بسم الله الرحمن الرحيم كنوز السيرة قصة أبي محمد الميورقي وهي قصة عجيبة مشابهة لهذه القصة يرويها لنا أبو محمد عبد الله الميورقي نسبة إلى ميوركا في أسبانيا وقد كان نصرانيا ثم أسلم وذكر قصة إسلامه قال لما بلغت ست سنين من عمري أسلمني والدي إلى معلم من القسيسين فقرأت عليه الإنجيل حتى حفظت أكثر من شطره مدة سنتين ثم أخذت في تعلم لغة الإنجيل وعلم المنطق في ست سنين ثم رحلت من بلدي إلى مدينة لاردا من أرض القسطلان وهي مدينة العلم عند النصارى فسكنت في كنيسة لقسيس كبير السن عندهم كبير القدر اسمه نقلاء مارتين وكانت منزلته فيهم في العلم والدين والزهد رفيعة جدا انفرد بها في زمنه عن جميع أهل دين النصرانية فكانت الأسئلة في دينهم ترد عليه من الآفاق من جهة الملوك وغيرهم ويصحب هذه الأسئلة كثير من الهدايا الضخمة ويرغبون جميعا بالتبرك به وفي قبوله لهداياهم ويتشرفون بذلك فقرأت على هذا القسيس علم الأصول وأحكامهم ولم أزل أتقرب إليه بخدمته والقيام بكثير من وظائفه حتى صيرني من أخص خواصه وانتهيت في خدمتي له وتقرب إليه إلى أن دفع إلي مفاتيح مسكنه وخزائن مأكله ومشربه جميع ذلك كله على يدي ولم يستثني من ذلك سوى مفتاح بيت صغير بداخله مسكنه كان يخلو فيه بنفسه فلازمته على ما ذكرت من القراءات عليه والخدمة له عشر سنين ثم أصابه مرض يوما من الدهر فتخلف عن حضور مجلس أقرانه وانتظره أهل المجلس وهم يتذاكرون مسائل من العلوم إلى أن أفضى بهم الكلام إلى قول الله عز وجل على لسان عيسا إنه يأتي من بعده نبي اسمه البارق ليط فبحثوا في تعيين هذا النبي من هو من الأنبياء وقال كل واحد منهم بحسب علمه وفهمه فعظم بينهم في ذلك مقالهم وكثر جدالهم ثم انصرفوا من غير تحصيل فائدة في تلك المسألة فأتيت مسكن الشيخ صاحب الدرس المذكور فقال لي ما الذي كان عندكم اليوم من البحث في غيبتي عنكم فأخبرته باختلاف القوم في اسم البارق ليط وأن فلانا قد أجاب كذا وفلانا قد أجاب بكذا وسرت له أجوبتهم فقال لي وبماذا أجبت أنت فقلت بجواب القاضي فلان في تفسيره الإنجيل فقال لي ما قصرت وقربت وفلان أخطى وكاد فلان أن يقارب يقول عبدالله الميورقي فلما قال لي أخطأ فلان وقرب فلان ولكن الحق قلاف ذلك كله لأن تفسير هذا العلم الشريف لا يعلمه إلا العلماء الراصخون في العلم وأنتم لم يحصل لكم من العلم إلا القليل فبادرت إلى قدميه أقبلهما وقلت له يا سيدي قد علمت أني ارتحلت إليك من بلد بعيد ولي في خدمتك عشر سنين حصلت عنك من العلوم جملة لا أحصيها فلعل من جميل إحسانكم أن تمنوا علي بمعرفة هذا الاسم فبك الشيخ وقال لي يا ولدي والله أنت لتعز علي كثيرا من أجل خدمتك لي وانقطاعك إلي وفي معرفة هذا الاسم الشريف فائدة عظيمة لكني أخاف عليك إن يظهر ذلك عليك تقتلك عامة النصارة قلت له يا سيدي والله العظيم وحق الإنجيل ومن جاء به لا أتكلم بشيء مما تسره إلي إلا عن أمرك فقال لي يا ولدي إني سألتك في أول قدومك علي عن بلدك وهل هو قريب من المسلمين وهل يغزونكم أو تغزونهم لأختبر ما عندك من منافرة للإسلام أعلم يا ولدي أن البارق ليط هو اسم من أسماء نبيهم محمد وعليه نزل الكتاب الرابع المذكور على لسان دانيال عليه السلام فقلت له يا سيدي وما تقول في دين هؤلاء النصارة قال لي يا ولدي لو أن النصارة أقام على دين عيس الأول لكانوا على دين الله فقال لي أن عيس وجميع الأنبياء دينهم دين الله ولكن بدلوا وكفروا فقلت له يا سيدي كيف الخلاص من هذا الأمر قال يا ولدي بالدخول في دين الإسلام فقلت له هل ينجو الداخل فيه قال لي نعم ينجو في الدنيا والآخرة فقلت يا سيدي فقل لا يختار لنفسه إلا أفضل ما يعلم فإذا علمت فضل دين الإسلام فما يمنعك منه فقال لي يا ولدي إن الله لم يطلعني على حقيقة ما أخبرتك به من فضل الإسلام وشرف نبي أهل الإسلام إلا بعد كبر سني ووهني جسمي ولا عذر لنا بل هو حجة علينا قائمة ولو هدان الله لذلك وأنا في سنك لتركت كل شيء ودخلت في دين الحق وحب الدنيا رأس كل خطيئة وأنت ترى ما أنا فيه عند النصارى من رفعة الجاه والعز والترف وكثرة عرض الدنيا ولو أني ظهر علي شيء من الميل إلى دين الإسلام لقتلتني العامة في أسرع وقت فهب أني نجوت وخلصت إلى المسلمين فأقول لهم إني جئتكم مسلما فيقولون لي قد نفعت نفسك بنفسك في الدخول بدين الحق فلا تمن علينا بدخولك في دين خلصت به نفسك من عذاب الله فأبقى بينهم شيخا كبيرا فقيرا ابن تسعين سنة لا أفقه لسانهم ولا يعرفون حقي فأموت بينهم جوعا وأنا والحمد لله على دين عيسا وعلى ما جاء به يعلم الله ذلك مني فقلت له يا سيدي أفتدلني أن أمشي إلى بلاد المسلمين وأدخل في دينهم فقال لي إن كنت عاقلا طالبا للنجاه فبادر إلى ذلك تحصر لك الدنيا والآخرة وهنا في قوله أنا والحمد لله على دين عيسا يكذب فيه على نفسه لأنه قال أيضا إنهم بدلوا وكفروا إلا إن كان مسلما يكتم إسلامه ويقول بالتوحيد ويكفر بالتثليث ويكتم إيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم قال لي ولكن يا ولدي هذا أمر لم يحضره أحد معنا فاكتمه في غاية جهدك وإن ظهر عليك شيء منه قتلتك العامة بحينك ولا أقدر على نفعك ولا ينفعك أن تنقل ذلك عني فإني أجحده وقولي مصدق عليك وقولك غير مصدق علي ثم أخذت أسباب الرحلة إلى أن رحلت بعد ذلك إلى تونس ودخلت في دين الله تبارك وتعالى وكلمة بارق ليطه هذه يقول عنها الأستاذ عبد الوهاب النجار جلست مع الدكتور كارلو نيلنو فقلت له يا دكتور ما معنى بارك ليتوس فأجابني بقوله إن القصوص يقولون إن هذه الكلمة معناها المعزي فقلت له إني أسأل الدكتور لكارلو نيلنو الحاصل على الدكتوراه في آداب اللغة اليونانية القديمة ولست أسأل قسيسا فقال معناها الذي له حمد كثير فقلت له هل ذلك يوافق أفعل التفضيل من حمد قال نعم قلت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسمائه أحمد فقال لي يا أخي إنك تحفظ كثيرا وسكت يقول ابن عباس عن وفد نجران اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا فقالت الأحبار ما كان إبراهيم إلا يهوديا وقالت النصارى ما كان إلا نصرانيا فأنزل الله تبارك وتعالى يا أهل الكتاب لم تحاون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ها أنتم هؤلاء حاججتم في ما لكم به علم فلم تحاون في ما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم ل الذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعو أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين فطالبهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمباهلة فوافقوا على المباهلة فطلب النبي صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم ليباهل بهم فلما رأوا صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يريد أن يباهل قالوا له بل أرسل معنا من يعلمنا هذا الدين وقال شرح بيل لصاحبيه لقد علمتما أن الوادي إذا اجتمع وعلىه وأسفله لم يرد ولم يصدر إلا عن رأيه وإني والله أرى أمرا مقبلا وأرى والله إن كان هذا الرجل ملكا مبعوثا فكنا أول العرب طعن في عينه ورد إليه أمره لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور قومه حتى يصيبنا بجائحة وأنا أدنى العرب منهم جوارا وإن كان هذا الرجل فقال الرجل نبيا مرسلا فلا عناه فلا يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك فقال له صاحباه فمن رأي فقد وضعت الأمور على ذراع فهاتي رأيك فقال رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا فقال له أنت وذاك فلقي النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك فقال ما هو حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح فمهما حكمت فينا فهو جائز فقال صلى الله عليه وسلم لعل وراءك أحد يثرب عليك فقال سل صاحبي فقال لهما فقال ما يرد الوادي وما يصدر إلا على رأي شرحبيل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كافر موفق فرجع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلاعنهم وكتب لهم كتابا طويلا ثم أرسل أبا عبيدة عامر بن الجراح ليفقههم في دين الله تبارك وتعالى وكان قد قال لهم لأرسلن معكم أمينا حق أمين و أرسل أبا عبيدة وقال هذا أمين هذه الأمة كنوز السيرة وفد بني سعد بن بكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال بعثت بن سعد بن بكر ضمام ابن ثعلبة وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم عليه فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد بين أصحابه فقال أيكم ابن عبد المطلب وهذا من جفاء الأعراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ابن عبد المطلب فقال محمد قال نعم فقال يا ابن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك قال صلى الله عليه وسلم لا أجد في نفسي فسل عما بدالك فقال أنشدك الله إلهك وإله أهلك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آه الله بعثك إلينا رسولا قال اللهم نعم فقال أنشدك الله إلهك وإله أهلك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آه الله أمرك أن نعبده ولا نشرك به شيئا وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون قال صلى الله عليه وسلم اللهم نعم ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة الصلاة والزكا والحج والصيام يسأله عنها بهذه الطريقة ثم قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وسأؤدي هذه الفرائض لما نهيتني عنه ولا أزيد ولا أنقص ثم انصرف إلى بعيره فقال صلى الله عليه وسلم إن يصدق ذو العقيصتين يدخل الجنة وفي رواية أن هذا الرجل قال والله لا أزيد عليها ولا أنقص فقال صلى الله عليه وسلم أفلح والله إن صدق ثم قدم ذمام على قومه فاجتمعوا إليه فكان أول ما قال بئسة اللات والعزة فقالوا مهيا ضمام اتق البرص والجنون والجذام قال ويلكم إنهما لا يضران ولا ينفعان إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضرته رجل ولامرأة إلا مسلما وهذه من بركات بعض الناس على أقوامهم أنهم يسلمون بفضل دعائهم لهم أو محبة القوم لهم أو رصيحتهم لهم أو غير ذلك من الأسباب لما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة بعث بعوثا وهيئا بعثا استعمل عليه قيسا بن سعد بن عبادة وعقد له لواء أبيض ودفع إليه راية سودا وعسكر معه أربعمائة من المسلمين وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يطأ ناحية من اليمن كان فيها صداء وهم بطن من كهلان من قحطان فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل منهم يقال له زياد بن الحارث وقد علم أن الجيش سيغزو قومه فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله جئتك وافدا على من ورائي فردد الجيش وأنا لك بقومي فرد الرسول صلى الله عليه وسلم قيسا بن سعد وخرج الصدائي إلى قومه فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر رجلا منهم فقال سعد بن عبادة يا رسول الله دعهم ينزلوا علي فنزلوا علي فحياهم وأكرمهم وكساهم ثم راحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام فقالوا نحن لك على من وراءنا من قومنا فرجعوا إلى قومهم ففشى فيهم الإسلام فوافى الرسول صلى الله عليه وسلم منهم مئة رجل في حجة الوداع وهناك وفود أخرى وفدت على الرسول صلى الله عليه وسلم وفيما ذكرناه في هذه الوفود كفاية كنوز السيرة