1 00:00:02,060 --> 00:00:08,529 نسيم السحر 2 00:00:08,529 --> 00:00:15,500 جالس أهل السعادة والإسعاد 3 00:00:15,500 --> 00:00:18,500 الإنسان مدني بطبعه 4 00:00:18,500 --> 00:00:22,500 يميل إلى مخالطة غيره ويأنس بمن سواه 5 00:00:22,500 --> 00:00:26,539 ولا يستطيع في حال الصحة والاختيار 6 00:00:26,539 --> 00:00:33,890 أن يعيش وحده ويبقى بعيدا عن مجالسة الناس وللتقاء بهم 7 00:00:33,890 --> 00:00:35,890 وتلك المخالطة 8 00:00:35,890 --> 00:00:40,920 قد تورث نقل الطبائع والأخلاق والأعمال والسلوك 9 00:00:40,920 --> 00:00:45,979 لأن الإنسان لديه قابلية التأثر والتأثير 10 00:00:45,979 --> 00:00:49,979 فهو يؤثر في غيره ويتأثر به 11 00:00:49,979 --> 00:00:53,979 ولذلك حثى الإسلام على اختيار الجليس 12 00:00:53,979 --> 00:00:58,140 قال النبي صلى الله عليه وسلم 13 00:00:58,140 --> 00:01:01,179 المرء على دين خليله 14 00:01:01,179 --> 00:01:04,180 فلينظر أحدكم من يخالل 15 00:01:04,180 --> 00:01:09,719 إن ديننا الحنيف حين حثنا على صحبة الجليس الصالح 16 00:01:09,719 --> 00:01:12,719 وحذرنا من جليس السور 17 00:01:12,719 --> 00:01:16,719 ينبغي لنا أن نفهم ذلك في إطار العموم 18 00:01:16,719 --> 00:01:22,849 فليس الصلاح مقصورا على سلامة المعتقد وصحة العمل 19 00:01:22,849 --> 00:01:26,849 بل يشمل ذلك أيضا طبيعة الإنسان 20 00:01:26,849 --> 00:01:30,849 وتصوره للأشياء وموقفه منها 21 00:01:30,849 --> 00:01:33,200 ففي باب السعادة 22 00:01:33,200 --> 00:01:37,200 لو وجدنا شخصا صالحا في عقيدته وعمله 23 00:01:37,200 --> 00:01:40,200 لكنه متشائم يائس 24 00:01:40,200 --> 00:01:43,200 كثير التبرم والشكوى 25 00:01:43,200 --> 00:01:47,260 ينظر إلى الأمور والأحداث من جانب مظلم 26 00:01:47,260 --> 00:01:52,390 فهذا الشخص في بابنا هذا جليس سور 27 00:01:52,390 --> 00:01:57,549 لأن مجالسته ستورث جليسه شقاء وضجرا 28 00:01:57,549 --> 00:01:59,549 وضيقا وحزنا 29 00:02:00,709 --> 00:02:05,709 فينقلب من عنده حاملا هموم الدنيا على كاهله 30 00:02:05,709 --> 00:02:09,810 وبين عينيه متاهات من الحزن العميق 31 00:02:09,810 --> 00:02:14,900 وقد جاء إليه مبتسم الوجه منشرح الصدر 32 00:02:14,900 --> 00:02:18,900 فألقى ذلك على بساط جليس السور 33 00:02:18,900 --> 00:02:22,969 فيا نعم ما ألقى ويا بئس ما حمل 34 00:02:22,969 --> 00:02:28,449 فشتان ما بين هذا الصالح الناقص في صلاحه 35 00:02:28,449 --> 00:02:31,449 وبين من كمل في صلاحه 36 00:02:31,449 --> 00:02:34,449 حتى غدا في أحلك الظروف 37 00:02:34,449 --> 00:02:38,449 بهي التفاؤل مشرق الخاطر 38 00:02:38,449 --> 00:02:40,449 منهلا للبشرة 39 00:02:40,449 --> 00:02:45,900 وسحابة تظلل سواها من حر العناق 40 00:02:45,900 --> 00:02:50,120 يقول ابن القيم عن شيخه ابن تيمية 41 00:02:50,120 --> 00:02:55,120 وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط 42 00:02:55,120 --> 00:02:58,250 معما كان فيه من ضيق العيش 43 00:02:58,250 --> 00:03:01,250 وخلاف الرفاهية والنعيم 44 00:03:01,250 --> 00:03:03,250 بل ضدها 45 00:03:03,250 --> 00:03:07,250 ومعما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق 46 00:03:07,250 --> 00:03:09,280 وهو مع ذلك 47 00:03:09,280 --> 00:03:13,280 من أطيب الناس عيشا وأشرحهم صدرا 48 00:03:13,280 --> 00:03:17,280 وأقواهم قلبا وأسرهم نفسا 49 00:03:17,280 --> 00:03:21,340 تلوح نظرة النعيم على وجهه 50 00:03:21,340 --> 00:03:24,629 وكنا إذا اشتد بنا الخوف 51 00:03:24,629 --> 00:03:26,629 وساءت منا الظنون 52 00:03:26,629 --> 00:03:28,629 وضاقت بنا الأرض 53 00:03:28,629 --> 00:03:29,629 أتينا 54 00:03:29,629 --> 00:03:33,629 فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه 55 00:03:33,629 --> 00:03:36,629 فيذهب ذلك كله 56 00:03:36,629 --> 00:03:41,629 وينقلب شراحا وقوة ويقين وطمأنين 57 00:03:41,629 --> 00:03:46,139 فلهذا نقول لكل من أراد الراحة 58 00:03:46,139 --> 00:03:49,210 جالس السعداء 59 00:03:49,210 --> 00:03:54,210 الذين إذا رأيتهم قرأت السعادة في ابتساماتهم 60 00:03:54,210 --> 00:03:59,240 وسمعت دبيب الطمأنينة في تفاؤل كلامهم 61 00:03:59,240 --> 00:04:04,620 وذقت حلا وتنشر راح النفس في الجلوس معهم 62 00:04:04,620 --> 00:04:10,620 فمجالسة هؤلاء صحة للنفس ومتعة للذهن 63 00:04:10,620 --> 00:04:14,819 وقد قال المهلب ابن أبي صفر 64 00:04:14,819 --> 00:04:19,170 العيش كله في الجليس الممتع 65 00:04:19,170 --> 00:04:26,259 وإياك أن تجالس من إذا رأيتهم قرأت الضيق في ملامح وجوههم 66 00:04:26,259 --> 00:04:30,300 ورأيت اليأس في ظلام تفكيرهم 67 00:04:30,300 --> 00:04:37,579 وسمعت ضجيج التشاؤم في نبرات كلماتهم الملطخة بالحزن 68 00:04:37,579 --> 00:04:44,100 فمجالسة هذا الصنف سقم وعدوى سريعة الانتقال 69 00:04:44,100 --> 00:04:50,100 وجالس كذلك الجلساء الذين إذا جئتهم بأسمال الألم 70 00:04:50,100 --> 00:04:54,100 رجعت من عندهم بحلال الأمل 71 00:04:54,100 --> 00:04:58,160 ومتى وردت عليهم مهموما سلوك 72 00:04:58,160 --> 00:05:04,189 مستوحشا آنسوك ضيقا من أحزان الحياة 73 00:05:04,189 --> 00:05:07,319 أفسحوا لك جوانبها 74 00:05:07,319 --> 00:05:10,319 مسدودا أمام عينيك طريق الفرج 75 00:05:11,319 --> 00:05:14,319 فتحوا لك أبوابا للفرج 76 00:05:14,319 --> 00:05:16,800 قال الشاعر 77 00:05:16,800 --> 00:05:20,800 ولي جلساء ما أمل حديثهم 78 00:05:20,800 --> 00:05:24,899 ألباء مأمونون غيبا ومشهدا 79 00:05:24,899 --> 00:05:28,899 إذا مجتمعنا كان حسن حديثهم 80 00:05:28,899 --> 00:05:32,899 معينا على دفع الهموم مؤيدا 81 00:05:32,899 --> 00:05:39,019 ولا تجالس من إذا زرتهم كئيبا حزينا 82 00:05:39,019 --> 00:05:41,019 تريد السلوة عندهم 83 00:05:41,019 --> 00:05:46,110 ردوك إلى مصدرك أكثر كآبة وحزنا 84 00:05:46,110 --> 00:05:50,110 وقد كنت في أحسن حاليك لو لم تأتهم 85 00:05:50,110 --> 00:05:55,269 فكأن مهمتهم فقط هي النفخ في الأحزان 86 00:05:55,269 --> 00:05:58,269 وزيادة شد وكاء الضيق 87 00:05:58,269 --> 00:06:02,269 حتى لا تجد النفس نفسا يريحها 88 00:06:02,269 --> 00:06:05,819 وجالس أيضا أمثالك 89 00:06:05,819 --> 00:06:09,819 حتى لا تجرح نفسك بسهم الازدرا 90 00:06:09,819 --> 00:06:13,819 إن خالطت من هو أعلى منك شأنا 91 00:06:13,819 --> 00:06:18,819 ولم يكن لديك درع سابغة من الصبر والرضا 92 00:06:18,819 --> 00:06:23,620 تصد عنك الإحساس بالنقص والقل 93 00:06:23,620 --> 00:06:25,709 قال الحارني 94 00:06:25,709 --> 00:06:29,709 الجليس الصالح كالسراج اللائح 95 00:06:29,899 --> 00:06:34,189 والجليس الطالح للمرء فاضح 96 00:06:34,189 --> 00:06:38,189 مجالسة الأشكال تدعو إلى الوصال 97 00:06:38,189 --> 00:06:42,189 ومجالسة الأضداد تذيب الأكباد 98 00:06:42,189 --> 00:06:47,800 فإن لم تجد أحدا ممن وصفنا لك الجلوس معهم 99 00:06:47,800 --> 00:06:50,800 فهرع إلى خيمة الوحدة 100 00:06:50,800 --> 00:06:53,899 واعتز الأصناف جلساء السوء 101 00:06:53,899 --> 00:06:56,899 ولو أن تعض على أصل شجرة 102 00:06:56,899 --> 00:07:01,899 حتى ترجع إليك السعادة وأنت على ذلك 103 00:07:01,899 --> 00:07:04,220 قال أبو عبيد 104 00:07:04,220 --> 00:07:08,379 من أمثالهم السائرة في القديم والحديث 105 00:07:08,379 --> 00:07:10,379 قولهم 106 00:07:10,379 --> 00:07:16,009 الوحدة خير من جليس السوء 107 00:07:16,009 --> 00:07:20,009 نسيم السحر في إسعاد البشر