بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه كان في بني عبد مناف خمسة رجال يشبهون رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الشبه حتى إن ضعاف البصر كثيرا ما كانوا يخلطون بين النبي وبينهم ولا ريب في أنك تود أن تعرف هؤلاء الخمسة الذين يشبهون نبيك عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام فتعال نتعرف عليهم إنهم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو بن عم الرسول وأخوه من الرضاع وقثم بن العباس بن عبد المطلب وهو بن عم النبي أيضا والسائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم جد الإمام الشافعي رضي الله عنه والحسن بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أشد الخمسة شبها بالنبي صلوات الله وسلامه عليه وجعفر بن أبي طالب وهو أخو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فتعال نقص عليك صورا من حياة جعفر كان أبو طالب على الرغم من سمو شرفه في قريش وعلو منزلته في قومه رقيق الحال كثير العيال وقد ازدادت حاله سوءا على سوء بسبب تلك السنة المجدبة التي نزلت بقريش فأهلكت الضرع وحملت الناس على أن يأكلوا العظام البالية ولم يكن في بني هاشم يومئذ أيسر من محمد بن عبد الله ومن عمه العباس فقال محمد للعباس يا عم إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من شدة القحط ومضى الجوع فانطلق بنا إليه حتى نحمل عنه بعض عياله فآخذ أنافة من بنيه وتأخذ أنتفة آخر فنكفيهما عنه فقال العباس لقد دعوت إلى خير وحضظت على بر ثم انطلق حتى أتى يا أبا طالب فقال له إنا نريد أن نخفف عنك بعض ما تحمله من عبئ عيالك حتى ينكشف هذا الضر الذي مسى الناس فقال لهما إذا تركتما لي عقيلا فاصنع ما شئتما فأخذ محمد علي وضمه إلي وأخذ العباس جعفرا وجعله في عياله فلم يزل علي مع محمد حتى بعثه الله بدين الهدى والحق فكان أول من آمن من الفتيان وظل جعفر مع عمه العباس حتى شب وأسلم واستغنى عنه انضم جعفر بن أبي طالب إلى ركب النور هو وزوجه أسماء بنت عميس منذ أول الطريق فقد أسلمى على يدي الصديق رضي الله عنه قبل أن يدخل الرسول دار الأرقم ولقي الفتى الهاشمي وزوجه الشابة من أذا قريش ونكالها ما لقيه المسلمون الأوائل فصبرى على الأذا لأنهما كان يعلمان أن طريق الجنة مفروش بالأشواك محفوف بالمكاره ولكن الذي كان ينغصهما وينغص إخوتهما في الله أن قريشا كانت تحول دونهم ودون أداء شعائر الإسلام وتحرمهم من أن يتذوقوا لذة العبادة فقد كانت تقف لهم في كل مرصد وتحصي عليهم الأنفاس عند ذلك استأذن جعفر بن أبي طالب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بأن يهاجر مع زوجه ونفر من الصحابة إلى أرض الحبشة فأذن لهم وهو أسوان حزين فقد كان يعز عليه أن يرغم هؤلاء الأطهار الأبرار على مفارقة ديارهم ومبارحة مراتع طفولتهم ومغاني شبابهم دون ذنب جنوه إلا أنهم قالوا ربنا الله ولكنه لم يكن يملك من القوة والحول ما يدفع به عنهم أذا قريش مضى ركب المهاجرين الأولين إلى أرض الحبشة وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه واستقروا في كنف النجاشي ملكها العاد للصالح فتذوقوا لأول مرة منذ أسلموا طعم الأمن واستمتعوا بحلاوة العبادة دون أن يعكر متعة عبادتهم معكر أو يكدر صف وسعادتهم مكدر لكن قريشا ما كادت تعلم برحيل هذا النفر من المسلمين إلى أرض الحبشة وتقف على ما نالوه من حما مليكها من الطمأنينة على دينهم والأمن على عقيدتهم حتى هبت تأتمر بهم لتقتلهم أو تسترجعهم إلى السجن الكبير فلنترك الحديث لأم سلمة لتروي لنا الخبر كما رأته عيناها وسمعته أذناها قالت أم سلمة لما نزلنا أرض الحبشة لقينا فيها خير جوار فأمنا على ديننا وعبدنا الله تعالى ربنا من غير أن نؤذى أو نسمع شيئا نكره فلما بلغ ذلك قريشا اعتمرت بنا فأرسلت إلى النجاشي رجلين جلدين من رجالها هما عمر بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة وبعثت معهما بهدايا كثيرة للنجاشي ولبطارقته مما كانوا يستطرفونه من أرض الحجاز ثم أوصتهما بأن يدفع لكل بطريق هديته قبل أن يكلم ملك الحبشة في أمرنا فلما قدم الحبشة لقياب طارقة النجاشي ودفع إلى كل بطريق هديته فلم يبق أحد منهم إلا أهدايا إليه وقال له إنه قد حل في أرض الملك غلمان من سفهائنا صبأوا عن دين آبائهم وأجدادهم وفرقوا كلمة قومهم فإذا كلمنا الملك في أمرهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا دون أن يسألهم عن دينهم فإن أشراف قومهم أبصروا بهم وأعلموا بما يعتقدون فقال البطارقة نعم قالت أم سلمة ولم يكن هناك شيء أكره لعمر وصاحبه من أن يستدعي النجاشي أحدا منا ويسمع كلامه ثم أتي النجاشي وقدم إليه الهدايا فاستطرفها وأعجب بها ثم كلّماه فقال أيها الملك إنه قد أوى إلى مملكتك طائفة من أشرار غلماننا قد جاءوا بدين لا نعرفه نحن ولا أنتم فقو ديننا ولم يدخلوا في دينكم وقد بعثنا إليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم وهم أعلموا الناس بما أحدثوه من فتنة فنظر النجاشي إلى بطارقته فقال البطارقة صدقاء أيها الملك فإن قومهم أبصروا بهم وأعلموا بما صنعوا فردهم إليهم ليروا رأيهم فيهم فغضب الملك غضبا شديدا من كلام بطارقته وقال لا والله لا أسلمهم لأحد حتى أدعوهم وأسألهم عما نسب إليهم فإن كانوا كما يقول هذان الرجلان أسلمتهم لهما وإن كانوا على غير ذلك حميتهم وأحسنت جوارهم ما جاوروني قالت أم سلمة ثم أرسل النجاشي يدعونا للقائه فاجتمعنا قبل الذهاب إليه وقال بعضنا لبعض إن الملك سيسألكم عن دينكم فاصدعوا بما تؤمنون به وليتكلم عنكم جعفر بن أبي طالب ولا يتكلم أحد غيره قالت أم سلمة ثم ذهبنا إلى النجاشي فوجدناه قد دعاب طارقته فجلسوا عن يمينه وعن شماله وقد لبسوا طيالستهم واعتمروا قلانسهم ونشروا كتبهم بين أيديهم ووجدنا عنده عمر بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة فلما استقر بن المجلس التفت إلينا النجاشي وقال ما هذا الدين الذي استحدثتمه لأنفسكم وفارقتم بسببه دين قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أي من هذه الملل فتقدم منه جعفر بن أبي طالب وقال أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأت الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف وبقينا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله إن وحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وأباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وقد أمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم وحقن الدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا وأن نقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ونصوم رمضان فصدقناه وأمنا به واتبعناه على ما جاء به من عند الله فحللنا ما أحللنا وحرمنا ما حرم علينا فما كان من قومنا أيها الملك إلا أنعدوا علينا فعذبونا أشد العذاب ليفتنونا عن ديننا ويردونا إلى عبادة الأوثان فلما ظلمونا وقهرونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نغلم عندك قالت أم سلمة فالتفت النجاشي إلى جعفر بن أبي طالب وقال هل معك شيء مما جاء به نبيكم عن الله قال نعم قال فقرأه علي حتى أتم صدرا من السورة قالت أم سلمة فبك النجاشي حتى خضلت لحيته بالدموع وبكأ ساقفته حتى بللوا كتبهم لما سمعوه من كلام الله وهنا قال لنا النجاشي إن هذا الذي جاء به نبيكم والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة ثم التفت إلى عمر وصاحبه وقال لهما إن طلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما أبدا قالت أم سلمة فلما خرجنا من عند النجاشي توعدنا عمر بن العاص وقال لصاحبه والله لآتينا الملك غدا ولأذكرنا له من أمرهم ما يملأ صدره غيظا منهم ويشحن فؤاده كرها لهم والأحملنه على أن يستأصلهم من جذورهم فقال له عبدالله بن أبي ربيعة لا تفعل يا عمر فإنهم من ذوي قربانا وإن كانوا قد خالفونا فقال له عمر دع عنك هذا والله لأخبرنه بما يزلزل أقدامهم والله لآقولن له إنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد فلما كان الغد دخل عمر على النجاشي وقال له أيها الملك إن هؤلاء الذين آويتهم وحميتهم يقولون في عيسى بن مريم عظيما فأرسل إليهم وسلهم عما يقولونه فيه قالت أم مسلمة فلما عرفنا ذلك نزل بنا من الهم والغم ما لم نتعرض لمثله قط وقال بعضنا لبعض ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه الملك فقلنا والله لا نقول فيه إلا ما قال الله ولا نخرج في أمره قيدأ ملة عما جاء به نبينا وليكن بسبب ذلك ما يكون ثم اتفقنا على أن يتولى الكلام عنا جعفر بن أبي طالب أيضا فلما دعان النجاشي دخلنا عليه فوجدنا عنده بطارقته على الهيئة التي رأيناهم عليها من قبل ووجدنا عنده عمر بن العاص وصاحبه فلما صرنا بين يديه بادرنا بقوله ماذا تقولون في عيسى بن مريم فقال له جعفر بن أبي طالب إنما نقول فيه ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم فقال النجاشي ومن الذي يقوله فيه فأجاب جعفر يقول عنه إنه عبد الله ورسوله وروحه وكلمته التي ألقاها إلى مريم العذراء البتول فما إن سمع النجاشي قول جعفر حتى ضرب بيده الأرض وقال والله والله ما خرج عيسى بن مريم عما جاء به نبيكم مقدار شعره فتناخرت البطارقة من حول النجاشي استنكارا لما سمعوا منه فقال وإن نخرتم ثم التفت وقال اذهبوا فأنتم آمنون من سبكم غرم ومن تعرض لكم عوقب ووالله ما أحب أن يكون لي جبل من ذهب وأن يصاب أحد منكم بسوء ثم نظر إلى عمر وصاحبه وقال ردوا على هذين الرجلين هداياهما فلا حاجة لي قالت أم سلمة فخرج عمر وصاحبه مكسورين مقهورين يجران أذيال الخيبة أما نحن فقد أقمنا عند النجاشي بخير دار مع أكرم جار قضى جعفر بن أبي طالب هو وزوجته في رحاب النجاشي عشر سنوات آمينين مطمئنين وفي السنة السابعة للهجرة غادر بلاد الحبشة مع نفر من المسلمين متجهين إلى يثرب فلما بلغوها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عائدا لتوهي من خيبر بعد أن فتحها الله له ففرح بلقاء جعفر فرحا شديدا حتى قال ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر ولم تكن فرحة المسلمين عامة والفقراء منهم خاصة بعودة جعفر بأقل من فرحة الرسول صلوات الله وسلامه عليه فقد كان جعفر شديد الحذب على الضعفاء كثير البر بهم حتى إنه كان يلقب بأبي المساكين أخبر عنه أبو هريرة فقال كان خير الناس لنا معشر المساكين جعفر بن أبي طالب فقد كان يمضي بنا إلى بيته فيطعمنا ما يكون عنده حتى إذا نفد طعامه أخرج لنا العكة التي يوضع فيها السمن وليس فيها شيء فنشقها ونلعق ما علق بداخلها لم يطل مكث جعفر بن أبي طالب في المدينة ففي أوائل السنة الثامنة للهجرة جهز الرسول صلوات الله وسلامه عليه جيشا لمنازلة الروم في بلاد الشام وأمر على الجيش زيد بن حارثة وقال إن قتل زيد أو أوصيب فالأمير جعفر بن أبي طالب فإن قتل جعفر أو أوصيب فالأمير عبد الله بن رواحة فإن قتل عبد الله بن رواحة أو أوصيب فليختر المسلمون لأنفسهم أميرا منهم فلما وصل المسلمون إلى مؤته وهي قرية واقعة على مشارف الشام في الأردن وجدوا أن الروم قد أعدوا لهم مائة ألف تظاهرهم مائة ألف أخرى من نصار العرب من قبائل لخم وجذام وقضاعة وغيرها أما جيش المسلمين فكان ثلاثة آلاف وما إن التق الجمعان ودارت رحل معركة حتى خر زيد بن حارثة صريعا مقبلا غير مدبر فما أسرع أن وثب جعفر بن أبي طالب عن ظهر فرس كانت له شقراء ثم عقرها بسيفه حتى لا ينتفع بها الأعداء من بعده وحمل الراية وأوغل في صفوف الروم وهو ينشد يا حبذ الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قدنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها علي إذ لاقيتها ضرابها وظل يجول في صفوف الأعداء بسيفه ويصول حتى أصابته ضربة قطعت يمينه فأخذ الراية بشماله فما لبث أن أصابته أخرى قطعت شماله فأخذ الراية بصدره وعضوديه فما لبث أن أصابته ثارثة شطرته شطرين فأخذ الراية منه عبد الله بن رواحة حتى لحق بصاحبه بلغ الرسول صلوات الله وسلامه عليه مصرع قواده الثلاثة فحزن عليهم أشد الحزن وأمضه وانطلق إلى بيت ابن عمه جعفر بن أبي طالب فألفى زوجته أسماء تتأهب الاستقبال زوجها الغائب فهي قد عجنت عجينها وغسلت بنيها ودهنتهم وألبستهم قالت أسماء فلما أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت غلالة من الحزن توشح وجهه الكريم فسرت المخاوف في نفسي غير أني لم أشأ أن أسأله عن جعفر مخافة أن أسمع منه ما أكره فحيا وقال إيتني بأولاد جعفر فدعوتهم له فهبوا نحوه فرحين مزغردين وأخذوا يتزاحمون عليه كل يريد أن يستأثر به فأكب عليهم وجعل يتشممهم وعيناه تذريفان من الدمع فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك أبلغك عن جعفر وصاحبيه شيء قال نعم لقد سشهدوا هذا اليوم عند ذلك غاضت البسمة من وجوه الصغار لما سمعوا أمهم تبكي وتنشر وجمدوا في أماكنهم كأن على رؤوسهم الطير أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى وهو يكفكف عبراته ويقول اللهم اخلف جعفرا في ولده اللهم اخلف جعفرا في أهله ثم قال لقد رأيت جعفرا في الجنة له جناحان مضرجان بالدماء وهو مصبوغ القوى لقد رأيت جعفرا في الجنة له جناحان مضرجان بالدماء وهو مصبوغ القوى حديث شيء