WEBVTT

00:00:02.060 --> 00:00:08.529
نسيم السحر

00:00:08.529 --> 00:00:15.500
جالس أهل السعادة والإسعاد

00:00:15.500 --> 00:00:18.500
الإنسان مدني بطبعه

00:00:18.500 --> 00:00:22.500
يميل إلى مخالطة غيره ويأنس بمن سواه

00:00:22.500 --> 00:00:26.539
ولا يستطيع في حال الصحة والاختيار

00:00:26.539 --> 00:00:33.890
أن يعيش وحده ويبقى بعيدا عن مجالسة الناس وللتقاء بهم

00:00:33.890 --> 00:00:35.890
وتلك المخالطة

00:00:35.890 --> 00:00:40.920
قد تورث نقل الطبائع والأخلاق والأعمال والسلوك

00:00:40.920 --> 00:00:45.979
لأن الإنسان لديه قابلية التأثر والتأثير

00:00:45.979 --> 00:00:49.979
فهو يؤثر في غيره ويتأثر به

00:00:49.979 --> 00:00:53.979
ولذلك حثى الإسلام على اختيار الجليس

00:00:53.979 --> 00:00:58.140
قال النبي صلى الله عليه وسلم

00:00:58.140 --> 00:01:01.179
المرء على دين خليله

00:01:01.179 --> 00:01:04.180
فلينظر أحدكم من يخالل

00:01:04.180 --> 00:01:09.719
إن ديننا الحنيف حين حثنا على صحبة الجليس الصالح

00:01:09.719 --> 00:01:12.719
وحذرنا من جليس السور

00:01:12.719 --> 00:01:16.719
ينبغي لنا أن نفهم ذلك في إطار العموم

00:01:16.719 --> 00:01:22.849
فليس الصلاح مقصورا على سلامة المعتقد وصحة العمل

00:01:22.849 --> 00:01:26.849
بل يشمل ذلك أيضا طبيعة الإنسان

00:01:26.849 --> 00:01:30.849
وتصوره للأشياء وموقفه منها

00:01:30.849 --> 00:01:33.200
ففي باب السعادة

00:01:33.200 --> 00:01:37.200
لو وجدنا شخصا صالحا في عقيدته وعمله

00:01:37.200 --> 00:01:40.200
لكنه متشائم يائس

00:01:40.200 --> 00:01:43.200
كثير التبرم والشكوى

00:01:43.200 --> 00:01:47.260
ينظر إلى الأمور والأحداث من جانب مظلم

00:01:47.260 --> 00:01:52.390
فهذا الشخص في بابنا هذا جليس سور

00:01:52.390 --> 00:01:57.549
لأن مجالسته ستورث جليسه شقاء وضجرا

00:01:57.549 --> 00:01:59.549
وضيقا وحزنا

00:02:00.709 --> 00:02:05.709
فينقلب من عنده حاملا هموم الدنيا على كاهله

00:02:05.709 --> 00:02:09.810
وبين عينيه متاهات من الحزن العميق

00:02:09.810 --> 00:02:14.900
وقد جاء إليه مبتسم الوجه منشرح الصدر

00:02:14.900 --> 00:02:18.900
فألقى ذلك على بساط جليس السور

00:02:18.900 --> 00:02:22.969
فيا نعم ما ألقى ويا بئس ما حمل

00:02:22.969 --> 00:02:28.449
فشتان ما بين هذا الصالح الناقص في صلاحه

00:02:28.449 --> 00:02:31.449
وبين من كمل في صلاحه

00:02:31.449 --> 00:02:34.449
حتى غدا في أحلك الظروف

00:02:34.449 --> 00:02:38.449
بهي التفاؤل مشرق الخاطر

00:02:38.449 --> 00:02:40.449
منهلا للبشرة

00:02:40.449 --> 00:02:45.900
وسحابة تظلل سواها من حر العناق

00:02:45.900 --> 00:02:50.120
يقول ابن القيم عن شيخه ابن تيمية

00:02:50.120 --> 00:02:55.120
وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط

00:02:55.120 --> 00:02:58.250
معما كان فيه من ضيق العيش

00:02:58.250 --> 00:03:01.250
وخلاف الرفاهية والنعيم

00:03:01.250 --> 00:03:03.250
بل ضدها

00:03:03.250 --> 00:03:07.250
ومعما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق

00:03:07.250 --> 00:03:09.280
وهو مع ذلك

00:03:09.280 --> 00:03:13.280
من أطيب الناس عيشا وأشرحهم صدرا

00:03:13.280 --> 00:03:17.280
وأقواهم قلبا وأسرهم نفسا

00:03:17.280 --> 00:03:21.340
تلوح نظرة النعيم على وجهه

00:03:21.340 --> 00:03:24.629
وكنا إذا اشتد بنا الخوف

00:03:24.629 --> 00:03:26.629
وساءت منا الظنون

00:03:26.629 --> 00:03:28.629
وضاقت بنا الأرض

00:03:28.629 --> 00:03:29.629
أتينا

00:03:29.629 --> 00:03:33.629
فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه

00:03:33.629 --> 00:03:36.629
فيذهب ذلك كله

00:03:36.629 --> 00:03:41.629
وينقلب شراحا وقوة ويقين وطمأنين

00:03:41.629 --> 00:03:46.139
فلهذا نقول لكل من أراد الراحة

00:03:46.139 --> 00:03:49.210
جالس السعداء

00:03:49.210 --> 00:03:54.210
الذين إذا رأيتهم قرأت السعادة في ابتساماتهم

00:03:54.210 --> 00:03:59.240
وسمعت دبيب الطمأنينة في تفاؤل كلامهم

00:03:59.240 --> 00:04:04.620
وذقت حلا وتنشر راح النفس في الجلوس معهم

00:04:04.620 --> 00:04:10.620
فمجالسة هؤلاء صحة للنفس ومتعة للذهن

00:04:10.620 --> 00:04:14.819
وقد قال المهلب ابن أبي صفر

00:04:14.819 --> 00:04:19.170
العيش كله في الجليس الممتع

00:04:19.170 --> 00:04:26.259
وإياك أن تجالس من إذا رأيتهم قرأت الضيق في ملامح وجوههم

00:04:26.259 --> 00:04:30.300
ورأيت اليأس في ظلام تفكيرهم

00:04:30.300 --> 00:04:37.579
وسمعت ضجيج التشاؤم في نبرات كلماتهم الملطخة بالحزن

00:04:37.579 --> 00:04:44.100
فمجالسة هذا الصنف سقم وعدوى سريعة الانتقال

00:04:44.100 --> 00:04:50.100
وجالس كذلك الجلساء الذين إذا جئتهم بأسمال الألم

00:04:50.100 --> 00:04:54.100
رجعت من عندهم بحلال الأمل

00:04:54.100 --> 00:04:58.160
ومتى وردت عليهم مهموما سلوك

00:04:58.160 --> 00:05:04.189
مستوحشا آنسوك ضيقا من أحزان الحياة

00:05:04.189 --> 00:05:07.319
أفسحوا لك جوانبها

00:05:07.319 --> 00:05:10.319
مسدودا أمام عينيك طريق الفرج

00:05:11.319 --> 00:05:14.319
فتحوا لك أبوابا للفرج

00:05:14.319 --> 00:05:16.800
قال الشاعر

00:05:16.800 --> 00:05:20.800
ولي جلساء ما أمل حديثهم

00:05:20.800 --> 00:05:24.899
ألباء مأمونون غيبا ومشهدا

00:05:24.899 --> 00:05:28.899
إذا مجتمعنا كان حسن حديثهم

00:05:28.899 --> 00:05:32.899
معينا على دفع الهموم مؤيدا

00:05:32.899 --> 00:05:39.019
ولا تجالس من إذا زرتهم كئيبا حزينا

00:05:39.019 --> 00:05:41.019
تريد السلوة عندهم

00:05:41.019 --> 00:05:46.110
ردوك إلى مصدرك أكثر كآبة وحزنا

00:05:46.110 --> 00:05:50.110
وقد كنت في أحسن حاليك لو لم تأتهم

00:05:50.110 --> 00:05:55.269
فكأن مهمتهم فقط هي النفخ في الأحزان

00:05:55.269 --> 00:05:58.269
وزيادة شد وكاء الضيق

00:05:58.269 --> 00:06:02.269
حتى لا تجد النفس نفسا يريحها

00:06:02.269 --> 00:06:05.819
وجالس أيضا أمثالك

00:06:05.819 --> 00:06:09.819
حتى لا تجرح نفسك بسهم الازدرا

00:06:09.819 --> 00:06:13.819
إن خالطت من هو أعلى منك شأنا

00:06:13.819 --> 00:06:18.819
ولم يكن لديك درع سابغة من الصبر والرضا

00:06:18.819 --> 00:06:23.620
تصد عنك الإحساس بالنقص والقل

00:06:23.620 --> 00:06:25.709
قال الحارني

00:06:25.709 --> 00:06:29.709
الجليس الصالح كالسراج اللائح

00:06:29.899 --> 00:06:34.189
والجليس الطالح للمرء فاضح

00:06:34.189 --> 00:06:38.189
مجالسة الأشكال تدعو إلى الوصال

00:06:38.189 --> 00:06:42.189
ومجالسة الأضداد تذيب الأكباد

00:06:42.189 --> 00:06:47.800
فإن لم تجد أحدا ممن وصفنا لك الجلوس معهم

00:06:47.800 --> 00:06:50.800
فهرع إلى خيمة الوحدة

00:06:50.800 --> 00:06:53.899
واعتز الأصناف جلساء السوء

00:06:53.899 --> 00:06:56.899
ولو أن تعض على أصل شجرة

00:06:56.899 --> 00:07:01.899
حتى ترجع إليك السعادة وأنت على ذلك

00:07:01.899 --> 00:07:04.220
قال أبو عبيد

00:07:04.220 --> 00:07:08.379
من أمثالهم السائرة في القديم والحديث

00:07:08.379 --> 00:07:10.379
قولهم

00:07:10.379 --> 00:07:16.009
الوحدة خير من جليس السوء

00:07:16.009 --> 00:07:20.009
نسيم السحر في إسعاد البشر
