بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ عَلَيْهَا السَّلَامِ موقف اليهود والنصارى من مريم وقع اليهود والنصارى في موقفهم من مريم عليه السلام بين طرفين قِيض فأما اليهود فساروا في موقفهم من مريم وبنها على طريقتهم الضالة في معرفة الحق والإعراض عنه وفي قتل الأنبياء ورميهم بعظائم الأمور فهذه الطائفة من اليهود وفي زمان عيسى عليه السلام رأوا الآيات العظيمة الدالة على طهر مريم وعفتها والآيات الدالة على نبوة عيسى بن مريم عليه السلام ومع ذلك لم يؤمنوا بها ورموا مريم بالزنا وقالوا عن عيسى بن مريم انه ابن زنا ولذلك قال الله عن موقفهم هذا في كتابه وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما قال ابن عقية الأندلسي رحمه الله يعني رميهم إياها بالزنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى في المهد وإلا فلولا الآية لكانوا في قولهم جارين على حكم البشر في إنكار حمل من غير ذكر وإذا تجرأ اليهود على قتل أنبياءهم والطعن في أعراضهم فلا يستغرب أن يطعنوا في مريم العفيفة الطاهرة عليه السلام فهذه طريقتهم في التعامل مع أولياء الله قال تعالى ولقد آتينا موسى الكتاب وقفنا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون وكان عيسى ابن مريم ممن سعوا في قتله قال تعالى وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بر رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما بل قد سعوا في قتل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بشات المسمومة فعن أنس رضي الله عنه أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشات مسمومة فأكل منها فجيئ بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت أردت لأقتلك قال ما كان الله ليسلطك على ذاك قال أو قال عليه رواه البخاري وعن أبي سلمة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة فأهدت له يهودية بخيب رشاة مصلية سمتها فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأكل القوم فقال ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري فأرسل إلى اليهودية ما حملك على الذي صنعتي قالت إن كنت نبيا لم يضرك الذي صنعت وإن كنت ملكا أرحت الناس منك فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت ثم قال في وجعه الذي مات فيه ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر فهذا أوان قطعت أبهري رواه أبو داوود فاليهود قتلت الأنبياء دعاة الشر والفساد في الأرض ومن قرأ تاريخهم في أوروبا وكيف أخرجوا نساء النصار من بيوتهن بعد الحرب العالمية وسعوا في إفسادهن واستغلالهن حتى وصل الحال إلى الإباحية المطلقة اليوم عند النصار بجميع أشكالها وإذا كان هذا موقف اليهود من العفيفة الطاهرة مريم ابنة عمران عليه السلام فلا تتوقع أخت الكريمة من اليهود اليوم أنهم سيحرصون على طهرك وعفافك وإذا كانت بداية الفساد الذي أحدثه اليهود في أوروبا هو إخراج المرأة من بيتها إلى ميادين العمل في المصانع وغيرها ثم استغلالها بأبشع أنواع الاستغلال حتى رموها في الشوارع ضائعة انتائها لا تعرف للطهر طريقا ولا تختلف حياتها عن حياة البهائم حتى نزلت مكانتها إلى الحضيض فإذا كان هذا فعلهم مع النصار فلا تظني بالدعوات المطالبة بعمل المرأة وخروجها من بيتها في مجتمعات المسلمين أنها دعوات صالحة بعيدة عن مخططات اليهود إن الذين قتلوا الأنبياء لن يتورعوا عن قتل غيرهم إذا انتهت مصلحتهم معه فالمسالمة والتطبيع مع اليهود لا تأتي بخير على أحد أبدا وأما موقف النصار من مريم ابنة عمران عليه السلام فهو الطرف النقيض من موقف اليهود فغلوا في مريم وابنها حتى أن لهما من دون الله قال تعالى وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم فأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي لا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب قال ابن تيمية رحمه الله حكى الله عنهم تارة أنهم يقولون المسيح ابن الله وتارة أنهم يقولون إن الله هو المسيح ابن مريم وأما حكايته عنهم أنهم قالوا إن الله ثالث ثلاثة فالمفسرون يقولون الله والمسيح وأمه كما قال يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ولهذا قال في سياق الكلام ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة أي غاية المسيح الرسالة وغاية أمه الصديقية لا يبلغان إلى اللاهوتية فهذا حجة هذا وهو ظاهر ومن الناس من يزعم أن المراد بذلك الأقانيم الثلاثة وهي الأب والابن وروح القدس وهذا فيه نظر وقال ابن كثير رحمه الله هذا أيضا مما يخاطب الله به عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام قائلا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رؤوس الأشهاد وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد آمنت بما وصف الله به مريم ابنة عمران عليه السلام ولم ترفعها فوق مكانتها التي بينها الله لنا وبينها رسوله صلى الله عليه وسلم فهي بشر من البشر فضلها الله على نساء العالمين وهي ممن كمل من النساء كما أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم أختي الكريمة إن الله عز وجل قص علينا القصص في القرآن لنتفكر فيها فقال فقصص القصص لعلهم يتفكرون ولنأخذ العبرة منها فقال لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون وقصة مريم ابنة عمران عليه السلام مليئة بالعبر منها ما يسر الله ذكره في هذه السلسلة ومنها ما لم يذكر وكل من تأمل القصة وتدبرها سيهديه الله عز وجل إلى ما فيها من عبر وحكم أسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن انتفع بهذه القصة واستفاد منها وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين قصة مريم ابنة عمران