نسيم السحر جالس أهل السعادة والإسعاد الإنسان مدني بطبعه يميل إلى مخالطة غيره ويأنس بمن سواه ولا يستطيع في حال الصحة والاختيار أن يعيش وحده ويبقى بعيدا عن مجالسة الناس وللتقاء بهم وتلك المخالطة قد تورث نقل الطبائع والأخلاق والأعمال والسلوك لأن الإنسان لديه قابلية التأثر والتأثير فهو يؤثر في غيره ويتأثر به ولذلك حثى الإسلام على اختيار الجليس قال النبي صلى الله عليه وسلم المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل إن ديننا الحنيف حين حثنا على صحبة الجليس الصالح وحذرنا من جليس السور ينبغي لنا أن نفهم ذلك في إطار العموم فليس الصلاح مقصورا على سلامة المعتقد وصحة العمل بل يشمل ذلك أيضا طبيعة الإنسان وتصوره للأشياء وموقفه منها ففي باب السعادة لو وجدنا شخصا صالحا في عقيدته وعمله لكنه متشائم يائس كثير التبرم والشكوى ينظر إلى الأمور والأحداث من جانب مظلم فهذا الشخص في بابنا هذا جليس سور لأن مجالسته ستورث جليسه شقاء وضجرا وضيقا وحزنا فينقلب من عنده حاملا هموم الدنيا على كاهله وبين عينيه متاهات من الحزن العميق وقد جاء إليه مبتسم الوجه منشرح الصدر فألقى ذلك على بساط جليس السور فيا نعم ما ألقى ويا بئس ما حمل فشتان ما بين هذا الصالح الناقص في صلاحه وبين من كمل في صلاحه حتى غدا في أحلك الظروف بهي التفاؤل مشرق الخاطر منهلا للبشرة وسحابة تظلل سواها من حر العناق يقول ابن القيم عن شيخه ابن تيمية وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط معما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها ومعما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا وأشرحهم صدرا وأقواهم قلبا وأسرهم نفسا تلوح نظرة النعيم على وجهه وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتينا فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب شراحا وقوة ويقين وطمأنين فلهذا نقول لكل من أراد الراحة جالس السعداء الذين إذا رأيتهم قرأت السعادة في ابتساماتهم وسمعت دبيب الطمأنينة في تفاؤل كلامهم وذقت حلا وتنشر راح النفس في الجلوس معهم فمجالسة هؤلاء صحة للنفس ومتعة للذهن وقد قال المهلب ابن أبي صفر العيش كله في الجليس الممتع وإياك أن تجالس من إذا رأيتهم قرأت الضيق في ملامح وجوههم ورأيت اليأس في ظلام تفكيرهم وسمعت ضجيج التشاؤم في نبرات كلماتهم الملطخة بالحزن فمجالسة هذا الصنف سقم وعدوى سريعة الانتقال وجالس كذلك الجلساء الذين إذا جئتهم بأسمال الألم رجعت من عندهم بحلال الأمل ومتى وردت عليهم مهموما سلوك مستوحشا آنسوك ضيقا من أحزان الحياة أفسحوا لك جوانبها مسدودا أمام عينيك طريق الفرج فتحوا لك أبوابا للفرج قال الشاعر ولي جلساء ما أمل حديثهم ألباء مأمونون غيبا ومشهدا إذا مجتمعنا كان حسن حديثهم معينا على دفع الهموم مؤيدا ولا تجالس من إذا زرتهم كئيبا حزينا تريد السلوة عندهم ردوك إلى مصدرك أكثر كآبة وحزنا وقد كنت في أحسن حاليك لو لم تأتهم فكأن مهمتهم فقط هي النفخ في الأحزان وزيادة شد وكاء الضيق حتى لا تجد النفس نفسا يريحها وجالس أيضا أمثالك حتى لا تجرح نفسك بسهم الازدرا إن خالطت من هو أعلى منك شأنا ولم يكن لديك درع سابغة من الصبر والرضا تصد عنك الإحساس بالنقص والقل قال الحارني الجليس الصالح كالسراج اللائح والجليس الطالح للمرء فاضح مجالسة الأشكال تدعو إلى الوصال ومجالسة الأضداد تذيب الأكباد فإن لم تجد أحدا ممن وصفنا لك الجلوس معهم فهرع إلى خيمة الوحدة واعتز الأصناف جلساء السوء ولو أن تعض على أصل شجرة حتى ترجع إليك السعادة وأنت على ذلك قال أبو عبيد من أمثالهم السائرة في القديم والحديث قولهم الوحدة خير من جليس السوء نسيم السحر في إسعاد البشر