بواب الحصن وجلست كأني أقضي الحاجة فلما دخل الناس ولم يبق أحد غيري هتف بي البواب وقال يا عبدالله إن كنت تبغي الدخول فدخل فإني أريد أن أغلق الباب فدخلت وكمنت غير بعيد منه مستترا بجنح الظلام فلما استيقن أنه لم يبق أحد خارج الحصن أغلق الباب وعلق قلادة المفاتيح على ود ومضاء لا سكنه أما أنا فمكثت في مكمني وطفقت أتفحص الحصن وأتعرف على مسالكه وأوجيل بصري فيه بحثا عن علية الرجل واهتداء إلى الطريق المؤدية إليها فما لبثت أن أثبت مكانه وعرفت من خلال ضوء المصباح الخافت أن فئة من أصحابه تسمر عنده فلما انفض السمار وأطفئ المصباح وأيقنت أنه أواء إلى فراشه ودخل في النوم أخذت المفاتيح من الود ومضيت في عتمة الليل إلى باب قصره الخارجي ففتحته في رفقة فلما صرت داخل القصر أغلقته علي من الداخل بالقفل حتى لا يدخله أحد ثم مضيت إلى الباب الثاني ففعلت به مثل ما فعلته بالباب الأول ثم جريت على ذلك فكنت كلما دخلت بابا أغلقته علي وقد حملني على ذلك تقديري بأن القوم إذا تنبه لي أو صرخ فيهم صارخ فإنهم لا يستطيعون الوصول إلي إلا بعد أن أكون قد قتلته فلما بلغت علية القصر ألفيتها مظلمة ووجدته مضطجعا بين أهله وأولاده فلم أعلم أين مكانه بينهم فخشيت إن ضربته على الظنة أن أصيب غيره فأوخالف وصية الرسول عليه الصلاة والسلام بأن لا نقتل امرأة ولا وليدا وأعرض نفسي للهلاك دون طائل فبادرت وناديته بكنيته التي كان يناديه بها خواصه فقلت أبا رافع فقال من هذا فعرفت مكانه وأهويت بسيفي على موضع الصوت وكنت مضطربا فلم تثعل ضربتي فيه شيئا فصاح بأعلى صوته فخرجت من الحجرة وعثرت بالمصباح فآخذته بيدي وطرحته بعيدا عن موضعه حتى لا يقوم إليه أحد فيضيئه ثم عدت إليه وغيرت صوتي وقلت ما هذا صياح يا أبا رافع فقال لأمك الويل إن في البيت رجلا ضربني بالسيف والتوارى فاقتربت منه وأهويت عليه بضربة أثبت من تلك وأحكم فأثرت فيه أثرا بليغا ولكنه لم يمت فأغمدت سيفي في بطنه وضغطت عليه بثقلي كله فصرخ صرخة أيقظت زوجته فانتزعت سيفي من جسده ولم يكن به حراك استيقظت المرأة على صوت زوجها وهبت مذعورة وجعلت تستصرخ فهممت أن أهوي عليها بالسيف لولا أني تذكرت أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد نهانا عن قتل النساء والأطفال فكففت عنها وما هي إلا لحظات حتى استفاق الناس على صراخها ودبت الحركة في الحصن فما كان مني إلا أن مضيت أستصرخ الناس وأقول الغوث الغوث النجدة النجدة فجعلوا يتدفقون نحو العلية وأنا أمضي خارجا حتى انتهيت إلى آخر درجة من درجات الحصن وكنت ضعيف البصر فظننت أني بلغت الأرض فوقعت فانكسرت ساقي فعصبت الساق المكسورة بعمامتي ومضيت أجرها جرا حتى صرت عند رفاقي خارج الحصن أو قد أهل الحصن النيران من كل جهة وهبوا جميعا من مراقدهم وانطلقوا يعدون خارج الحصن بحثا عن الذين أغاروا عليهم أما نحن فكنا كامنين في قناة ماء أسفل الحصن فلما يأس القوم من العثور علينا عادوا إلى صاحبهم ينظرون ما حل به فقال أصحابي أن نجاء أن نجاء فإن القوم قد كفوا عن طلبنا وانشغلوا بصاحبهم عنا فقلت لا والله لا أبرح هذا المكان حتى أعلم أني قتلته فقال أحد أصحابي أنا أذهب فآتيكم بخبره ثم مضى حتى دخل في الناس ودنا من الرجل فرأ أمرأته تمضي نحوه وبيدها المصباح وكبار اليهود وراءها يسألونها عما حدث وعن الرجل الغريب الذي اقتحم حصنهم وما فعل فقالت والله لا أدري ولكني سمعت صوتا غير غريب عني فلما أصغيت إليه قلت هذا صوت ابن عتيك غير أني كذبت نفسي وقلت أين ابن عتيك من هذه الأرض ثم أقبلت على زوجها ورفعت المصباح وحدقت في وجهه ثم ارتدت عنه وهي تقول مات وإلهي يهود مات فلما سمع ذلك منها قرت عينه وعاد إلينا وبشرنا عند ذلك احتملني أصحابي ومضوا بي حتى قدمنا على الرسول صلوات الله وسلامه عليه فوجدناه على المنبر يخطب الناس فلما رآنا قال أفلحت الوجوه أفلحت الوجوه فقلنا أفلح وجهك يا رسول الله وبشرناه بقتل عدو الله فلما نزل عن المنبر رآ ما بي فقال لا بأس عليك يا ابن عتيك ثم قال أبسط رجلك فبسطتها فمسحها فوقفت عليها كأنني لم أشك منها قط ظل عبد الله ابن عتيك مجاهد في سبيل الله حتى مضى إلى ربه شهيدا يوم اليمامة ابن عبد البر