بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله أبو لبابة رضي الله عنه في السنة الثانية قبل الهجرة خرجت قوافل الحجاج من مشرك يثرب ميممة وجهها شطر مكة تريد الحج وكان في صفوف هذه القوافل المشركة سبعون رجلا ومرأتان قد اعتنقوا الإسلام وأقبلوا على مكة وهم يمنون نفوسهم بلقاء نبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم وصاحب دينهم القويم فقد آمن به كثير منهم قبل أن تكتحل أعينهم بمرأة وما إن وافوا مكة حتى واعد الرسول صلوات الله وسلامه عليه على اللقاء سرا في ثاني يوم من أيام التشريق وكان موضع اللقاء عند الجمرة الأولى من منا أما وقته ففي الهزيع الأخير من الليل خوفا من أن تعلم قريش فالليل ستار والدنيا نائمة إلا قلوب المؤمنين وهناك تعيد المؤمنون السابقون من الأنصار بلقاء نبيهم صلى الله عليه وسلم في نجوة من قريش وهناك أيضا بسطوا أيديهم إليه وقالوا بايعنا يا رسول الله فنحن أهل الحروب وأهل السلاح ورثناه كابرا عن كابر ثم بايعوه على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم وأن يرحل إليهم هو وأصحابه وكان في طليعة المبايعين أبو لبابة رفاعة بن المنذر وقبل أن ينفض هؤلاء المؤمنون المبايعون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختار من زعمائهم 12 رجلا جعلهم نقباء عليهم وكان في جملة النقباء أبو لبابة إلى يثرب مع الطليعة المؤمنة فرحين بما آتاهم الله من فضله مغتبطين بالاجتماع إلى نبيهم صلى الله عليه وسلم عاقدين العزم على الوفاء بشروط البيعة فأخذوا يعدون العدة لتلقي أفواج المهاجرين ويتخذون الأهبة لاستقبال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ثم أذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة فيمم وجهه شطر المدينة ومعه صفيه وخليله وصاحبه أبو بكر الصديق فما إن واف الرسول صلى الله عليه وسلم مشارف يثرب حتى زحفت المدينة كلها لاستقبال نزيلها العظيم والترحيب بنبيها الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو لبابة في طليعة المستقبلين المرحبين ومرت الأيام وأرسيت قواعد دولة الإسلام وأذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالجهاد وعزم الرسول صلى الله عليه وسلم على لقاء المشركين في بدر فلما فصل جيش المسلمين عن المدينة متوجه للقاء عدوه وعدو الله كان في الجيش أبو لبابة وهو يتشوق إلى الجهاد ويمن النفس بالاستشهاد ولكن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه رده من بعض الطريق واستخلفه على المدينة وأمره بالرجوع فأذعن أبو لبابة للأمر وعاد أدراجه وفي النفس غصة وفي الفؤاد حسرة ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم لا يرد شعر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بما يعتمل في نفس أبي لبابة من عواطف متضاربة ففي خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة شرف ما يدانيه شرف وفي الحرمان من ثواب الجهاد خسارة ما تعادلها خسارة فطيب الرسول صلى الله عليه وسلم خاطرة وضرب له بسهم ووعده الأجر فكان كمن شهد بدرا ظل أبو لبابة مخلصا لربه وفيا بالبيعة التي بايعها لنبيه صلى الله عليه وسلم حتى كانت غزوة بني قريضة حيث كبى جواده كبوة وزل زلة ما كان يتخيل أنها تصدر عنه ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام توجه بعد غزوة الخندق إلى بني قريضة ليؤدبهم جزاء نكثهم بعهدهم وخيانتهم له وغدرهم بالمسلمين فأطبق على حصونهم من كل جانب وأحاط بهم إحاطة القيد بالعنق فلما اشتد عليهم الحصار بعثوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يفاوضونه على الاستسلام ويشترطون لأنفسهم بعض الشروط فأبى النبي عليه الصلاة والسلام أن يقبل منهم أي شرط وأمرهم أن ينزلوا على حكمه مهما كان وكان قد حكم على مقاتليهم من الرجال بالقتل وهم لا يعلمون فبعثوا إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه يقولون إبعث لنا أبى لبابة نستشيره وكان بينهم وبين قوم أبي لبابة محالفة في الجاهلية فلما جاءهم أبو لبابة التفحوا له النساء والأطفال يبكون وينتحبون وقام إليه الرجال يسألونه أترى أن ننزل على حكم محمد يا أبى لبابة فقال نعم ولكنه أشار بيده إلى حلقه ليعلمهم بذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حكم عليهم بالذبح قال أبو لبابة فوالله ما زالت قدمايا من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأسقط في يدي فما أدري كيف أخرج من سخط الله لم يأتي أبو لبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن من طلق على وجهه إلى بيته فاستحضر سلسلة من حديد وطلب أن يشد بها إلى سارية من سوار المسجد وهو واقف على قدميه ثم قال والله لا أحل نفسي ولا أصيب طعاما أو شرابا حتى يتوب الله علي أو أموت فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم على حاله هذه وعرف ما كان من أمره قال أما إنه لو أتاني لستغفرت له ولكنه قد فعل فلست أطلقه حتى يطلقه الله ظل أبو لبابة على حاله هذه أياما حتى ضعف جسمه ووهن عظمه وخارت قواه ثم تلتها أيام أخرى أصيب فيها سمعه فما عاد يسمع إلا قليلا وزاغ فيها بصره فما عاد يبصر إلا يسيرا وكانت له بنية تأتيه باكية منتحبة فتحل وثاقه عند كل صلاة ثم تعيده إلى سلسلته بعد ذلك قضى أبو لبابة ستة أيام بلياليها مشدودا إلى سارية المسجد حتى جاءه الفرج من السماء عند سحر الليلة السابعة وكان ذلك في بيت أم سلمة رضوان الله عليها قالت أم سلمة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند السحر وهو يضحك فقلت مم تضحك يا رسول الله أضحك الله سنك قال صلى الله عليه وسلم تاب الله على أبي لبابة قلت أفلأبشره يا رسول الله قال صلى الله عليه وسلم بلى إن شئتي فقامت أم سلمة على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب الحجاب على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وقالت يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك قالت أم سلمة فثار الناس إليه ليطلقوه فقال لا والله حتى يطلقني رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فلما خرج الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الصلاة أطلقه بنفسه ليس في وسع أحد أن يقدر فرحة أبي لبابة بتوبة الله عليه أو أن يتصور مدى بهجته برضى نبيه صلى الله عليه وسلم عنه فقد ظل منذ ذلك اليوم يقرأ قول الله عز وجل الذي نزل فيه كلما قرأ ذلك فأغضت عيناه فرحا بتوبة الله عليه أما إنه لو أتاني لا استغفرت له محمد رسول الله في مدحهم هل هم هل