بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صور من حياة الصحابيات للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله فاطمة الزهرى رضي الله عنها قصة حياة فاطمة الزهرى فصل مشرق من سيرة الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم وصورة رائعة من صور حياة بيت النبوة الكريم ومثل رائع لما كان عليه الصحابة الكرام ولدت فاطمة الزهرى رضوان الله عليها سنة بناء الكعبة قبل البعتة المحمدية بخمس سنين أما أمها فسيدة رزان جمعت العقل الحصيف إلى النسب الشريف وضمت إلى ذلك الخلائق الفاضلة والثروة الطائلة فكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة وتنعة بسيدة نساء قريش آمنت بالرسول صلى الله عليه وسلم إذ كفر به الناس وصدقته إذ كذبه الناس وواسته بمالها إذ حرمه الناس وقد حبى الله هذه السيدة الوقور صباحة الوجه معما حباها به من الخلق الجميل والحسب الأثيل والمال الجزيل هذه هي أم فاطمة الزهراء أما أبوها فسيد المرسلين وخاتم النبيين وأمام المتقين فأعظم بهذا النسب الكريم نسبا وهذا الأب العظيم أبا كانت فاطمة الزهراء آخر أولاد أبويها وآخر الأولاد يتقلب في أعطاف الحنان والحدب ويدرج في أكناف الحفاوة والحب لذا كانت فاطمة ريحانة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يرضى إذا رضيت ويسخط إذا سخطت ولكن حنان الأبوين لم يحل دون تعهد المحبوبة الأثيرة بالتربية وإعدادها لتحمل المسؤوليات فقد روي أنها كانت تقوم وحدها بصنيع بيتها لا يعينها في أكثر أيامها أحد وأنها كانت تضمد جراح أبيها صلوات الله وسلامه عليه في غزوة أحد ولما بلغت الزهراء مبلغ النساء طمحت إليها الأنظار فكان في جملة من خطبها أبو بكر وعمر فردهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه ردًا كريمًا وكأنما كان يريد أن يخص بها عريًا رضوان الله عليه وفي السنة الثامنة للهجرة خطب علي بن أبي طالب فاطمة الزهراء فما أسرع أن استجاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى طلبه فخر علي ساجدًا شكرا لله فلما رفع رأسه من سجوده قال له الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بارك الله لكما وعليكما وأسعد جدكما وأخرج منكم الكثير الطيب وقد جهد عقد فاطمة الزهراء على علي بن أبي طالب أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير من المهاجرين وعدد يماثلهم من الأنصار ولما أخذ القوم مجالسهم قال عليه الصلاة والسلام الحمد لله المحمود بنعمته المعبود بقدرته إن الله عز وجل جعل المصاهرة نسبا لاحقا وأمرا مفترضا وحكما عادلا وخيرا جامعا أو شجا بها الأرحام وألزمها الأنام فقال الله عز وجل وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا أشهدكم أني زوجت فاطمة من علي على 400 مثقال فضة إن رضي بذلك على السنة القائمة والفريضة الواجبة فجمع الله شملهما وبارك لهما وأطاب نسلهما أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم وزفت سيدة نساء المسلمين إلى بيت زوجها وما كان لها من جهاز غير سرير مشروط ووسادة من أدم حشوها ليف ونورة من أدم وسقاء ومنخل ومن شفة وقدح ورحوان وجرتان لم يطق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم صبرا على بعد الزهراء عنه فعزم على أن يحولها إلى جواره وكانت تجاوره منازل لحارثة بن النعمان فجاء إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه وقال إنه بلغني أنك تريد أن تحول فاطمة إليك وهذه منازلي وهي أقرب بيوت بن النجار إليك وإنما أنا ومالي لله ورسوله والله يا رسول الله للمال الذي تأخذ مني أحب إلي من الذي تدع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقت بارك الله عليك ثم حول فاطمة إلى جواره وأسكنها منزلا من بيوت حارثة رضوان الله عليه ومنذ استقرت الزهراء في جوار أبيها كان يلم ببيتها كل صباح فإذا أذنى للصبح كان يأخذ بعضاد تيبا ببيتها ويقول السلام عليكم أهل البيت ويطهركم تطهيرا وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم يثني ببيت فاطمة ويطيل عندها المكث ثم يأتي بيوت نسائه وقد روي عن محمد بن قيس أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه خرج ذات مرة في سفر ومعه علي بن أبي طالب فصنعت فاطمة رضوان الله عليها في غيبتهما سوارين وقلادة وقرطين ووضعت على باب البيت ستارة وذلك لقدوم أبيها وزوجها فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها ووقف أصحابه على الباب لا يدرون أبقون أم ينصرفون لطول مكثه عندها فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم وقد عرف في وجهه الغضب حتى جلس على المنبر عند ذلك أدركت فاطمة رضوان الله عليها أنه فعل ذلك لما رأى من السوارين والقلادة والقرطين والستر فنزعت قرطيها وقلادتها وسواريها وأنزلت الستر وبعثت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت لمن حملته إياها قل للرسول تقرأ عليك ابنتك السلام وتقول لك اجعل هذا في سبيل الله فلما أتاه قال قد فعلت فداها أبوها ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد ولو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ما ثم إن بيت فاطمة الزهراء ما لبث أن سعد بالذرية الصالحة فقد رزق الأبوان الكريمان كل من الحسن والحسين ومحسن وزينب وأمك الثوم كانت فرحة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بهم كبيرة فقد روي أنه لما ورد الحسن سماه والداه حربا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أرون ابني ما سميتمو قالوا حربا قال بل هو حسن وكان الرسول صلوات الله وسلامه عليه يدلل أولاد فاطمة ويستأنسهم ويداعبهم ويرقصهم وربما ركب الواحد منهم على كتفه وهو يصلي فيتأنى في صلاته ويطيل سجوده لكي لا يزحزحه عن مركبه وقد كان من عادته صلوات الله وسلامه عليه أن يبيت في بيت فاطمة حينا بعد حين ويتولى خدمة أطفالها بنفسه وأبواهم قاعدان ففي إحدى الليال سمع الحسن يستسقي فقام صلوات الله وسلامه عليه إلى قربة فجعل يعصرها في القدح فمد الحسين يده ليتناول الماء فنحهاه عنه وبدأ بالحسن فقالت فاطمة كأنه أحب إليك فقال عليه الصلاة والسلام إنما استسقى أولا وكانت فاطمة رضوان الله عليها إذا دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيدها ورحب بها وأجلسها في مجلسه وكان إذا دخل عليها قامت له ورحبت به وأخذت بيده فقبلتها فدخلت عليه في مرضه الذي توفي فيه فآسر إليها فبكت ثم آسر إليها فضحكت وكانت عائشة ترى ذلك فقالت في نفسها كنت أحسب لهذه المرأة فضلا على النساء فإذا هي واحدة منهم بينما هي تبكي إذا هي تضحك فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها عن ذلك فقالت أسر إلي فأخبرني أنه ميت فبكيت ثم أسر إلي أني أول أهل بيته لحوقا به فضحكت ولم تمكث فاطمة بعد وفاتي أبيها عليه الصلاة والسلام طويلا فلحقت به بعد أشهر قليلة قيل إنها ست أو ثلاثة أو اثنان على اختلاف في الروايات ففي رمضان سنة 11 للهجرة لبت فاطمة الزهراء نداء ربها وفرحت باللحوق بأبيها ولما حضرتها الوفاه تولت أمر غسل نفسها بيدها وقالت لصاحبتها أسماء بنت عميس بعد أن اغتسلتك أحسن ما كانت تغتسل يا أمة إيتيني بثياب الجدد فلبستها ثم قالت قد اغتسلت فلا يكشفن لي أحد كفنا ثم تبسمت ولم ترم تبسمة بعد وفات أبيها إلا ساعة فارقة الحياة رحم الله ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة واسعة فقد زفت إلى علي في رمضان وزفت إلى الجنة في رمضان أيضا فاطمة الزهرى رضي الله عنها ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم