بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله سهيل بن عمر يالله عنه سهيل بن عمر سيد من سادات قريش المرموقين وخطيب من خطباء العرب المفوهين وواحد من أهل الحل والعقد الذين لا يقطع دونهم أمر كان سهيل حين صدع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بدعوة الحق قد اكتمل وكتهل وقد كان جديرا بعقله الراجح ونظره الثاقب أن يجعلاه أول من يستجيب لدعوة نبي الهدى والرحمة ولكن سهيلا لم يعرض عن الإسلام فحسب وإنما طفق يصد الناس عن سبيل الله بكل وسيلة ويصب على السابقين إلى الإسلام سوط عذابه ليفتنهم عن دينهم ويردهم إلى الشرك لكن سهيل بن عمر ما لبث أنفوجئ بخبر وقع عليه وقع الصاعقة وذلك حين نمي إليه أن ابنه عبد الله وبنته أم كالثوم قد تبع محمدا وفرى بدينهما إلى أرض الحبشة تخلصا من أذاه وأذا قريش ثم شاء الله أن تصر الأخبار كاذبة إلى مهاجر الحبشة بأن قريشا قد أسلمت وأن المسلمين باتوا يعيشون بين أهليهم بسلام فعاد فريق منهم إلى مكة وكان في جملة العائدين عبد الله بن سهيل لم تكد أقدام عبد الله تطأو أرض مكة حتى أخذه أبوه وكبله بالقيود وألقى به في مكان مظلم من بيته وجعل يفتن في تعذيبه ويلج في إيذاءه حتى أظهر الفتر تداده عن دين محمد وأعلن رجوعه إلى ملة آبائه وأجداده فسري عن سهيل بن عمر وقرت عينه وشعر بنشوة النصر على محمد ثم ما لبث المشركون أن عزموا على منازلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر فخرج معهم سهيل بن عمر مصحوبا بابنه عبد الله متشوقا لأن يرا فتاه يشهر السيف في وجه محمد بعد أن كان إلى عهد قريب واحدا من أتباعه ولكن الأقدار كانت تخبئ لسهيل ما لم يكن يقع له في حساب إذ ما كاد يلتق الجمعان على أرض بدر حتى فر الفتى المسلم المؤمن إلى صفوف المسلمين ووضع نفسه تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم وامتشق حسامه ليقاتل به أباه ومن معه من أعداء الله ولما انتهت بدر بذلك النصر المؤزر الذي منى الله به على نبيه ووقف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحبه الأخيار يستعرضون أسر المشركين إذا هم يجدون سهيل بن عمر أسيرا في أيديهم فلما مثل سهيل بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام يريد المفادى نظر إليه عمر بن الخطاب وقال دعني يا رسول الله أنزع ثنيتي حتى لا يقوم بعد اليوم خطيبا في محافل مكة ينال من الإسلام ونبيه فقال عليه الصلاة والسلام دعهما يا عمر فلعلك ترى منهما ما يسرك إن شاء الله ثم دارت الأيام دورتها وكان صلح الحديبية فبعثت قريش سهيل بن عمر لينوب عنها في إبرام الصلح فتلقاه الرسول عليه الصلاة والسلام ومعه طائفة من صحبه فيهم ابنه عبد الله بن سهيل ثم دع النبي عليه الصلاة والسلام والسلام علي بن أبي طالب لكتابة العقد وشرع يملي عليه فقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل نحن لا نعرف هذا ولكن اكتب بسمك اللهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي اكتب بسمك اللهم ثم قال اكتب هذا ما صالح عليه محمد الرسول الله فقال سهيل لو كنا نشهد أنك رسول الله لم نقاتلك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك فقال النبي صلى الله عليه وسلم والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله ثم أتم العقد وعاد سهيل بن عمر مزهوا بما كان يظن أنه حققه من نصر لقومه على محمد ثم دارت الأيام دورتها كرة أخرى وأذا بقريش تهزم هزيمتها الساحقة من غير حرب وأذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل مكة فاتحا وأذا المنادي ينادي يا أهل مكة من دخل بيته فهو آمن ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن فما إن سمع سهيلني النداء حتى دب في قلبه الذعر وأغلق على نفسه باب بيته وسقط في يده فلنترك الكلام لسهيل بن عمر ليحدثنا عن هذه اللحظات الحاسمات في حياته قال سهيل لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة اقتحمت بيتي وأغلقت علي بابي وأرسلت في طلب ابني عبد الله وأنا أستحي أن تقع عيني على عينه لما كنت قد أصرفت في تعذيبه على الإسلام فلما دخل علي قلت له أطلب لي جوارا من محمد فإني لا آمن أن أقتل فذهب عبد الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبي أتؤمنه يا رسول الله جعلت فداك قال نعم هو آمن بأمان الله فليظهر ثم التفت إلى أصحابه وقال من لقي منكم سهيل فلا يسئ لقاءه فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف وما مثل سهيل يجهل الإسلام ولكن قدر فكان أسلم سهيل بن عمر بعد ذلك إسلام ملك عليه قلبه ولبه وأحب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حبا أحله في السويداء من فؤاده قال الصديق رضوان الله عليه لقد نظرت إلى سهيل بن عمر في حجة الوداع قائما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقدم له البدن ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينحرها بيده الكريمة ثم دعى النبي صلى الله عليه وسلم الحلاق فحلق رأسه فنظرت إلى سهيل وهو يلتقط الشعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم ويضعها على عيني فتذكرت يوم الحديبية وكيف أبى أن يكتب محمد رسول الله فحمدت الله على أن هداه عكف سهيل منذ أسلم على ما يقربه من الله وينفعه في أخراه فلم يكن بين من أسلم بعد الفتح من هو أكثر منه صلاة ولا صوما ولا صدقة ولا رقة قلب ولا كثرة بكاء من خشية الله ثم إنه جعل كل يوم يمضي إلى معاذ بن جبل حتى يقرئه شيئا من القرآن فقال له ضرار بن الخطاب يا أبا زيد إنك تأتي هذا الخزرجي ليقرئك القرآن أفلاجئت إلى رجل من قومك من قريش فقال يا ضرار إن هذا الذي تقوله أثر من آثار الجاهلية وهو الذي صنع بنا ما صنع حتى سبقنا إلى كل خير وإن الإسلام أذهب عنا عصبية الجاهلية ورفع أقواما لم يكن لهم ذكر ليتنا كنا معهم فتقدمنا كما تقدموا وقد ظل سهيل بن عمر يشعر بفضل السابقين إلى الإسلام عليه وعلى أمثاله ويدرك ما بينه وبينهم من فرق فقد حضر ذات يوم إلى باب عمر بن الخطاب هو والحارث بن هشام وأبو سفيان بن حرب وحضر معهم عمار بن ياسر رجال من الموالي من أصحاب السابقة فخرج آذن عمر وقال ليدخل عمار ليدخل سهيب فجعل القوم من قريش ينظر بعضهم إلى بعض مغضبين ثم قال قائلهم لم نرك يومنا هذا قط يأذن عمر لهؤلاء ونحن على بابه لا يلتفت إلينا فقال سهيل إن كنتم غضابا فغضبوا على أنفسكم دعي القوم ودعينا فأسرعوا وأبطأنا فكيف بنا إذا دعو يوم القيامة إلى الجنة وتركنا أما والله إنما سبقوكم إليه من الفضل مما لا ترونه أعظم من هذا الباب الذي تتنافسون عليه ثم قال إن هؤلاء سبقوكم إلى ما سبقوكم إليه ولا سبيل لكم والله إلى استدراك ما فات إلا بالجهاد والاستشهاد ثم نفض ثوبه وقام كانت رحل حروب دائرة إذاك على تخوم الشام بين المسلمين والروم فجمع سهيل بن عمر أبناءه وأزواجه وحفدته وتوجه بهم إلى بلاد الشام ليرابط معهم في سبيل الله وقال لمن معه والله لا أدع موقفا وقفته مع المشركين إلا وقفت مع المسلمين مثله ولا نفقة أنفقتها مع المشركين إلا أنفقت مثلها والله لأبقى ينم رابطا في سبيل الله حتى أقتل شهيدا أو أموت غريبا عن مكة بر سهيل بن عمر بقسمه فشهد مع المسلمين اليرموك وأبلى فيها بلاء المؤمنين الصادقين ثم ما زال ينتقل من معركة إلى أخرى حتى حل بديار الشام طاعون عمواس فمات فيه سهيل وكل من معه من أولاده وذويه رضي الله عن سهيل بن عمر وكتبه مع النبيين والشهداء وحسن أولئك رفيقا فالعمري إن سهيلا له عقل وشرف وما مثل سهيل يجهل الإسلام محمد رسول الله