بسم الله الرحمن الرحيم معالم في طريق الثبات صحبة الثابتين ومن وسائل الثبات صحبة الثابتين من العلماء الراسخين والعاملين الصابرين والأصحاب الصادقين قال تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدات والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا وأثبت الناس على الطريق هم أهل الكتاب والسنة السائرون على فهم سلف الأمة وعلى رأسهم العلماء الربانيون الذين هم ورثة الأنبياء وهم الطائفة المنصورة الظاهرة على الحق ففي صحيح مسلم عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذ لهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك قال الإمام أحمد رحمه الله في بيان الطائفة المنصورة إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري منهم وقال أحمد بن سنان رحمه الله هم أهل العلم وأصحاب الآثار وقال علي بن المديني رحمه الله هم أصحاب الحديث وقال البخاري رحمه الله يعني أصحاب الحديث وقال يزيد بن هارون رحمه الله إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري منهم قال شيخ الإسلام عن أهل الحديث كما في الفتاوى فهم أكمل الناس عقلا وأعدلهم قياسا وأصوبهم رأيا وأسدهم كلاما وأصحهم نظرا وأهداهم استدلالا وأقومهم جدلا وأتمهم فراسة وأصدقهم إلهاما وما نبل الإمام أحمد والشافعي وغيرهما عند الأمة إلا باتباع الحديث والسنة فلذلك كان العلماء من أهل الحديث والأثر والناطقين بالحكمة قال أبو عثمان الجبري من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة قال الله تعالى وإن تطيعوه تهتدوا ومن هذا لو كان عالم واحد من أهل الحديث والأثر على وجه الأرض لكان الواجب على أهل الأرض أن يتبعوه لأنه هو الجماعة الحق التي أوصل رسول صلى الله عليه وسلم بالتزامها فلما سئل إسحاق بن راهوي عن الجماعة قال محمد بن أسلم الطوسي جماعة وقال إسحاق لم أسمع عالما منذ خمسين سنة كان أشد تمسكا بأثر النبي صلى الله عليه وسلم من محمد بن أسلم وعلق ابن القيم على كلام إسحاق بن راهوي في إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان قائلا وصدق والله فإن العصر إذا كان فيه عارف بالسنة داع إليها فهو الحجة وهو الإجماع وهو السواد الأعظم وهو سبيل المؤمنين التي من فارقها واتبع سواها والله الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءة مصيرا وقال في إعلام الموقعين إن الإجماعة والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق وإن كان وحده وإن خالفه أهل الأرض وقد شذ الناس كلهم زمن أحمد بن حنبل إلا نفراً يسيرا فكانوا هم الجماعة وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه هم الشاذون وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة وهذا الكلام يصدقه أثر بن مسعود رضي الله عنه إذ يقول الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك ومما تميز به أهل الحديث والسنة الثبات على المنهج قال شيخ الإسلام في الفتاوى وأهل الحديث والسنة هم أعظم الناس علماً ويقيناً وطمأنينة وسكينة وهم الذين يعلمون ويعلمون أنهم يعلمون وهم بالحق يوقنون لا يشكون ولا يمترون وهذا بخلاف غيرهم من أهل الكلام والفلسفة قال في الفتاوى إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالاً من قول إلى قول وجزماً بالقول في موضع وجزماً بنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر وهذا دليل عدم اليقين ولهذا قال بعض السلف عمر بن عبد العزيز أو غيره من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل وأما أهل السنة والحديث فلا يعلم أحد من علمائهم ولا من صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده بل هم أعظم الناس صبراً على ذلك وإن امتحنوا بأنواع المحن وفتنوا بأنواع الفتن وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين كأهل الأخدود ونحوهم وكسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة وبالجملة فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة بل المتفلسف أعظم اضطراباً وحيرةً في أمره من المتكلم لأن عند المتكلم من الحق الذي تلقاه عن الأنبياء ما ليس عند المتثلسف ولسنا نقصد بأهل الحديث والأثر المشتغلين فيه تصحيحاً وتضعيفاً وسماعاً وإجازة وحسب ثم هم بعد ذلك يخالفون منهج السلف في الاعتقاد والسلوك وإنما يقصد بأهل الحديث من يعظمون النصوص ويحكمونها في كل أبواب الدين وعلى طريقة الأولين من الصحابة والتابعين والأئمة الراسخين وكان السلف يذمون أهل التلون الذين لا يثبتون على قول فقد دخل أبو مسعود على حذيفة وهو مريض فأسنده إليه فقال أبو مسعود أو صنا فقال حذيفة إن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر وتنكر ما كنت تعرف وإياك والتلون في الدين وقال إبراهيم النخعي كانوا يرون التلون في الدين من شك القلوب وقال شيخ الإسلام عن أهل البدع في مجموع الفتاوى لا يثبتون على دين واحد وتغلب عليهم الشكوك وهذا عادة الله فيمن أعرض عن الكتاب والسنة ومن ثم فينبغي للمسلم التجافي والبعد عن أهل البدع والضلال إلا إذا كان في الاختلاط بهم مصلحة من دعوة أو مناظرة ناصحة ولا يكون ذلك إلا للمتمكن العارف بالمنهج الحق ومناهج أهل الباطل قال سفيان الثوري من جالس صاحب بدعه لم يسلم من إحدى ثلاث إما أن يكون فتنة لغيره وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله الله النار وإما أن يقول والله ما أبالي ما تكلموا وإني واثق بنفسي فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه وقال الشاطبي في الاعتصام قد يكون المرء على يقين من أمر من أمور السنة فيلقي له صاحب الهوى فيه هوا مما يحتمله اللفظ لا أصل له أو يزيد له فيه قيدا من رأيه فيقبله فإذا رجع إلى ما كان يعرفه وجده مظلما فإما أن يشعر به فيرده بالعلم أو لا يقدر على رده وإما أن لا يشعر به فيمضي مع من هلك معالم في طريق الثبات