بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله الحسن البصري رحمه الله جاء البشير يبشر زوج النبي أم سلمة بأن مولاتها خيره قد وضعت حملها وولدت غلاما فغمرت الفرحة فؤادأم المؤمنين رضوان الله عليها وطفح البشر على محياها النبي للوقور وبادرت فأرسلت رسولا ليحمل إليها الوالدة ومولودها لتقضي فترة النفاس في بيتها فقد كانت خيرة أثيرة لدى أم سلمة حبيبة إلى قلبها وكان بها لهفة وتشوق لرؤية وليدها البكر وما هو إلا قليل حتى جاءت خيرة تحمل طفلها على يديها فلما وقعت عين أم سلمة على الطفل امتلأت نفسها أنسا به وارتياحا له فقد كان الوليد الصغير قسيما وسيما بهي الطلعة تام الخلق يملأ عين مجتليه ويأسر فؤاد رائيه ثم التفتت أم سلمة إلى مولاتها وقالت أسميت غلامك يا خيره فقالت كلا يا أما لقد تركت ذلك لك لتختاري له من الأسماء ما تشاءين فقالت نسميه على بركة الله الحسن ثم رفعت يديها ودعت له بصالح الدعاء لكن الفرحة بالحسن تقتصر على بيت أم المؤمنين أم سلمة رضوان الله عليها وإنما شاركها فيها بيت آخر من بيوت المدينة هو بيت الصحابي الجليل زيد بن ثابت كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أن يسارا والد الصبي كان مولا له أيضا وكان من آثر الناس عنده وأحبهم إليه درج الحسن بن يسار الذي عرف فيما بعد بالحسن البصري في بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم وربية في حجر زوجة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم هي هند بنت سهيل المعروفة بأم سلمة وأم سلمة إن كنت لا تعلم وكانت من أكمل نساء العرب عقلا وأوفرهن فضلا وأشدهن حزما كما كانت من أوسع زوجات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم علما وأكثرهن رواية عنه حيث روت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه 387 حديثا وكانت إلى ذلك كله من النساء القليلات النادرات اللواتي يكتبن في الجاهلية ولم تقف صلة الصبي المحظوظ بأم المؤمنين أم سلمة عند هذا الحد وإنما امتدت إلى أبعد من ذلك فكثيرا ما كانت خيره أم الحسن تخرج من البيت لقضاء بعض حاجات أم المؤمنين فكان الطفل الرضيع يبكي من جوعه ويشتد بكاءه فتأخذه أم سلمة إلى حجرها وتلقمه ثديها لتصبره به وتعلله عن غياب أمه فكانت لشدة حبها إياه يدر ثديها لبنا سائغا في فمه فيرضعه الصبي ويسكت عليه وبذلك غدت أم سلمة أما للحسن من جهتين فهي أمه بوصفه أحد المؤمنين وهي أمه من الرضاع أيضا وقد أتاحت الصلاة الواشجة بين أمهات المؤمنين وقرب بيوت بعضهن من بعض للغلام السعيد أن يتردد على هذه البيوت كلها وأن يتخلق بأخلاق رباتها جميعا وأن يهتدي بهديهن وقد كان كما يحدث عن نفسه يملأ هذه البيوت بحركته الدائبة ويترعها بلعبه النشيط حتى إنه كان ينال سقوف بيوت أمهات المؤمنين بيديه وهو يقفز فيها قفزا ظل الحسن يتقلب في هذه الأجواء العبقة بطيوب النبوة المتألقة بسناها وينهل من تلك الموارد العذبة التي حفلت بها بيوت أمهات المؤمنين ويتتلمذ على أيدي كبار الصحابة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث روا عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وغيرهم وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين لكنه أولع أكثر ما أولع بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد راعه منه صلابته في دينه وإحسانه لعبادته وزهادته بزينة الدنيا وزخرفها وخلبه منه بيانه المشرق وحكمته البالغة وأقواله الجامعة فتخلق بأخلاقه في التقى والعبادة ونسج على منواله في البيان والفصاحة ولما بلغ الحسن أربعة عشر ربيعا من عمره ودخل في مداخل الرجال انتقل مع أبويه إلى البصرة واستقر فيها مع أسرته ومن هنا نسب الحسن إلى البصرة وعرف بين الناس بالحسن البصري كانت البصرة يوم أمها الحسن قلعة من أكبر قلاع العلم في دولة الإسلام وكان مسجدها العظيم يموج بمن ارتحل إليها من كبار الصحابة وجلة التابعين وكانت حلقات العلم على اختلاف ألوانها تعمر باحات المسجد ومصلاة وقد لزم الحسن المسجد وانقطع إلى حلقة عبدالله بن عباس حبر أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأخذ عنه التفسير والحديث والقراءات كما أخذ عنه وعن غيره الفقه واللغة والأدب وغيرها وغيرها حتى غدا عالما جامعا فقيها ثقه فأقبل الناس عليه ينهلون من علمه الغزير والتفو حوله يصيخون إلى مواعظه التي تستلين القلوب القاسية وتستدر الدموع العاصية ويعون حكمته التي تخلب الألباب ويتأسون بسيرته التي كانت أطيب من نشر المسك ولقد انتشر أمر الحسن البصري في البلاد وفشى ذكره بين العباد فجعل الخلفاء والأمراء يتساءلون عنه ويتسقطون أخباره حدث خالد بن صفوان قال لقيت مسلمة بن عبد الملك في الحيرة فقال لي أخبرني يا خالد عن حسن البصرة فإني أظن أنك تعرف من أمره ما لا يعرف سواك فقلت أصلح الله الأمير أنا خير من يخبرك عنه بعلم أنا جاره في بيته وجليسه في مجلسه وأعلم أهل البصرة به فقال مسلمة هات ما عندك فقلت إنه مرء سريرته كعلانيته وقوله كفعله إذا أمر بمعروف كان أعمل الناس به وإذا نهى عن منكر كان أترك الناس له ولقد رأيته مستغنيا عن الناس زاهدا بما في أيديهم ورأيت الناس محتاجين إليه طالبين ما عنده فقال مسلمة حسبك يا خالد حسبك كيف يضل قوم فيهم مثل هذا ولما ولي الحجاج بن يوسف الثقفي العراق وطغى في ولايته وتجبر كان الحسن البصري أحد الرجال القلاء للذين تصدوا لطغيانه وجهروا بين الناس بسوء أفعاله وصدعوا بكلمة الحق في وجهه من ذلك أن الحجاج بنا لنفسه بناء في واسط فلما فرغ منه نادى في الناس أن يخرجوا للفرجة عليه والدعاء له بالبركة فلم يشأ الحسن أن يفوت على نفسه فرصة اجتماع الناس هذه فخرج إليهم ليعظهم ويذكرهم ويزهدهم بعرض الدنيا ويرغبهم بما عند الله عز وجل ولما بلغ المكان ونظر إلى جموع الناس وهي تطوف بالقصر المنيف مأخوذة بروعة بنائه مدهوشة بسعة أرجائه مشدودة إلى براعة زخارفه وقف فيهم خطيبا وكان في جملة ما قاله لقد نظرنا في مبتنى أخبث الأخبثين فوجدنا أن فرعون شيد أعظم مما شيد وبنى أعلى مما بنا ثم أهلك الله فرعون وأتى على ما بنا وشيد ليت الحجاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه وأن أهل الأرض قد غروه ومضى يتدفق على هذا المنوال حتى أشفق عليه أحد السامعين من نقمة الحجاج فقال له حسبك يا أبا سعيد حسبك فقال له الحسن لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه وفي اليوم التالي دخل الحجاج إلى مجلسه وهو يتميز من الغيض وقال لجلاسه تبا لكم وسحقا يقوم عبد من عبيد أهل البصرة ويقول فينا ما شاء أن يقول ثم لا يجد فيكم من يرده أو ينكر عليه والله لأسقينكم من دمه يا معشر الجبنى ثم أمر بالسيف والنطع فأحضر ودعا بالجلاد فمثل واقفا بين يديه ثم وجه إلى الحسن بعض شرطه وأمرهم أن يأتوه به وما هو إلا قليل حتى جاء الحسن فشخصت نحوه الأبصار ووجفت عليه القلوب فلما رأى الحسن السيف والنطع والجلاد حرك شفتيه ثم أقبل على الحجاج وعليه جلال المؤمن وعزة المسلم ووقار الدعية إلى الله فلما رأاه الحجاج على حاله هذه هابه أشد الهيبة وقال له هاهنا يا أبا سعيد هاهنا ثم ما زال يوسع له ويقول هاهنا والناس ينظرون إليه في دهشة واستغراب حتى أجلسه على فراشه ولما أخذ الحسن مجلسه التفت إليه الحجاج وجعل يسأله عن بعض أمور الدين والحسن يجيبه عن كل مسألة بجنان ثابت وبيان ساحر وعلم واسع فقال له الحجاج أنت سيد العلماء يا أبا سعيد ثم دعا بغالية وهي من أنواع الطيب وطيب له بها لحيته وودعه ولما خرج الحسن من عنده تبعه حاجب الحجاج وقال له يا أبا سعيد لقد دعاك الحجاج لغير ما فعل بك وإني رأيتك عندما أقبلت ورأيت السيف والنطع قد حركت شفتيك فماذا قلت فقال الحسن لقد قلت يا ولي نعمتي وملاذي عند كربتي إجعل نقمته بردا وسلاما علي كما جعلت النار بردا وسلاما على إبراهيم ولقد كثرت مواقف الحسن البصري هذه مع الولاة والأمراء فكان يخرج من كل منها عظيما في أعين ذوي السلطان عزيزا بالله محفوظا بحفظه من ذلك أنه بعد أن انتقل الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز إلى جوار ربه فقالت الخلافة إلى يزيد بن عبد الملك ولا على العراق عمر بن هبيرة الفزاري ثم زاده بسطة في السلطان فأضاف إليه خراسان أيضا وسار يزيد في الناس سيرة غير سيرة سلفه العظيم فكان يرسل إلى عمر بن هبيرة بالكتاب تل والكتاب ويأمره بإنفاذ ما فيها ولو كان مجافيا للحق أحيانا فدعى عمر بن هبيرة كلا من الحسن البصري وعامر بن شراح بيل المعروف بالشعبي وقال لهما إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك قد استخلفه الله على عباده وأوجب طاعته على الناس وقد ولاني ما ترون من أمر العراق ثم زادني فولاني فارس وهو يرسل إلي أحيانا كتبا يأمرني فيها بإنفاذ ما لا أطمئن إلى عدالته فهل تجدان لي في متابعة إياه وإنفاذ أوامره مخرجا في الدين فأجاب الشعبي جوابا فيه ملاطفة للخليفة ومسايرة للوالي والحسن ساكت فالتفت عمر بن هبيرة إلى الحسن وقال وما تقول أنت يا أبا سعيد فقال يبنه بيرة خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله واعلم أن الله جل وعز يمنعك من يزيد وأن يزيد لا يمنعك من الله يبنه بيرة إنه يوشك أن ينزل بك ملك غليض شديد لا يعص الله ما أمره فيزيلك عن سريرك هذا وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك حيث لا تجد هناك يزيد وإنما تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد يبنه بيرة إنك إن تك مع الله تعالى وفي طاعته يكفك بائقة يزيد بن عبد الملك في الدنيا والآخرة وإن تك مع يزيد في معصية الله تعالى فإن الله يكلك إلى يزيد واعلم يبنه بيرة أنه لا طاعة لمخلوق كائنا من كان في معصية الخالق عز وجل فبكى عمر بنه بيرة حتى بلل الدموعه لحيته ومال عن الشعبي إلى الحسن وبالغ في إعظامه وإكرامه فلما خرجا من عنده توجها إلى المسجد فاجتمع عليهم الناس وجعلوا يسألونهما عن خبرهما مع أمير العراقين فالتفت الشعبي إليهم وقال أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله عز وجل على خلقه في كل مقام فليفعل فوالذي نفسي بيده ما قال الحسن لعمر بنه بيرة قولا أجهله ولكني أردت فيما قلته وجه بنه بيرة وأراد فيما قاله وجه الله فأقصان الله من ابنه بيرة وأدناه منه وحببه إليه وقد عاش الحسن البصري نحو من ثمانين عاما ملأ الدنيا خلالها علما وحكمة وفقها وكان من أجل ما ورثه للأجيال رقائقه التي ظلت على الأيام ربيعا للقلوب ومواعظه التي هزت وما زالت تهز الأفئدة وتستدر الشؤون وتدل التائهين على الله وتنبه الغارين الغافلين إلى حقيقة الدنيا وحال الناس معها من ذلك قوله لسائل سأله عن الدنيا وحالها تسألني عن الدنيا والآخرة إن مثل الدنيا والآخرة كمثل المشرق والمغرب متزددت من أحدهما قربا إزددت من الآخر بعدا وتقول لي صف لي هذه الدار فماذا أصف لك من دار أولها عنا وآخرها فنا وفي حلالها حساب وفي حرامها عقاب من استغنى فيها فتن ومن افتقر فيها حزن ومن ذلك أيضا قوله لآخر سأله عن حاله وحال الناس ويحنا ماذا فعلنا بأنفسنا لقد أهزلنا ديننا وسمنا دنيانا وأخلقنا أخلاقنا أي أبلينا أخلاقنا وجددنا فرشنا وثيابنا يتكئ أحدنا على شماله ويأكل من مال غير ماله طعامه غصب يدعوه سخرة أي قهرا بلا أجر يدعو بحلو بعد حامض وبحار بعد بارد وبرطب بعد يابس حتى إذا أخذته الكظة تجشأ من البشم ثم قال يا غلام هاتها ضوما يهضم الطعام يا أحيمق والله لن تهضم إلا دينك أين جارك المحتاج يا يتيم قومك الجائع أين مسكينك الذي ينظر إليك أين ما وصاك به الله عز وجل ليتك تعلم أنك عدد وأنه كلما غابت عنك شمس يوم نقص شيء من عددك ومضى بعضك معه وفي ليلة الجمعة من غرة رجب سنة مائة وعشر لب الحسن البصري نداء ربه فلما أصبح الناس وشاع فيهم نعيه ارتجت البصرة لموته رجا فغسل وكف وصلي عليه بعد الجمعة في الجامع الذي قضا في رحابه جل حياته عالما ومعلما وداعيا إلى الله ثم تبع الناس جميعا جنازته فلم تقم صلاة العصر في ذلك اليوم في جامع البصرة لأنه لم يبق فيه أحد يقيم الصلاة ولا يعلم الناس أن الصلاة عطلت في جامع البصرة منذ ابتناه المسلمون إلا في ذلك اليوم يوم انتقال الحسن البصري إلى جوار ربه كيف يضل قوم فيهم مثل الحسن البصري مسلمة ابن عبد الملك رقفا ومثالا تبع الرسول إذا سعى أو قالا كانوا هنا يسقون غيما حياتنا فمضوا فينا ذكرهم يتعالا رحلوا وألقوا في الضمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأنا